انتهت المواجهات الأمريكية الإيرانية بعد توصل الجانبين إلى اتفاق حول مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب بينهما، التي أدت إلى سلسلة من الارتدادات أثرت بالسلب على دول المنطقة والعالم، حيث شهدت الاقتصادات موجة من التباطؤ في وتيرة النمو، خاصةً مع إغلاق مضيق هرمز وتعطل سلاسل إمداد السلع والطاقة، وتنامي حالة عدم اليقين الجيوسياسي. وعلى الرغم من هذا المشهد الاقتصادي السلبي عالمياً، فقد استطاعت الصين إدارة هذه التأثيرات السلبية، بل وتحقيق بعض المكاسب.
تأثيرات حرجة:
أدت المواجهات إلى مجموعة متنوعة من التأثيرات السلبية التي لم يقتصر نطاقها على دول منطقة الشرق الأوسط، بل امتدت إلى العالم بأكمله، ويتمثل أبرز هذه التأثيرات فيما يلي:
- وقوع خسائر بشرية كبيرة، حيث تُشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 7400 شخصاً منذ بدء الحرب وحتى منتصف يونيو 2026، وعلى الرغم من وجود تباين في حجم الخسائر البشرية، فإن هناك حقيقتان لا يمكن إغفالهما، تتعلق الأولى بأن أطراف الصراع الرئيسين لم يشهدوا أكبر حجم من هذه الخسائر، حيث حلت لبنان في المرتبة الأولى بنحو 3800 قتيلاً، وحلت إيران في المرتبة الثانية بعدد ضحايا اقترب من 3500 قتيلاً، وتنصرف الثانية إلى أن هذه الجولة من المواجهات قد شهدت وقوع العدد الأكبر من الضحايا في نحو إحدى عشر دولة[1]، وبما يفوق معدلات الجولات السابقة، وهو مؤشر على دموية الصراع واتساع نطاقه.
- التحول في عُقدة “وحدة الساحات”، والتي ارتبطت بشكل وثيق بإيران، ويُقصد بها تحريك عدة ساحات أو جبهات في الوقت نفسه ضد إسرائيل حتى وإن بدأ الحرب أحد الأطراف المرتبطين بإيران في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وقد ظهر هذا الوصف عام 2021 بعد معركة “سيف القدس”[2]، لكنها تطورت فيما بعد استجابة للأوضاع الجيوسياسية، لا سيما خسارة الوجود في سوريا وتراجعه في لبنان. وعلى الرغم من أن استراتيجية وحدة الساحات كانت مركزية في الفكر والسياسة الإيرانية تجاه المنطقة، كإحدى أدوات الردع ورفع تكلفة أي صراع، فقد شهدت المواجهات الأخيرة تطويراً آخراً من خلال قيام إيران بفتح جبهات جديدة اختارتها بعناية، وتحميلها جزءاً كبيراً من الردود الإيرانية، ولُتصبح الساحات ليست مصدراً للهجوم على إسرائيل، ولكن وجهة للصواريخ والمُسيرات الإيرانية.
- تراجع الموثوقية في السياسات الأمريكية، حيث استطاعت منظومات الدفاع الجوي في المنطقة ومنها الأصول الأمريكية اعتراض الغالبية العظمى من الصواريخ والمُسيرات الإيرانية، وتتمتع الولايات المتحدة بوضع فريد كمزود أمني ودفاعي رئيس لدول المنطقة، فعلى سبيل المثال، تعد الولايات المتحدة أكبر مورد للأسلحة للدول الخليجية، وتمثل الأسلحة الأمريكية 77% من الواردات السعودية، و48% من الواردات القطرية، و62% من الواردات الكويتية، و42% من الواردات الإماراتية، و99% من الواردات البحرينية[3]. وعلى الرغم من ذلك، فإن الثقة في القدرات العسكرية الأمريكية لا تُترجم بالضرورة في ثقة مماثلة في “رشادة” سياساتها، حيث اهتمت دول الخليج في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب بإظهار حيادها، والسعي نحو التهدئة، لكن ذلك لم يحل دون استهدافها بغالبية الهجمات الإيرانية، وبالرغم من أن الولايات المتحدة ستظل محتفظة بوضعها المهم كمزود أمني ودفاعي للدول الخليجية، على الأقل في المديين القريب والمتوسط ، فإن الأخيرة ستجد نفسها أمام تحولات استراتيجية تدفعها نحو اتخاذ إجراءات تحوطية مقبولة وأكثر منطقية، كي لا تصبح طرفاً في أي مواجهات مقبلة.
