تستهدف هذه الدراسة التعرف على مكانة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وعقيدتها الأمنية، وأجهزتها، والأدوار التي تقوم بها في عملية صنع القرار بإسرائيل، والآليات المتبعة تجاه ذلك فإسرائيل عاشت في ظل ديناميات متغيرة جعلت وزن وتأثير ودور المؤسسة العسكرية/الأمنية فيها بين جزر ومد.
والمتتبع لمسار نشأة هذه المؤسسة، والذي يعود إلى مرحلة ما قبل قيام دولة إسرائيل، يلاحظ أن دورها لا يقتصر فقط على الجيش والقوات المسلحة، مثل أي دولة طبيعية أخرى؛ وإنما يتعداهما ليشمل عدة مؤسسات داخل المجتمع الإسرائيلي، كوزارة الدفاع، ومجموعة المؤسسات المرتبطة بها، كالأجهزة الأمنية وحرس الحدود، وأجهزة المخابرات العسكرية والسياسية، ومعاهد الدراسات الإستراتيجية، والصناعات العسكرية، والمفاعلات النووية. والمؤسسة العسكرية/ الأمنية تتمتع بدرجة كبيرة من التكيف والاستقلالية والخلاصة هي المسؤولة عن بلورة النظرية الأمنية الإسرائيلية وترسيخ الاعتقاد بأهمية القوة العسكرية في تحقيق أهداف إسرائيل.
ودائمًا يتركز اهتمام الجمهور والمؤسسة السياسية في إسرائيل، حول مسائل: الأمن العسكري والأمن القومي؛ كما انصب دائمًا اهتمام شديد على المؤسسة الأمنية بشكل عام، وعلى المؤسسة العسكرية بشكل خاص؛ وأضحت هذه الأخيرة الجسم المنظم الأكبر والأشد أهمية في إسرائيل، واعتبرت في نظر المجتمع وقادته منظمة ذات قدرة تنفيذية عالية.
إن تنامي دور المؤسسة العسكرية/ الأمنية هو ظاهرة طبيعية في سياق حالة إسرائيل الأمنية الناجمة عن توسعاتها الدائمة، وعن رفضها المستمر للسلام، وكذلك العقيدة الصهيونية والتراث الثقافي اليهودي اللذين يركزان على أهمية القوة والقتال في تحقيق الأهداف الصهيونية؛ مثلما يضفيان أهمية كبيرة على القوة والنخب العسكرية في إدارة الصراع. وفي الماضي قيل مرارًا: إسرائيل جيش له دولة، وليست دولة لها جيش.
هذا التهديد المستمر والاعتداء على دول الجوار الإقليمي «حتي مع ما انتهت اليه الأوضاع في حرب غزة ومع الترتيبات الأمنية الجارية في غزة وجنوب لبنان والجنوب السوري وعلى طول الحدود الإسرائيلية مع مصر والأردن» وفق رؤية قادة دولة إسرائيل يتطلب من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ان تطور ذاتها بأنواع جديدة من التكتيكات العسكرية الحديثة، أضف الى ذلك تطوير علاقتها العسكرية مع دول العالم، وبالتالي يعني ذلك عمليًا المزيد من ممارسة دورها في الحياة السياسية والمجتمع في إسرائيل حيث تُجري المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مراجعات وقراءات تقييمية للبيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل من منظور أمنها القومي، وفقاً للتحولات والتغييرات التي حلت بالعالم العربي نتيجة الأزمات المتتالية، كمشهد سيؤدي إلى تحول استراتيجي إقليمي وتاريخي، وما زالت الاستخبارات العسكرية والتقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية تشير إلى حتمية مرحلة انتقالية في اتجاه إعادة إنتاج بيئة استراتيجية مغايرة مملوءة بالتهديدات للأمن القومي الإسرائيلي لها تأثيرات وتداعيات متنوعة، لكن هذه التقديرات، مع مرور الوقت، أصبحت أكثر واقعية وانضباطًا وأقل استشرافًا وتكهنًا. هذا الانضباط اللافت يدل على عمق إدراك حجم التطورات، وضرورة تغيير أو تعديل الاستراتيجيات العسكرية.
ومع تصاعد وصول الاحتجاجات ضد سياسة الحكومة الإسرائيلية إلى جنود وضباط الاحتياط في الجيش الإسرائيلي، تزايد القلق لدى جهات سياسية وأمنية، وحتى بين ضباط يشاركون في هذه الاحتجاجات، خشية الوصول إلى حال عصيان داخل الجيش، بعد أن أعلن بعضهم عن رفض الامتثال لأوامر عسكرية تصلهم من قبل مسؤولين في الحكومة الحالية ومن يقف خلف التشريعات الجديدة.
ومنذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948 وهي تشهد أزمة متواصلة في موضوع تجنيد أبناء طائفة اليهود الحريديم التي توصف بأنها طائفة «متشددة»، فزعمائها وأبنائها يرفضون الالتحاق بصفوف الجيش الإسرائيلي بحجة أنهم يجب أن يكرسوا حياتهم لدراسة التوراة، ويعتبرون أن ذلك أهم من الخدمة العسكرية. وقد عادت قضية تجنيد الحريديم إلى الواجهة بقوة بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بعد عملية طوفان الأقصى.
ويعتقد الحريديم كذلك أن دولة إسرائيل «دولة كافرة»، على أسس عقائدية ولاهوتية صارمة وأنها «تدخلت في العملية الخلاصية بالمفهوم الديني»، ويعتبر الحريديم التجنيد خطرا اجتماعيا، فالجيش بمنظورهم هو المؤسسة المهمة التي يلتقي فيها الأفراد من جميع فئات المجتمع، مما قد يؤدي إلى تغلغل ثقافة دخيلة على مجتمع الحريديم وتغييره من الداخل (ذوبان هويتهم الدينية في المجتمع العلماني).
ختامًا، سعت الدراسة إلى استنتاج عدد من النتائج والخلاصات: أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لها مكانة وأثر واسع في شتي المجالات، وعلى جميع النواحي، مما أعطي لها مكانة داخل النظام السياسي، والمجتمع بسبب اعتبار ثقافة الأمن من ضمن أولويات الدولة، وقد سمحت الظروف غير العادية التي مرت بها إسرائيل إلى أن تتداخل الأمور الأمنية، والسياسية فيما بينها، وأن تكون هذه فرصة لدخول العسكريين للحياة السياسية حيث يعتبرهم المجتمع الأكثر دراية، وفهم في المسائل العسكرية، والاستراتيجية، والسياسية، مما ولد لدى المجتمع الثقة الكبرى بهم.
أسال الله أن يكون هذا الإصدار خطوة مهمة في مسار قراءة واستشراف الأوضاع داخل الجيش الإسرائيلي والذي يشهد أكبر حركة تغيير وتعديل في مهامه في الوقت الراهن.
العدد8

