مستقبل العلاقات الإسرائيلية بأرض الصومال

12/02/2026

تشهد العلاقات الإسرائيلية بإقليم أرض الصومال تطورًا متسارعًا في الوقت الراهن، فمنذ إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في 25 ديسمبر 2025، الاعتراف الرسمي بإقليم أرض الصومال[1] كدولة مستقلة وذات سيادة، حتى الوقت الراهن، انخرطت إسرائيل وحكومة الإقليم في مسار إجرائي يعكس حرص الطرفين على تسريع وتيرة تطبيع العلاقات الثنائية بينهما على المستويات كافة، وذلك على الرغم من المواقف الإقليمية والدولية الرافضة لهذا الاعتراف، لتداعياته المحتملة على استقرار الأوضاع السياسية والأمنية بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

أهداف محددة:

جاء الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال في إطار مساعي إسرائيل لتحقيق جُملة من الأهداف السياسية والأمنية والاقتصادية، لا سيما إنشاء قاعدة عسكرية على خليج عدن، وضم إقليم أرض الصومال للاتفاقيات الإبراهيمية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والعمل على توظيف ذلك لتهجير بعض الفلسطينيين من قطاع غزة إلى إقليم أرض الصومال، وذلك وفقًا لتصريحات الرئيس الصومالي “حسن شيخ محمود” التي أشار فيها إلى المساعي الإسرائيلية لتوظيف اعترافها بإقليم أرض الصومال لتنفيذ خطة نقل الفلسطينيين للإقليم.

وعلى الرغم من نفي حكومة إقليم أرض الصومال لتصريحات الرئيس الصومالي بشأن مساعي إسرائيل لإقامة قاعدة عسكرية ونقل الفلسطينيين إلى الإقليم، وتأكيدها على أن الاتفاق مع إسرائيل هو “دبلوماسي” فقط، فإن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية أكدت على أن حكومة أرض الصومال وافقت على نقل عناصر من الميليشيات الفلسطينية المتحالفة مع الجيش الإسرائيلي إلى الإقليم، وذلك ضمن ترتيبات تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات حول التداعيات المحتملة لتنفيذ ذلك على حكومة أرض الصومال، خاصة فيما يتعلق بمساعدته لإسرائيل على تنفيذ المخطط الخاص بتهجير الفلسطينيين من أراضيهم.

مظاهر كاشفة:

اتجهت إسرائيل خلال الفترة الأخيرة، نحو اتخاذ عدد من الإجراءات العملية المتسارعة لتعزيز علاقاتها مع إقليم أرض الصومال، وبما يعزز من التواجد الإسرائيلي بالإقليم ومن ثم ضمان إيجاد موطئ قدم بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وكانت أولى الإجراءات الدالة على ذلك قيام وزير الخارجية الإسرائيلي “جدعون ساعر” بزيارة رسمية إلى الإقليم في 6 يناير 2026، التي التقى خلالها مع حاكم أرض الصومال “عبد الرحمن محمد عبد الله”، المعروف أيضًا باسم “عيرو”، وكانت هذه الزيارة هي الأولى من نوعها عقب أسبوعين من إعلان الحكومة الإسرائيلية الاعتراف بالإقليم، وقد تمثل الهدف الرئيس لهذه الزيارة في التأكيد على جدية الخطوات الإسرائيلية الخاصة بتعزيز وتمديد نفوذها بمنطقة القرن الأفريقي، وبما يساعدها على التواجد بالقرب من ممرات الملاحة الدولية في خليج عدن والبحر الأحمر، وتوظيف ذلك كورقة ضغط على الدول العربية المطلة على البحر الأحمر.

وفي إطار التبادلات بين حكومتي إسرائيل وأرض الصومال، فقد اجتمع الرئيس الإسرائيلي “إسحاق هرتسوج” في يناير 2026، بحاكم إقليم أرض الصومال “عبد الرحمن عبد الله” على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في سويسرا، وقد أكد “هرتسوج” على استعداد بلاده لتعزيز العلاقات السياسية مع إقليم أرض الصومال، لتحقيق المصالح الاستراتيجية المشتركة للطرفين، وهو ما يتماشى مع مساعي الإقليم أيضًا للحصول على دعم سياسي يمكن الاستناد عليه للتسويق لفكرة الاعتراف من قبل دول العالم، ومن ثم إمكانية إعلان الدولة المستقلة فيما بعد، إلا أن هذه المساعي تواجهها رفض دولي حتى الآن، وهو ما يصعب معه تحقيق ذلك في الأجل القريب.

تطوير ميناء بربرة:

سعت حكومة إقليم أرض الصومال لتوظيف الاعتراف الإسرائيلي لتعظيم مكاسبها الاقتصادية، حيث أبدت حكومة الإقليم انفتاحًا ملحوظًا على تطبيع العلاقات الثنائية مع إسرائيل على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وهو ما انعكس في إعلان رئيس إقليم أرض الصومال “عبد الرحمن محمد عبد الله” في 9 فبراير 2026، أن حكومته لم تستبعد منح إحدى الشركات الإسرائيلية الاستثمارية حق الوصول لتطوير أو تشغيل ميناء “بربرة” الذي يشغل موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، وهو ما يعكس توجهات حكومة إقليم أرض الصومال الساعية لتوظيف الاعتراف الإسرائيلي من أجل تنشيط اقتصاد الإقليم وذلك من خلال جذب الاستثمارات الإسرائيلية المباشرة في عدد من القطاعات الاقتصادية المهمة، مثل الطاقة والزراعة والسياحة والتمويل، وذلك في إطار العمل المشترك بين الطرفين لتعظيم مكاسبهما السياسية والاقتصادية خلال الفترة القادمة، حيث تبذل حكومة إقليم أرض الصومال جهودًا متسارعة لتنويع شراكاتها الاقتصادية على الصعيد الدولي، وتوظيف ذلك لتطوير ميناء بربرة الذي يحظى باهتمام وتنافس متنامي بين بعض القوى الإقليمية والدولية الساعية لتعزيز تواجدها في منطقة البحر الأحمر والممرات الملاحية المائية الدولية.

