توافقات وتجاذبات السياسة العراقية

11/06/2026

على الرغم من أن الدستور العراقي لم ينص صراحة على الأخذ بالنظام التوافقي (الديمقراطية التوافقية)، فإن العرف قد جرى على أن يكون رئيس الجمهورية كرديًا، ورئيس مجلس الوزراء شيعيًا، ورئيس البرلمان سنيًا، وأصبح هذا العرف هو الأساس الذي قام عليه النظام السياسي العراقي منذ عام 2003 وحتى الآن. إن التوافق السياسي أو نظام تقاسم السلطة لابد أن يتوافر له مجموعة من الشروط كي ينجح، مثل التواصل الدائم والتشاور بين النخب السياسية، واستعداد كافة الأطراف للتنازل عن بعض مطالبها والقبول ببعض مطالب الأطراف الأخرى، كما يتيح هذا النظام للأقليات الفرصة كي تشارك في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

النظام التوافقي في العراق:

يقوم النظام التوافقي في العراق على ضمان مشاركة المكونات السياسية الإثنية والمذهبية المختلفة في الحكومة وتقاسم الرئاسات الثلاث (أي: البرلمان، ورئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء) بناءً على التوازنات بين المكونات الطائفية والقومية، كما جرى العرف على ضرورة حل الخلافات من خلال التفاوض والصفقات السياسية بين قادة الكتل، وفي حالة استمرار الخلافات فيما بينهم، يتم اللجوء للمحكمة الإتحادية العليا، وهو الأمر الذي يترتب عليه ضرورة اتفاق الكتل السياسية الكبرى الكردية والسنية والشيعية قبل اتخاذ أي قانون أو قرار مهم.

ويعتبر النظام التوافقي هو الخيار الأفضل لمجتمع مثل المجتمع العراقي، والذي يتسم بالتعددية اللغوية، والإثنية، والدينية، والمذهبية، حيث يضمن مشاركة كافة هذه الجماعات في السلطة، وهو الأمر الذي كان يُفترض أن يُرسخ الإستقرار السياسي في العراق، ولكن ماحدث كان العكس، وتحول هذا النظام إلى وسيلة لتعطيل تشكيل الحكومة العراقية، واختيار الرؤساء الثلاثة، وسن القوانين المهمة، ولم تعد صناديق الانتخابات وحدها كافية لتمرير الاستحقاقات الدستورية وتشكيل الحكومة، وإنما تلعب التوافقات دورًا أهم في ذلك، وهو الأمر الذي اتضح في اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بعد انتهاء الإنتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة في 11 نوفمبر 2025،  والتي شهدت تغيرات كبيرة في النتائج نظرًا لتعديل قانون الانتخابات العراقية عام 2020، والذي ألغى الدوائر الصغيرة وقسم العراق إلى دوائر مغلقة واسعة، وهو الأمر الذي ساعد على زيادة نفوذ الأحزاب التقليدية والتحالفات الكبري وقلص من قدرة المرشحين المستقلين والقوى المدنية على تحقيق أي مكاسب ملحوظة.

الانتخابات البرلمانية والانقسامات السياسية:

جاءت نتيجة الانتخابات البرلمانية وفقًا للمفوضية العليا للانتخابات العراقية على النحو التالي: استطاع تحالف ائتلاف الإعمار والتنمية بقيادة رئيس الوزراء الأسبق “محمد شياع السوداني” الحصول على 48 مقعدًا في البرلمان من أصل 329 مقعدًا، وحل في المرتبة الثانية حزب تقدم بقيادة رئيس البرلمان الأسبق “محمد الحلبوسي” والذي حصل على 33 مقعدًا، ثم ائتلاف دولة القانون بقيادة “نوري المالكي” والذي حصل على 29 مقعدًا، وجاء في المرتبة الرابعة تحالف صادقون بقيادة “نعيم العبودي” وحصل على 27 مقعدًا، وحل في المرتبة الخامسة الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة “مسعود بارزاني” وحصل على 26 مقعدًا، وفي المرتبة السادسة جاءت منظمة بدر تحت قيادة “هادي العامري” بعدد 18 مقعدًا، وفي المرتبة السادسة أيضًا حصل تحالف قوى الدولة الوطنية بقيادة “عمار الحكيم” و “حيدر العبادي” على 18 مقعدًا، وفي المرتبة السابعة جاء تحالف العزم بقيادة “مثنى السامرائي” والذي حصل على 15 مقعدًا، وفي المرتبة السابعة أيضًا استطاع الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة “بافل طالباني” الحصول على 15 مقعدًا.

