نشرت إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” استراتيجيتها للأمن القومي التي توضح الأولويات الوطنية والتوجهات الكبرى التي ستنتهجها الولايات المتحدة في تعاملها مع التحديات الداخلية والخارجية، وقد شهدت نسخة عام 2025 تحولًا واضحًا في الاهتمام بالاقتصاد، حيث أكدت على أن القوة الاقتصادية هي حجز الزاوية للأمن القومي الأمريكي، مع التركيز على إعادة التصنيع وهيمنة الطاقة ومرونة سلاسل التوريد، والتي أصبحت أدوات أمن قومي وليس مجرد ملفات اقتصادية. ولأول مرة لم تُركز الوثيقة بشكل أساسي على موارد الطاقة في منطقة الشرق الأوسط كالمعتاد، بما يعكس محاولات واشنطن للإشارة ضمنيًا إلى أن التركيز على المنطقة قد بدأ في التراجع.
الطاقة في الشرق الأوسط:
تعكس استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، تحولًا واضحًا في مقاربة الولايات المتحدة لملف الطاقة في الشرق الاوسط، إذ لم يعد الهدف الأساسي يتمثل في الانخراط العسكري أو السيطرة المباشرة، بل في منع أي قوة معادية من الهيمنة على موارد النفط والغاز أو منع أي تهديدات تجاه ممرات استراتيجية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، وبالتالي برزت محاولات الولايات المتحدة للعودة إلى موضع “المُصدر الصافي للطاقة”، وزيادة إنتاج الطاقة الأمريكية، مما يقلل من المنظور الأمريكي من أهمية مكانة الشرق الأوسط كمصدر مهم لإمدادها بالطاقة.
وبالتالي لم تعد منطقة الشرق الأوسط يُنظر إليها كمصدر رئيس للطاقة للولايات المتحدة، بل كمساحة متزايدة للاستثمار والتعاون الاقتصادي في قطاعات متجاوزة النفط والغاز الطبيعي مثل الطاقة النووية والتكنولوجيا المتقدمة وتأمين سلاسل الإمداد. وفي ذات السياق، تسعى الاستراتيجية إلى إعادة توزيع أعباء الأمن الإقليمي على الشركاء المحليين (عن طريق تمكين الشركاء المحليين من إدارة التحديات الأمنية في مناطقهم)، مع الحفاظ على المصالح الأمريكية الجوهرية في ضمان تدفق الطاقة، ومنع زعزعة الاستقرار، وحماية الممرات البحرية الحيوية.
ومع أن هذه المقاربة تبدو واقعية في ظاهرها، فإنها تحمل في طياتها صعوبات ضمنية، يتمثل أبرزها فيما يلي:
• تنطلق الاستراتيجية من عدة افتراضات مفادها أن مصادر الطاقة العالمية أصبحت أكثر تنوعًا، وأن الشركاء الإقليميين باتوا أكثر قدرة على تحمل مسئوليات الأمن المرتبطة بضمان تدفقات الطاقة في الشرق الأوسط، وبالتالي يضمن ذلك تلقائيًا استقرار تدفقات إمدادات الطاقة للولايات المتحدة، إلا أن هذا الافتراض يتجاهل مدى تشابك ملف الطاقة مع الصراعات العسكرية والسياسية، فضلًا عن درجة عدم اليقين العالية التي يتسم بها هذا الملف، والتي تشهد تغيرات متسارعة خلال فترات زمنية قصيرة.
• إن نية الولايات المتحدة تقليص الحضور في المنطقة حتى وإن كان الهدف منها تجنب الحروب الأبدية مثلما أشير إليه في الاستراتيجية، فإنه من المُرجح أن يشجع ذلك القوى الدولية المنافسة مثل الصين لتوسيع نفوذها عبر استخدام أدوات اقتصادية واستثمارية.
• إن الرهان على تحويل الشرق الأوسط لمنطقة استثمار وتعاون اقتصادي في مجالات متقدمة قد يصطدم بحقيقة وجود تفاوت جوهري ومؤسسي بين الدول في المنطقة مما قد يحد من قدرة هذه الاستراتيجية على التحول إلى وثيقة طويلة الأمد، وعليه فإن نجاح مقاربة الولايات المتحدة في ملف الطاقة في استراتيجية 2025 يظل مرهونًا بقدرة الولايات المتحدة على الموازنة بين تقليص الالتزامات العسكرية والحفاظ على حضور استراتيجي كافٍ، بما يمنع اختلال ميزان القوى في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية لتقلبات أسعار الطاقة العالمية.
