مقاربة جديدة: كيف أعادت مواجهات الشرق الأوسط رسم مسارات الشحن الدولي

13/05/2026

تدفع التطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط نحو إعادة تشكيل خريطة ممرات التجارة العالمية، مع تزايد المخاطر في الممرات والمضائق البحرية الحيوية خاصة مضيق هرمز، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية. وقد ترتب على ذلك إعادة توزيع مسارات الشحن، حيث استفادت بعض الممرات البحرية القائمة بالفعل من هذا التحول، وفي مقدمتها طريق رأس الرجاء الصالح كمسار بديل رئيس، في حين برزت في المقابل مقترحات وتحركات لتطوير ممرات بديلة ورئيسة في المنطقة، كخيارات أكثر أمانًا واستقرارًا بعيدًا عن مناطق التوتر والصراع في المنطقة. لم تقتصر التغيرات على الممرات البحرية التقليدية، بل امتدت إلى بروز مراكز لوجيستية وموانئ محورية، فرضت عليها التغيرات الجيوسياسية أهمية ترتيب أوضاعها.

تحولات جوهرية:

بدأت العديد من الموانئ الأفريقية والعربية تدريجيًا في الاندماج بقوة داخل شبكات شحن إقليمية ودولية، ولم تعد مجرد موانئ عبور تقليدية، بما يعكس اتجاهًا عامًا نحو تنويع مسارات التجارة وتقليل التعرض للمخاطر الناتجة عن المرور عبر مناطق النزاعات، ويتضح ذلك الأمر على النحو التالي:

1-ميناء طنجة (شمال أفريقيا):

برز ميناء طنجة المتوسط في المغرب كأحد أهم الموانئ الصاعدة على مستوى حوض البحر المتوسط وأفريقيا، وأصبح يُنظر إليه كمركز لوجيستي عالمي منافس للموانئ التقليدية في المنطقة، حيث شهد الميناء توسعات ضخمة في البنية التحتية والطاقة الاستيعابية، وقد تفوق ميناء طنجة المتوسط على نظرائه في منطقة البحر المتوسط، حيث بلغ عدد الحاويات التي تمت مناولتها 11.1 مليون في عام 2025، بزيادة نسبتها 8.4% عن العام السابق[1]، ولدى الميناء خطوط ربط بأكثر من 180 ميناءًا حول العالم.

وقد واصل الميناء تسجيل نمو قياسي في أنشطة الحاويات، حيث تجاوز 8.6 مليون حاوية في عام 2023، وصولًا استقباله 10.24 مليون حاوية في عام 2024، مع تصاعد المواجهات في الشرق الأوسط خلال عامي 2024 و2025، كما استمر في استقبال موجة إضافية من السفن المارة برأس الرجاء الصالح، ما زاد دوره كمنصة بديلة لشركات الشحن.

2-موانئ منطقة أفريقيا جنوب الصحراء:

شهدت أولويات الاستثمار في البنية التحتية في الموانئ الأفريقية تحولًا من التركيز على التوسع الكمي – مثل زيادة حجم الموانئ، وتوسيع الطرق السريعة، وتمديد شبكات السكك الحديدية – إلى التركيز على ضمان كفاءة تشغيل هذه النُظم وقدرتها على الصمود أمام العوامل البيئية، وقد أثبتت التطورات المتتالية في الشرق الأوسط قدرة بعض الموانئ الأفريقية على التكيف مع الأوضاع المتغيرة في المنطقة، إذ خضعت هذه الموانئ لاختبار عملي واضح منذ أكتوبر 2023، وأظهرت قدرتها على الاستجابة السريعة، باعتبارها سببًا جزئيًا في منع انتقال اضطرابات سلاسل الشحن إلى ارتفاع غير مبرر في أسعار السلع نتيجة زيادة تكاليف النقل.