- ارتفاع التكلفة الاقتصادية للحرب، مثل الخسائر الناجمة عن التدمير الهائل للعديد من مرافق البنية التحتية والاقتصادية في إيران، والتي يتطلب إعادة بنائها سنوات طويلة وموارد ضخمة، إلى جانب تكلفة الأسلحة والنُظم العسكرية التي تدمرت أو استُهلكت في الحرب، فعلى سبيل المثال، تُشير التقديرات إلى تكلفة الحرب على الولايات المتحدة قد بلغت نحو 34 مليار دولار حتى شهر مايو 2026. هذا إلى جانب إغلاق مضيق هرمز، وانخفاض حركة العبور بنسبة بلغت نحو 97% وتوقفها بشكل تام في مناسبات عديدة، ونتيجة لحيوية المضيق في إمدادات النفط العالمية، فقد أدى تعطل الملاحة إلى اتجاه الدول لتعويض نقص الإمدادات، عبر سياسات خفض استهلاك الطاقة، والبحث عن مصادر جديدة، وإزاء هذا المشهد المرتبك، خفض البنك الدولي من توقعاته للنمو في ثلثي دول العالم، من 2.9% في عام 2025 إلى 2.5% في عام 2026[4].
حدود الاستجابة الصينية:
عادةً ما يُشار إلى الصين باعتبارها من ضمن المستفيدين نسبياً من الحرب، بسبب قدرتها على إدارة ارتداداتها وصمودها في مواجهة التأثيرات، وهو ما يرجع إلى مجموعة من العوامل التلقائية، أبرزها: تزايد الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط على حساب شرق آسيا، بما خفف من الضغط الأمريكي – ولو مرحلياً – عن الصين، إلى جانب قدرة الأخيرة على الاستثمار السياسي والدبلوماسي بصورة مكثفة في نموذجها التنموي وسياستها الخارجية، والترويج إلى أنها قوة دولية لا تُمثل نداً للولايات المتحدة، ولا تتعامل بمنطق القوة العسكرية لتحقيق مصالحها، ولا تؤدي سياساتها إلى تأثيرات سلبية على العالم كما تفعل الولايات المتحدة، بل تتجه الصين نحو مبادئ أكثر سلمية، تقوم على بناء مستقبل مشترك وتعزيز تنمية وتقدم البشرية[5].
وعلى الرغم من هذه المكاسب التلقائية، فقد اتجهت الصين إلى تصميم بعض السياسات الموجهة لتفادي تأثيرات الحرب، على الرغم من اعتمادها الكبير على النفط القادم من دول المنطقة، لعل من أبرزها: توظيف قدراتها الداخلية لتخفيف ضغوط ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما شمل الاستفادة من مخزونات النفط واحتياطاتها الاستراتيجية، إلى جانب تنويع مصادر استيرادها.
كما اهتمت الصين بتسريع عملية التحول إلى الطاقة المولدة من مصادر الطاقة المتجددة، وقد أدركت الصين أن هذا الاتجاه لن يُفيدها فقط في تحمل صدمات الحرب الأولية، بل سيكون محل طلب كبير من قبل الدول الأخرى في مرحلة ما بعد الحرب، والتي ستستثمر بصورة أكبر في قطاع الطاقة المتجددة بما في ذلك الألواح الشمسية وتوربينات الرياح[6].
يُضاف إلى ذلك أن الصين تتمتع بعلاقات استراتيجية مع إيران، وبالتالي فإنها قد تحظى بنصيب واسع من مشروعات إعادة الإعمار التي ستبدأ في إيران، ومع مُضي الاتفاق الأمريكي الإيراني قُدماً والإفراج عن مليارات الأصول المجمدة، فإن الصين ستكون مهتمة في هذا المشروعات لا سيما مع توافر التمويل اللازم لدى إيران، وهو ما يعني في نهاية المطاف توليد المزيد من الأرباح.
