تجنبت الحكومة الإثيوبية الحالية برئاسة “آبي أحمد” إبداء أي موقف رسمي في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وانتهجت أسلوب الحذر وعدم التسرع لرغبتها في عدم تأثر علاقاتها بالأطراف كافة، ودعت إلى إجراء حوار لتسوية الخلافات التي أدت إلى هذا التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، ويمكن تفسير ذلك في إطار تبني إثيوبيا لسياسة خارجية براجماتية، تستهدف من خلالها إقامة علاقات متوازنة مع كافة الأطراف.
ومع تصاعد الأعمال العسكرية، رأت الحكومة الإثيوبية أن الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية مع دول الخليج العربي يفرض عليها إبداء التأييد والدعم السياسي لهذه الدول، ومن ثم تحول الموقف الإثيوبي من حالة الحذر والترقب، إلى الإعلان عن التأييد السياسي الرسمي لمواقف دول الخليج العربي بالإضافة إلى الأردن في الدفاع عن أمنها القومي ووحدة وسلامة أراضيها في مواجهة الهجمات الإيرانية.
دعم دول الخليج العربي:
أظهرت إثيوبيا دعمها لدول الخليج في 2 مارس 2026، حينما أجرى رئيس الحكومة الإثيوبية “آبي أحمد” مباحثات مع ولي عهد الكويت الشيخ “صباح خالد الحمد المبارك الصباح”أعرب فيه عن إدانته للهجمات الإيرانية على دول الخليج، واصفًا إياها بأنها انتهاك صارخ للسيادة والقانون الدولي، وأكد على الوقوف إلى جانب الكويت وتأييد كافة الإجراءات والقرارات التي تتخذها لحفظ سيادتها واستقرار أمنها.
كان التطور الأبرز هو قيام رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” خلال الفترة من 12 إلى 14 مارس 2026، بزيارة رسمية إلى الإمارات، التقى خلالها بالرئيس الإماراتي الشيخ “محمد بن زايد آل نهيان”، حيث بحثا سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين الدولتين في عدد من المجالات، بما في ذلك السياسية والاقتصادية والتنموية والتجارية، وركزت الزيارة بشكل رئيس على التعبير عن الدعم الإثيوبي الرسمي للموقف الإماراتي في مواجهة ما تتعرض له من هجمات إيرانية، وهو ما عبرت عنه تصريحات “آبي أحمد” خلال الزيارة عندما وصفت الهجمات الإيرانية بالسافرة نظرًا لما تمثله من انتهاك لسيادة دول الخليج العربي والأردن، وانتهاكًا للقوانين الدولية.
شراكة استراتيجية:
يمكن تفسير التأييد الإثيوبي لدول الخليج العربي في مواجهة الهجمات الإيرانية في إطار المساعي الإثيوبية للتأكيد على عدد من الأمور الرئيسة، أبرزها الحفاظ على نمط العلاقات الراهن بين إثيوبيا ودول الخليج العربي، على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وهو تعكسه عدد من المؤشرات المهمة، لا سيما الزيارات الرسمية المتبادلة، والتي كان من أهمها زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير “فيصل بن فرحان” إلى إثيوبيا في مطلع فبراير 2026، وبعدها زيارة “آبي أحمد” للإمارات، هذا إلى جانب حجم الاستثمارات الخليجية داخل إثيوبيا في قطاعات عديدة، بما في ذلك الزراعة والسياحة والطاقة والبناء والتجارة والصناعات الغذائية. وتُشير البيانات إلى استثمار الإمارات بحوالي 2.9 مليار دولار في عام 2022، موزعة على 4 قطاعات رئيسية هي الصناعات الدوائية، والألومنيوم، والأغذية والمشروبات، والكيماويات، فيما تقدر الاستثمارات السعودية في إثيوبيا بحوالي 356 مليون دولار، إذ تعد السعودية شريكًا تجاريًا واستثماريًا مهمًا لإثيوبيا وتتوزع هذه الاستثمارات في قطاعات الطرق والكهرباء والصرف الصحي والمياه.
ويعني ما سبق أن دول الخليج العربي تمثل سندًا رئيسًا للاقتصاد الإثيوبي، حيث تلعب الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية الخليجية دورًا محوريًا في دعم وتنشيط الاقتصاد الإثيوبي، لا سيما مع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية على اقتصاديات دول العالم، ومنها إثيوبيا، حيث سارعت الحكومة الإثيوبية لاتخاذ بعض الإجراءات في محاولة منها لاحتواء تأثير استمرار الحرب على إمدادات الطاقة داخل إثيوبيا، ومن ذلك إعلان الخطوط الجوية الإثيوبية في الأول من مارس 2026، عن تعليق عدد من رحلاتها من وإلى بعض الوجهات في منطقة الشرق الأوسط شملت كل من السعودية والأردن ولبنان وإسرائيل، وذلك كإجراء احترازي، بالإضافة إلى إقرار الحكومة الإثيوبية في مطلع شهر أبريل 2026، زيادات جديدة بنسبة حوالي 26% في أسعار الوقود داخل البلاد، ارتباطًا بما تواجهه من تراجع في واردات الوقود نتيجة اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، لا سيما المرتبطة بالتوترات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يزيد من التحديات الاقتصادية داخل إثيوبيا.