سلاسل الإمداد كأداة للأمن القومي:
أشارت الاستراتيجية إلى سلاسل الإمداد كأحد أهم عناصر الأمن القومي حساسية في الفترة الحالية، حيث لم تعد مجرد أدوات لتدفق السلع والمواد الخام والطاقة، بل تحولت لآليات قوة وضغط استراتيجي تتنافس عليها القوى الكبرى في العالم، وبالتالي تناول مضمون الاستراتيجية بشأن سلاسل الإمداد عددًا من المحاور الرئيسة، على النحو التالي:
• إدراك الولايات المتحدة لهشاشة الاعتماد المفرط على الخارج، وضرورة إعادة التركيز على سياسة “إعادة التوطين” وعلى وجه الخصوص إعادة توطين القطاعات الاستراتيجية مثل المعادن والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يجعل من المنظور الأمريكي أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد فهو تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الأمريكي والأمن القومي الأمريكي في وقت واحد.
• جاء تركيز الوثيقة لسلاسل الإمداد منصبًا على تصاعد مخاوف الهيمنة الصينية على سلاسل الإمداد العالمية، أكثر من تركيزه على قضايا أخرى مثل الممرات اللوجستية أو التدفقات التجارية التقليدية، أو حتى دور المنظمات متعددة الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية، ويعكس ذلك أن سلاسل الإمداد تُطرح في الاستراتيجية بالأساس كأداة في سياق المنافسة مع الصين، وليس كملف اقتصادي مستقل بذاته.
• تقر الوثيقة صراحة بأن الصين تمتلك طاقة إنتاجية فائضة لا تستطيع مناطق أو أقاليم مثل الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية، أو جنوب شرق آسيا وحدها استيعابها، وهو ما يشير ضمنيًا إلى المخاوف الامريكية القلقة بشأن قدرة الصين الكبيرة على امتصاص الأسواق الناشئة والمتوسطة وتحويلها إلى امتدادات لسلاسل الإمداد الصينية، كما أوضح أن اقتصادات الشرق الأوسط، ولا سيما خارج قطاع الطاقة، لا تزال تفتقر إلى القدرة الاستيعابية الكافية وخاصة لامتصاص الفوائض الصناعية العالمية.
• أشارت الولايات المتحدة صراحة في الوثيقة إلى أن الصين أعادت تدوير ما يقرب من 1.3 تريليون دولار من فوائضها التجارية في صورة قروض واستثمارات موجهة لشركائها التجاريين، وهو ما مكّنها ضمنيًا من تأسيس حضورها في الطرق، شبكات الاتصالات، الموانئ، وسلاسل اللوجستيات في دول ما وصفته بـ”الجنوب العالمي”، بما فيها الشرق الأوسط، بما يعكس ذلك قدرة الصين على تعزيز نفوذها في النقاط المحورية لسلاسل الإمداد العالمية، بما يتيح لها التحكم بشكل غير مباشر في تدفق البضائع والخدمات عبر الموانئ وشبكات النقل والاتصالات، ما يزيد من أهميتها الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي، وهو ما يزيد من حجم مخاوف الولايات المتحدة تجاه تصاعد اقتصادها المتنامي.
بناءً على ما سبق، تعكس مقاربة الولايات المتحدة تجاه سلاسل الإمداد هاجسًا واضحًا من تصاعد النفوذ الصيني، إذ تفترض الولايات المتحدة أن استمرار الهيمنة الصينية على قطاعات واسعة من سلاسل الإمداد يشكل تهديدًا مباشرًا لاقتصادها، ومن ثمّ تسعى واشنطن إلى إعادة هيكلة هذه السلاسل عبر إعادة توزيع الأعباء التجارية، والضغط على الحلفاء، في محاولة لاحتواء الصين دون الانسياق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، غير أن هذا التوجه، وإن كان مدفوعًا باعتبارات أمنية، يظل محفوفًا بالمخاطر، إذ قد يدفع دول الجنوب العالمي، بما فيها دول الشرق الأوسط، إلى تعميق شراكاتها مع الصين بوصفها شريكًا أكثر مرونة وقدرة على تلبية احتياجات التمويل والتجارة، بما يحقق الكثير من المخاوف التي تحاول الولايات المتحدة تجنبها في استراتيجيتها الحالية.