المسارات المستقبلية:
لا يمكن النظر إلى الحرب الأمريكية الإيرانية باعتبارها اختباراً يقتصر على حدود دول المنطقة، بل إن الأمر قد امتد ليشمل أطرافاً أخرى من خارج المنطقة بما في ذلك الصين، وبالنظر إلى طبيعة البنية الجيوسياسية الرخوة في منطقة الشرق الأوسط، وطبيعة الدروس المستفادة من المواجهات الأخيرة، فإنه من المتوقع أن تتجه الصين نحو تعزيز مرونتها الاقتصادية، عبر تنويع الشراكات مع الدول المنتجة للنفط، وخفض الاعتماد التدريجي على نقاط ومسارات الطاقة والتجارة التي تتسم باختناق شديد، والاتجاه لمناطق أخرى مثل أفريقيا.
وعلى الرغم من أن الصين لن تتخلى كلياً عن شراكاتها الاقتصادية والطاقوية مع دول المنطقة، فإنها ستُظهر اهتماماً أكبر بمسارات التصدير البديلة عن مضيق هرمز، الذي لا يزال استقراره يرتبط بصورة كبيرة بطبيعة التطورات الجيوسياسية، ومدى إدراك شركات الشحن الكبرى بأنه قد أصبح آمناً للعبور.
يُضاف إلى ذلك تزايد احتمالية اتجاه الصين نحو تعزيز حضورها في المضائق والممرات الاستراتيجية الأخرى خارج منطقة الشرق الأوسط، مثل مضيق ملقا، حيث كشفت الحرب الأخيرة أن أمن المضائق والممرات أصبح ورقة مساومة وضغط وضمن أساليب المواجهات والحروب من أجل الضغط والتأثير على المستويين الإقليمي والدولي. ومع ذلك، فإنه من المرجح أن تهتم الصين بتشكيل تفاهمات وترتيبات أمنية جماعية، ذلك أن القوة العسكرية وحدها لم تعد قادرة على توفير الأمن والاستقرار وضمان انسيابية الملاحة والتجارة.
ختاماً، أظهرت الحرب الأمريكية الإيرانية تزايد تأثيراتها السلبية الإقليمية والدولية، لكن الصين قد استطاعت الصمود في مواجهة هذه التأثيرات، وإمكانية تحويلها إلى فرصة مستقبلاً في بعض الأحيان، لكن ذلك قد ارتبط بانتهاء الحرب والمواجهات، والتي كانت ستجعل هذه المكاسب الصينية موضع شك إذا ما طال أمدها بصورة أكبر.
[1] “الخسائر البشرية في المنطقة خلال حرب إيران”، وكالة أنباء الأناضول. 15 يونيو 2026. متاح على https://tinyurl.com/3hajtva4
[2] قاسم نصير، “وحدة الساحات أو وحدة الجبهات أو محور المقاومة: بين الشعارات والوقائع”، مؤسسة الدراسات الفلسطينية. 20 نوفمبر 2023. متاح على https://www.palestine-studies.org/ar/node/1654679
[3] Mathew George, et al, “Trends in International Arms Transfers, 2025”, SIPRI. March 2026. Available at https://www.sipri.org/sites/default/files/2026-03/fs_2603_at_2025.pdf
[4] “بعد اتفاق إنهاء حرب إيران.. 7 تحولات اقتصادية كبرى من النفط إلى إعادة الإعمار”، العربية. 15 يونيو 2026. متاح على https://tinyurl.com/y9mbd82p
[5] تشيان مينجيان، “المبادئ الخمسة للتعايش السلمي… نحو العمل سويّاً لنكون قوة مستقرّة تسهم في الحفاظ على السلام”، النهار. 5 يوليو 2024. متاح على https://tinyurl.com/3cfjbxr6
[6] “5 رابحين و5 خاسرين في الحرب على إيران.. إليكم التفاصيل”، CNN بالعربية. 2 مايو 2026. متاح على https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/05/02/iran-war-winners-and-losers-list