بالنسبة للموانئ في غرب قارة أفريقيا، فقد شهدت دولة ناميبيا تطورًا في خدماتها البحرية واللوجيستية، حيث يتزايد عدد السفن التي تتوقف في ميناء والفيس باي (Walvis Bay) لتزويدها بالوقود والخدمات اللوجيستية، مدفوعًا بتحولات مسارات الشحن نحو الطرق البديلة[2]، كما عملت دولة توغو، على تطوير البنية التحتية للموانئ لمواكبة هذه التحولات في حركة التجارة العالمية، إذ طورت ميناء لومي (Lomé Port)[3]، كخيار لوجيستي بديل متنامي، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي على خليج غينيا، وقدرته على استقبال السفن ذات الغاطس العميق.

أما الموانئ في شرق القارة، فقد أسهمت الاضطرابات المتواصلة في منطقة باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن في انتعاش عمليات مناولة الحاويات في الموانئ الجيبوتية، وعلى وجه الخصوص ميناء دوراليه (أكبر موانئ جيبوتي)، الذي شهد تصاعدًا في دوره منذ حرب غزة في أكتوبر 2023، فيما شهدت موانئ جيبوتي حينها عبور نحو 90 سفينة يوميًا، 59% منها قادمة من آسيا، بينما تمثل السفن القادمة من أوروبا 21%[4].

كما برز ميناء بورت لويس (Port Louis) في موريشيوس في المحيط الهندي، كنقطة أساسية لهذا التحول في أنماط الشحن، حيث سجل زيادة ملحوظة في نشاط التزود بالوقود بنسبة 42% خلال مارس 2026، مع ارتفاع عدد السفن الراسية إلى 294 سفينة مقارنة بعدد 207 سفينة قبل تصاعد الصراع، كما ارتفع الطلب على الوقود في الميناء بشكل متوازٍي من نحو 69,680 طنًا إلى 109,708 أطنان خلال الفترة نفسها[5].

وقد شهدت موانئ أخرى في شرق أفريقيا، بما في ذلك مومباسا (كينيا)، ودار السلام (تنزانيا)، وبيرة (موزمبيق)، والتي تقع خارج خطوط الشحن التقليدية التي تربط آسيا بأوروبا، انتعاشًا بسبب زيادة حركة النقل البحري من وإلى موانئ الخليج العربي التي تتجنب البحر الأحمر، وتستخدم بدلًا من ذلك طريق رأس الرجاء الصالح، وفي ذات السياق حقق ميناء مابوتو في موزمبيق تقدمًا نسبيًا في تحسين كفاءته التشغيلية. كما تطورت الموانئ في جنوب أفريقيا، خاصة ديربان وكيب تاون، لتصبح أكثر مرونة واستجابة لاحتياجات الشحن والعبور، مدعومة بالتوسع في الخدمات اللوجيستية مثل تزويد السفن بالوقود ومواد التشحيم، وتوفير مناطق رسو، وتسهيل عمليات النقل بين السفن.

وفي سياق مختلف، كشفت التطورات الجيوسياسية عن تباين واضح في مستوى الجاهزية بين الموانئ الأفريقية؛ فعلى سبيل المثال لا يزال ميناء مومباسا في كينيا يعاني من اختناقات مرورية بحرية تؤدي إلى تأخيرات ملحوظة في عمليات الشحن والتفريغ[6].

3-موانئ السعودية:

شهدت السعودية تحولات لافتة في موقعها داخل منظومة التجارة البحرية واللوجيستية العالمية، فعلى الرغم من أن دورها في بداية الاضطرابات الجيوسياسية التي أعقبت حرب غزة عام 2023 لم يكن بالشكل الحالي، فإن التطورات اللاحقة، وعلى رأسها التوترات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، أعادت تشكيل دورها الاستراتيجي داخل خريطة التجارة الدولية.

وفي هذا السياق، فقد لعبت الموانئ السعودية، خاصةً الواقعة على البحر الأحمر مثل ميناء ينبع وميناء جدة الإسلامي، دورًا متزايد الأهمية في إعادة توجيه مسارات الشحن العالمية بعيدًا عن مناطق الاختناق التقليدية، كما أسهم تكامل البنية التحتية البحرية مع خطوط النقل البري والسككي، وعلى رأسها شبكة “سار”، في تحويل السعودية إلى محور إقليمي لإعادة توزيع البضائع والطاقة نحو دول الخليج والأسواق المجاورة.