غير أن توجه الولايات المتحدة الجديد في “إعادة التوطين”، رغم اتساقه مع اعتبارات الأمن القومي الأمريكية، يثير تساؤلات حادة حول الاعتماد على هذا التوجه الجديد كأداة استراتيجية أساسية، إذ قد يُضعف موقعها الاقتصادي في المنافسة العالمية، فقد تتأثر كفاءتها وسلاسل إمدادها بما يتيح لقوى أخرى لاستغلال الفرص لتعزيز نفوذها التجاري، كما أن الإفراط في استخدام أدوات مثل الرسوم الجمركية والعقوبات قد يرهق الحلفاء التجاريين، ويرفع تكلفة الإنتاج عالميًا، وفي النهاية، يترتب على ذلك أيضًا تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي، ومن الناحية الأخرى يدفع الدول الأخرى إلى بناء سلاسل إمداد بديلة وأنظمة دفع وتحالفات جديدة تقلل اعتمادها على السوق الأمريكية، وبهذا، بما قد يؤدي النهج نفسه إلى تآكل النفوذ الأمريكي طويل الأمد.
يُضاف إلى ذلك غموض موقف الإدارة الأمريكية تجاه منظمة التجارة العالمية، دون أن تتضمن الوثيقة نصًا صريحًا يحدد موقفًا واضحًا تجاهها، بما يعكس توجهًا أقل اعتمادًا على المؤسسات متعددة الأطراف، الأمر الذي يسهم في زيادة الضغوط على استقرار سلاسل الإمداد العالمية.
أبعاد اقتصادية أخرى:
تنطلق استراتيجية الأمن القومي الأمريكية 2025 من رؤية شديدة التفاؤل لقدرات الولايات المتحدة، وتفترض قدرًا عاليًا من الصلابة والاستمرارية في امتلاكها القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أن المرونة الأمريكية أصبحت محل اختبار في ظل الاستقطاب الداخلي الكبير، وتراجع القدرة الأمريكية على تصحيح المسار سريعًا، كما أن وصف الاقتصاد الأمريكي باعتباره الأكبر والأكثر ابتكارًا يتجاهل التحديات المتزايدة في الهيئات والمؤسسات والمجتمع الأمريكي، مثل تفاوت الدخول وتصاعد الدين العام، واحتقان أوضاع الطبقة الوسطى الاجتماعية والاقتصادية، واعتماد قطاعات استراتيجية واسعة على سلاسل توريد عالمية قابلة للاضطراب، وهو ما قد يحد من قدرة واشنطن على توظيف تحقيق الأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل.
وعلى نحو مماثل، تفترض الاستراتيجية استدامة التفوق التكنولوجي والمالي والعسكري الأمريكي، متجاهلة أن التفوق التكنولوجي، وشبكة التحالفات، ومكانة الدولار عالميًا ليست مكتسبات بمنأى عن الزوال أو محصنة ضد التراجع، بل إن الإفراط في سباق التسلح التكنولوجي، وتباين مصالح الحلفاء الاستراتيجيين، وتزايد توظيف الأدوات المالية والاقتصادية لأغراض سياسية كالرسوم الجمركية، كلها عوامل قد تقلّص فاعلية هذه المميزات التنافسية التي تمتلكها الولايات المتحدة اليوم.
إن الاعتماد على الإرادة الشعبية والقوة الناعمة كمرتكزات ثابتة للأمن القومي مثلما ظهر في الاستراتيجية يتجاهل أن هذه العناصر ذاتها تتأثر بالتغيرات الثقافية وبالتحولات الداخلية، والضغوط العالمية، وعليه، فإن تحويل هذه العوامل إلى قوة استراتيجية مستدامة يتطلب انضباطًا مؤسسيًا وإدارة حذرة، وليس فقط الاكتفاء بتعداد عناصر قوة قد لا تكون مستمرة في بيئة دولية متغيرة.
ختامًا، تبدو استراتيجية الأمن القومي في عهد ترامب متوافقة إلى حد كبير مع تصريحاته ومبادئه المعروفة بـ”أمريكا أولًا”، بحيث يمكن اعتبارها امتدادًا طبيعيًا لرؤيته، ومن خلال متابعة خطاباته ولقاءاته، يتضح أن هذه التوجّهات تعكس أسلوبه العملي المباشر في التعامل مع التهديدات والتحالفات الدولية، وفي النهاية تركز الاستراتيجية على حماية المصالح الأمريكية وتقليل الاعتماد على الخارج، مع إدارة سلاسل الإمداد بدقة بعيدًا عن التهديدات، ومحاولة الاعتماد على الصفقات الآمنة والمصالح المتبادلة لتحقيق مكاسب سريعة وملموسة اقتصاديًا وسياسيًا، ورغم ذلك، يظل هذا النهج بإمكانه تحقيق مكاسب ولكنها قصيرة الأجل و محفوفة بالمخاطر، خاصة في ضوء تصاعد النفوذ الصيني في الجنوب العالمي والأسواق الناشئة.