تحديات ضاغطة:

تُشير الإجراءات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية وحكومة إقليم أرض الصومال من أجل تسريع وتيرة تطبيع العلاقات الثنائية بينهما إلى وجود العديد من الفرص المتاحة التي يمكن للطرفين توظيفها لتحقيق الأهداف والمصالح التي يسعى كل طرف لتحقيقها، لا سيما فيما يتعلق برغبة إسرائيل في تمديد نفوذها بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وشرعنة ما ستقوم به من إجراءات أمنية تحت غطاء حماية أمنها القومي ضد جماعة الحوثي باليمن التي استهدفت المصالح الإسرائيلية بالبحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هناك عددًا من التحديات التي تواجه التحركات الإسرائيلية بإقليم أرض الصومال، خاصةً موقف الدولة الصومالية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، ونجاحها خلال الفترة الأخيرة في حشد الدعم الإقليمي والدولي المؤيد لموقفها السياسي الرافض لانتهاك سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها، وتحذير الرئيس الصومالي من تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم، لما في ذلك من تهديد مباشر لاستقرار الصومال ومنطقة القرن الأفريقي بصفة عامة.

وفي هذا الإطار، فقد سارعت العديد من الدول العربية والإقليمية إلى إدانة الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، مع التأكيد على احترام سيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه وأهمية الحفاظ على الاستقرار السياسي بالصومال لما لذلك من أهمية استراتيجية لتحقيق التنمية والأمن الإقليميين. وفي السياق ذاته، أكدت كل من تركيا والسعودية على دعمهما القوي لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، رافضتين ما وصفتاه بالتحركات الانفصالية والهياكل الموازية التي تهدد وحدة الصومال، وقد جاء ذلك خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” للسعودية واجتماعه مع ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان”، ويتسق ذلك مع الموقف الأمريكي الداعم لسيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه، وهو ما أكد عليه المتحدث باسم الخارجية الأمريكية في مطلع شهر فبراير الجاري، بشأن عدم تغير موقف الإدارة الأمريكية بشأن الاعتراف بإقليم أرض الصومال.

مسارات محتملة:

مع تنامي مظاهر تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع حكومة إقليم أرض الصومال، توجد مجموعة من السيناريوهات المحتملة بشأن مستقبل الاستقرار السياسي والأمني بمنطقة القرن الأفريقي بصفة عامة، ومن أهمها تنامي أنشطة التنظيمات الإرهابية مثل حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة في الصومال، حيث أعلنت الحركة رفضها للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وأصدرت بيانًا هددت فيه باستهداف التواجد الإسرائيلي بأرض الصومال، معتبرة أن ذلك يعني مطالبة إسرائيل بأجزاء من أراضي الدولة الصومالية أو استخدامها من أجل الوصول للبحر الأحمر، وبالتالي فقد يترتب على ذلك اتجاه حركة الشباب لزيادة عملياتها الإرهابية، وقيام إسرائيل بشن عمليات عسكرية تحت مسمى حماية مصالحها ضد تهديدات حركة الشباب، وهو ما يعني تصدير الأعمال العدوانية الإسرائيلية للأراضي الصومالية، الأمر الذي قد يترتب عليه تقويض السلم والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

ومن بين السيناريوهات المحتملة، أن يمثل الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال بداية لانفراط عقد الدولة الصومالية وانهيارها، وذلك استنادًا إلى إعلان ولاية بونتلاند شمالي الصومال دعمها للاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، وتكمن خطورة ذلك في احتمال اتجاه ولاية بونتلاند نحو إعلان الانفصال أيضًا، خاصة بعد الإعلان عن تحول حكومة بونتلاند إلى حكومة شبه مستقلة بعيدًا عن الحكومة الصومالية الفيدرالية، وفي ظل تصاعد الخلافات السياسية بين الرئيس الصومالي “حسن شيخ محمود” ورئيس ولاية بونتلاند بسبب رفضها لإجراء الانتخابات القادمة وفقًا للتعديلات الدستورية التي أقرت نظامًا انتخابيًا جديدًا يقوم على التصويت المباشر للناخبين، وهو ما ترفضه ولايتي جوبالاند وبونتلاند، وبالتالي فقد تتجه إسرائيل نحو دعم توجهات بونتلاند وتشجيعها على الانفصال ثم الاعتراف بها فيما بعد، الأمر الذي يهدد سيادة ووحدة الدولة الصومالية.

ختامًا، فإن المؤشرات الراهنة ترجح اتجاه إسرائيل وإقليم أرض الصومال نحو المزيد من تعزيز العلاقات البينية على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي المقابل ستواصل الصومال تحركاتها الدبلوماسية على الصعيدين الإقليمي والدولي لدعم موقفها الرافض لمساعي تكريس انفصال إقليم أرض الصومال، وذلك استنادًا إلى القانون الدولي الذي يعترف بأرض الصومال كجزء من دولة الصومال الفيدرالية، ومحاولة منع إقدام دول أخرى على الاعتراف بالإقليم.


[1] يقع إقليم أرض الصومال في الطرف الشمالي الغربي من الصومال. وأعلن استقلاله من جانب واحد في عام 1991.

455
التحركات الإثيوبية الراهنة في منطقة القرن الأفريقي
harvard
الخلافات بين الرئيس "ترامب" وبين المؤسسات التعليمية
123456
مجلس السلام: التوقيت والدلالات
321
قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026
Scroll to Top