ومن الناحية التنظيمية، تبنت الجهات المختصة نهجًا مرنًا عبر منح استثناءات مؤقتة للسفن، ما أسهم في تقليل زمن التوقف بنسبة تصل إلى 25%، وخفض التكاليف التشغيلية دون الإخلال بمعايير السلامة، وساعدت هذه المرونة في خفض تكاليف النقل البحري بنسبة تتراوح بين 8 و18%، وتقليل تقلبات أسعار الشحن بنسبة تتراوح بين 10 و20%[7].

أسهم هذا التكامل بين الموانئ والممرات البرية في إعادة توجيه تدفقات التجارة والطاقة بكفاءة أعلى، وتحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرصة لتعزيز مكانة السعودية داخل الشبكات التجارية الدولية.

ممرات بديلة:

تشهد الفترة الحالية تصاعدًا ملحوظًا في طرح الممرات العابرة للأقاليم عبر منطقة الشرق الأوسط، والحديث لم يعد يتركز بالأساس على المبادرات المعروفة منذ سنوات مثل ممر بحر الشمال أو “الممر الاقتصادي IMEC” أو “ممر النقل الدولي شمال–جنوب INSTC” أو “الممر الأوسط TITR”، وطريق التنمية العراقي، وغيرها من الممرات الدولية المعروفة التي شهدت تطويرًا منذ عدة سنوات، أي قبل تصاعد اضطرابات الشرق الأوسط.

وقد برز اتجاهًا متزايدًا نحو إعادة إحياء وطرح مسارات بديلة لم تكن تحظى بالاهتمام نفسه في السابق، حيث أسهمت التطورات الجيوسياسية في إعادة فتح عدد من الملفات المرتبطة بحركة التجارة الدولية، ودفع الأطراف المختلفة إلى إعادة تقييم هذه المسارات وطرحها مجددًا كبدائل محتملة للممرات التجارية التقليدية، ومن أبرز ما تم طرحه ما يلي:

1-ممرات عبر سوريا: تنامي الحديث عن جعل سوريا ممرًا رئيسًا للتجارة الإقليمية، فضلًا عن كونها مسارًا محتملًا لخطوط نقل الطاقة والنفط، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين مناطق الإنتاج في الخليج العربي وإيران والعراق، وبين أسواق الاستهلاك في أوروبا، ومن أبرز هذه المقترحات، تدشين ممر تجاري جديد بين سوريا والأردن وتركيا، وإحياء خط أنابيب كركوك/ بانياس، الذييهدف لنقل البترول من شمال العراق إلى البحر المتوسط، فضلًا عن مبادرة “1+4″، أي أربعة دول خليجية + سوريا، التي تهدف إلى تحويل سوريا إلى منصة لوجيستية عالمية تربط 3 قارات من خلال إعادة إحياء خط أنابيب النفط “التابلاين” وإنشاء شبكة قطارات سريعة تربط السعودية بالأردن بسوريا، هذا بالإضافة إلى طرح “مشروع البحار الأربعة، والممرات التسعة”، والذي من المتوقع أن يتكامل مع مبادرة “1+4”.

2-ممرات إسرائيلية: أُعيد طرح “ممر داوود” كمعبر للتجارة والنفط، وهو تصور استراتيجي إسرائيلي يهدف في حالة تنفيذه، إلى إنشاء ممر بري يمتد من الجولان المحتل، مرورًا بجنوب سوريا، ليصل إلى مناطق نفوذ كردية في العراق، موفرًا لإسرائيل طريقًا مباشرًا إلى العمق الآسيوي.

3-ممرات خليجية:

ممر نيوم بالسعودية: تتطلع “نيوم” السعودية لأن تكون حلقة الربط في مسار جديد يتضمن أوروبا/مصر/نيوم/ دول مجلس التعاون الخليجي.