يأتي ذلك في الوقت الذي لا يسير فيه نمط العلاقات الإثيوبية الإيرانية بنفس القدر من التقارب والتحالف كما هو الحال مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربي، حيث لا توجد علاقات استراتيجية على أي من المستويات السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، ومع ذلك، فإن الموقف الإثيوبي المبدئي والمتخوف من الدعم المباشر لأي من أطراف المواجهات، خشية الانزلاق إلى هذه الحرب بشكل قد تكون له تداعيات على أمنها ومصالحها بالدرجة الأولى، لا سيما قضية الوصول إلى البحر الأحمر التي أصبحت على قائمة أولويات إثيوبيا في الوقت الراهن.
الوصول إلى البحر الأحمر:
تحرص إثيوبيا على تحقيق هدفها بالوصول إلى البحر الأحمر عبر امتلاك منفذ بحري يمكنها من تعزيز بما تعزيز مكانتها الإقليمية في منقطة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، وتعزيز علاقاتها التجارية مع شركائها التجاريين على الصعيدين الإقليمي والدولي، وإيجاد موطئ قدم داخل بنية البحر الأحمر، حيث تعمل الحكومة الإثيوبية الحالية على الترويج إلى أن لها حق في التحول من دولة حبيسة إلى دولة ساحلية، وهو ما عبرت عنه تصريحات المسئولين الإثيوبيين، وعلى رأسهم “آبي أحمد”، حيث أكد مؤخرًا على أن الوصول إلى البحر الأحمر يمثل ضرورة حتمية لتحقيق التنمية الاقتصادية لبلاده.
وفي هذا السياق تسعى إثيوبيا من تبنيها مواقف مؤيدة لدول الخليج إلى تحقيق هدفين، الأول: استمالة مواقف دول الخليج العربي لتأييد موقفها الرسمي في هذا الخصوص، وتوظيف ذلك للمضي قدمًا في التسويق لفكرة أن امتلاك منفذ بحري سيساعدها في تشكيل قوة بحرية لتعزيز الجهود الأمنية الدولية في مجال مكافحة القرصنة ومكافحة الإرهاب. وينصرف الهدف الثاني إلى ضمان عدم تأثير التطورات الإقليمية على منطقة البحر الأحمر لا سيما أن ذلك الأمر سيعقد فعليًا من جهودها للحصول على منفذ بحري.
ختامًا، يمكن القول إن الرؤية الإثيوبية تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، أوضحت إدراكًا من قبل الحكومة الإثيوبية لخطورة التصعيد العسكري الراهن في منطقة الشرق الأوسط، وما لذلك من تداعيات مباشرة على الأوضاع الداخلية في البلاد، لا سيما على صعيد مساعيها الخاصة بالوصول إلى البحر الأحمر وامتلاك منفذ بحري والرغبة في تعزيز مكانتها الإقليمية، بالإضافة إلى ضمان استمرار الدعم الاقتصادي الخليجي لمساعدة إثيوبيا على تنشيط اقتصادها الوطني، في ظل ما تواجهه من تحديات داخلية متفاقمة، لا سيما مع الصراعات المسلحة المتزايدة في عدد من الأقاليم، خاصة في أمهرة، وتزايد المؤشرات الدالة على احتمال تجدد الصراع في إقليم التيجراي.
وعلى الرغم مما تبديه إثيوبيا من مخاوف إزاء الانعكاسات المحتملة للحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية على الأوضاع السياسية والأمنية في منطقة القرن الأفريقي، وما لذلك من تداعيات محتملة على أوضاعها الاقتصادية، فإن ذلك لن يؤثر على تحركاتها لتنفيذ مخطط الوصول إلى البحر الأحمر، وما يحول دون تنفيذ ذلك في الوقت الراهن، هو انشغال الحكومة الإثيوبية واستعدادها لإجراء الانتخابات العامة السابعة في شهر يونيو المقبل، ورغبة إثيوبيا في ضمان إجراء هذه الانتخابات في إطار بيئة داخلية وأوضاع إقليمية تتسم بقدر من الاستقرار الأمني.