ومما سبق نستطيع القول إن نتائج البرلمان العراقي أثبتت وجود تشتت قوي داخل الكتل السياسية الكردية والسنية والشيعية، وعدم قدرة أيًا منها على الفوز بالأغلبية المطلقة مما أدى إلى اللجوء إلى المساومة من أجل إنجاز الاستحقاقات الدستورية. ونتيجة لذلك، تأجل حسم منصب رئاسة الجمهورية لعدة أشهر نتيجة للصراع داخل المكون الكردي وغياب التوافق بين كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني وبين الاتحاد الوطني الكردستاني، حيث قام الأول بترشيح “فؤاد حسين” وقام الثاني بترشيح “نزار أميدي”، بالإضافة إلى 15 مرشحًا أخرين، وعقدت الجلسة الأولى في أبريل 2026 لاختيار رئيس الجمهورية ولكن لم يستطع أي مرشح الفوز بثلثي أصوات البرلمان مما أدى إلى عقد جولة ثانية فاز بها “نزار أميدي”.

وقد تعرض التوافق الذي شكل أساس العملية السياسية في العراق إلى تحدٍ أخر، وهو المتعلق باختيار رئيس الوزراء العراقي، حيث نص الدستور العراقي في المادة 76 منه على ضرورة تكليف رئيس الجمهورية رئيس الوزراء الذي يتم اختياره خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ اختيار رئيس الجمهورية. وبالفعل، قام الإطار التنسيقي والذي يضم العديد من الكتل الشيعية باختيار “نوري المالكي” كمرشح لرئاسة الوزراء، لكن هذا الترشيح قوبل برفض شديد من قبل الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والذي وصف هذا الإختيار بأنه سيء للغاية نتيجة الاتهامات الموجهة للمالكي بأنه كان أحد العوامل التي أدت إلى الإحتقان الطائفي خلال فترة رئاستيه السابقتين، كما أنه مقرب من الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وهو الأمر الذي جعل الرئيس الأمريكي يُهدد بوقف كافة أشكال الدعم العسكري والإقتصادي للعراق في حالة اختياره، وهذا ما أدى إلى قيام الإطار التنسيقي بسحب هذا الترشيح، وإعلان عدم ترشيح أي شخصية مرفوضة من الولايات المتحدة.

اختيار “الزيدي” واختبار التوافق:

أعلن الإطار التنسيقي في 27 أبريل عن اختيار “علي الزيدي” كمرشح لرئاسة الوزراء، وصدر الأمر الرئاسي بتكليفه بتولي منصب رئيس الوزراء، ويمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى اختيار “الزيدي” فيما يلي:

· تهديد “المالكي” بانسحابه من الإطار التنسيقي في حالة قيام الإطار بترشيح “محمد شياع السوداني” لولاية ثانية، وهو الأمر الذي كان يهدد بفقدان الإطار لصفة الكتلة الأكبر في البرلمان، وبالتالي عدم قدرته على اختيار رئيس الوزراء، وقد أدى ذلك إلى اقناع كلا من “السوداني” و”المالكي” من قبل باقي قادة الإطار بضرورة سحبهما لترشيحهما، واختيار مرشح من خارج الإطار.

· موافقة الولايات المتحدة على “الزيدي”، وعدم معارضتها لهذا الترشيح، خاصةً مع كونه من التكنوقراط، ولا يوجد لديه انتماءات حزبية مثيرة للجدل، كذلك عدم اعتراض إيران على اختياره نظرًا لأن من قاموا باختياره هم حلفاؤها في العراق.

· الخلفية الاقتصادية للزيدي، وهو الأمر الذي يحتاجه العراق حاليًا، والذي يعاني من تحديات اقتصادية كبيرة تحتاج إلى شخصية قادرة على إدارة ملفات المال والأعمال.