قناة الإمارات – عُمان: يوجد توجه حاليًا نحو شق قناة مائية استراتيجية تربط الخليج العربي ببحر العرب عبر أراضي الإمارات وسلطنة عُمان.

مشروع قناة سلمان: تفكر السعودية في إنشاء قناة بحرية، بطول 960 كم تربط الخليج العربي بالبحر الأحمر عبر السعودية، لتكون بديلًا استراتيجيًا عن مضيق هرمز.

ومع ذلك يظل السؤال المحوري المطروح من سيتولى السيطرة على هذه الطرق والممرات البديلة، ومن سيقوم بالربط، ومن سيتكفل بمهام التأمين والإدارة، وفي أي نطاق جغرافي، في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب لا يزال في طور التشكل، إذ إن التنافس القائم بين القوى الإقليمية، وعلى رأسهم إيران وإسرائيل وتركيا من جهة، والفاعلين الدوليين، وفي مقدمتهم الصين والولايات المتحدة من جهة أخرى، ستكون له انعكاسات مباشرة على المنطقة، وقد يُسهم في إعادة تشكيل اصطفافات وتكتلات جديدة.

ختامًا، يتضح أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة لم يقتصر تأثيرها على تعطيل مسارات التجارة التقليدية، بل أسهمت في تحفيز موجة متجددة من بدائل لوجيستية وطرح ممرات جديدة تسعى لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق التاريخية، ومع استمرار حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط، يُرجح أن يتزايد طرح وتبني المزيد من الممرات والطرق البديلة، ليس فقط كخيارات مؤقتة، بل كجزء من إعادة هيكلة أوسع لشبكات التجارة العالمية، كما يُتوقع أن يتزايد الدور الاستراتيجي للموانئ والمراكز اللوجيستية الإقليمية، خاصةً في أفريقيا والشرق الأوسط، باعتبارها نقاط رئيسة في توجيه تدفقات التجارة والطاقة عالميًا، والربط بين الشرق والغرب.


[1] “ارتفاع حركة الحاويات بميناء طنجة المتوسط في المغرب 8% في 2025″، رويترز. 2 فبراير 2026، متاح على https://www.reuters.com/ar/business/E57GG3GAJFNJ3HYPVPOXVJOMDI-2026-02-02/

[2] “Port of Walvis Bay”, The Walvis Bay Corridor Group (WBCG). Available at: https://www.wbcg.com.na/port-of-walvis-bay/

[3] “Togo’s Lomé Port Completes Upgrade for Mega-Ships in Gulf of Guinea Rivalry”, Econ agency. Available at: https://www.ecofinagency.com/news-infrastructures/2509-48994-togo-s-lome-port-completes-upgrade-for-mega-ships-in-gulf-of-guinea-rivalry

[4] “«الشرق الأوسط» تجول على الموانئ الجيبوتية… اضطرابات البحر الأحمر تنعشها”، صحيفة الشرق الأوسط. 26 فبراير 2026. متاح على: https://tinyurl.com/2jrhcrpr

[5] آلاء الطباخ، “قفزة 40% في تزويد السفن بالوقود بموانئ موريشيوس بسبب الحرب”، منصة رؤية الإخبارية. 11 أبريل 2026، متاح على: https://tinyurl.com/mrx5ppcd

[6] “Africa’s ports adjust to the world’s new shipping perils”, IOA? 26 March 2026, Available at: https://www.inonafrica.com/2026/03/26/africas-ports-adjust-to-the-worlds-new-shipping-perils/

[7] “السعودية تكسر حصار مضيق هرمز بمنظومة ربط عابرة للقارات”، صحيفة الشرق الأوسط. 26 مارس 2026. متاح على: https://tinyurl.com/y8zvjf9k

122344
الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وإعادة توجيه قطاع الطاقة نحو الوقود الحيوي
12
تكريس الحضور: المشاركة الصينية في عمليات إعادة الإعمار في المشرق العربي
Is-eco
قراءة استشرافية في مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي
4555
المناطق الاقتصادية الحدودية وتسوية الصراعات بين دول الجوار
Scroll to Top