· تمتع “الزيدي” بعلاقات جيدة مع المكونات السياسية العراقية كافة، حيث أنه المرشح الوحيد للإطار التنسيقي، كما أنه يتمتع بعلاقات جيده مع التيار الصدري.

· يُعد اختيار “الزيدي” محاولة من أجل امتصاص الغضب الشعبي، وذلك نظرًا لصغر سنه حيث أنه من مواليد عام 1986، وبالتالي فإن اختياره يعكس الرغبة في ضخ دماء جديدة لا يوجد عليها اعتراضات شعبية.

· الإدراك بضرورة استكمال الاستحقاقات الدستورية في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد، مما لا يسمح بوجود أي فراغ دستوري أو زيادة حالة اللاتوافق التي سادت الحياة السياسية العراقية منذ الانتخابات البرلمانية في 2025.

عقد البرلمان العراقي في 14 مايو 2026 جلسة للتصويت على منح الثقة لحكومة “الزيدي” بحضور 266 نائبًا، ونجح 14 وزيرًا في الحصول على ثقة البرلمان العراقي، وذلك بالأغلبية المطلقة، في حين تقرر تأجيل التصويت على 9 حقائب وزراية، وهي: الداخلية، والدفاع، والتخطيط، والعمل، والهجرة والمهجرين، والإعمار والإسكان، والثقافة، والشباب، والرياضة، وكذلك نواب رئيس الوزراء إلى ما بعد انتهاء عطلة عيد الأضحى، ويمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى تأجيل التصويت على تلك الحقائب الوزارية على النحو التالي:

· إصرار الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاصل على 26 مقعدًا على أحقيته في تولي مرشحيه منصبي وزير الإسكان والتعمير، ونائب رئيس الوزراء، نظرا لأنه حصل على عدد مقاعد أكثر من الاتحاد الوطني الكردستاني، ولأن الأخير حصل على منصب رئاسة الجمهورية على الرغم من رفض الحزب الديمقراطي لتولي “نزار آميدي” هذا المنصب.

· مثّل الانقسام داخل المحور الشيعي سببًا في تأجيل اختيار وزيري الداخلية والدفاع، حيث يوجد  انقسام بين المحور الشيعي حول الموقف من علاقة هيئة الحشد الشعبي والفصائل المسلحة بالدولة، وتسليم سلاح هذه الفصائل للدولة، فبينما وافقت التيارات المُسلحة المقربة من الإطار التنسيقي مبدئيًا على تسليم أسلحتها نظرًا لأنها أصبحت مُمثلة في البرلمان، كما أنها حصلت على مناصب تنفيذية مهمة جعلتها أقل تشددًا في موضوع نزع سلاحها، فإن التيارات الشيعية المتشددة مثل كتائب حزب الله قد رفضت ذلك الأمر، واشترطت لكي تقبل بنزع سلاحها عدم المساس بمصالحها الاقتصادية، وتقديم الحماية الدائمة لقادتها من الملاحقات الأمنية، وعدم تحديد سقف زمني ملزم لنزع أسلحتها.

ختامًا، يمكن القول إن اختيار رجل الأعمال “علي الزيدي” رئيسًا للوزراء يعكس تحولًا في استراتيجيات الإطار التنسيقي الشيعي ورؤيته لكيفية إدارة الدولة، حيث لم يلجأ كما هو معتاد منذ عام 2003 لإختيار قيادة شيعية معروفة، بل اختار رجل أعمال لم يكن معروفًا باهتماماته السياسية، ويمكن تفسير ذلك بالإدراك المتزايد لضرورة ضمان تدفق الاستثمارات الخارجية، والعملات الأجنبية، وحل المشكلات الاقتصادية التي يُعاني منها العراق، وهو ما ظهر في البرنامج الإصلاحي لحكومة “الزيدي” والقائم على تنشيط الصناعة، والزراعة، والاستثمار، ومحاربة هدر المال العام.

2525
تطوير وتحديث القدرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط
usa-ksa
مقاربة أخرى: قراءة في نتائج زيارة ولي عهد السعودية للولايات المتحدة
iraqelec
مستقبل المشهد السياسي في ضوء نتائج الانتخابات العراقية
turkusa
رؤى بحثية: مستقبل العلاقات التركية الأمريكية
Scroll to Top