التنافس على مضيق هرمز بين الاعتبارات القانونية والسياسية

29/06/2026

تتجه أنظار العالم حاليًا إلى مضيق هرمز الذي يمر بمرحلة حرجة من التجاذبات السياسية والعسكرية، تتداخل فيه الحسابات الميدانية الإقليمية والدولية، وتتأرجح حاليًا بين إغلاق ميداني شبه مستمر، وتوترات تمنع السفن من الملاحة الطبيعية خلاله، وبين مساعٍ دبلوماسية وسياسية معقدة عبر تفاهمات مؤقتة وفق ما جاء في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، وما ستُسفر عنه التفاهمات من تأثير على وضع هذا المضيق الدولي مستقبلًا.

الإطار القانوني:

تعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار “مضيق هرمز” مضيقًا دوليًا، وعند إبحار السفن والمرور خلال المضائق البحرية الدولية، يجب أن تتبع نظامًا لفصل حركة المرور الملاحي خلاله (TSS) Traffic Separation Scheme، والذي يهدف لتحديد مسارات السفن داخل المضائق الدولية[1]، مثل: مضيق هرمز وباب المندب وجبل طارق أو ملقا[2]، حيث يتم من خلالها فصل حركة السفن الداخلة عن الخارجة من المضيق، لمنع الحوادث والاصطدام بما قد يتسبب في إغلاق المضيق ملاحيًا وفنيًا. ولتقليل خطر وقوع تصادمات، يتحتم استخدام السفن الداخلة مسارًا منفصلًا عن السفن الخارجة من المضيق (تلتزم كل سفينة عند السير بالجهة اليمنى من كل هذين المسارين)، ويبلغ عرض كل مسار حوالي ميلين بحريين (تُعادل 3704 متر، فالميل البحري يُعادل 1852 مترًا)، تفصل بينهما منطقة بعرض ميلين بحريين أيضًا، ويسمى هذا العبور أو المرور في الاتفاقية بالمرور العابر Transit Passage، وتلتزم وتعترف بذلك كل دول العالم الموقعة على هذه الاتفاقية.

على جانب آخر، لا تعترف إيران بهذا المبدأ وتعارضه، وتُطالب السفن بإتباع نظام المرور البريء Innocent Passage والذي يُطبق في القانون الدولي البحري فقط على سفن الدول عند دخولها في المياه الإقليمية للدول الأخرى، أو عند إبحار تلك السفن داخل موانئ الدول الأخرى أيضًا، وبذلك تعتبر إيران المضيق جزءً من مياهها الإقليمية.

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على أن تعريف نظام المرور البريء يُطبق فقط على مرور السفن خلال المياه الإقليمية حيث يحق لدولة المياه الإقليمية عند مرور سفن الدول الأخرى خلالها منع مرور تلك السفن لأسباب أمنية أو قضائية، ولها حق التوقيف والصعود للتفتيش أو الاشتباه والقبض على أطقم السفن، كما يحق لها منع عبور أي سفينة تهدد الأمن والسلامة البحرية.

وتتحدد المياه الإقليمية للدول في القانون بــ 12 ميلًا بحريًا أي ما يُعادل حوالي 22.224 كيلو مترًا (يبلغ أقصر عرض داخل المضيق 39 كيلو مترًا)، بالإضافة إلى ذلك يُعرف القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار المضائق البحرية الطبيعية بالمضائق الدولية، والتي تنص على حرية الملاحة خلالها، وفقًا لأحكام المرور العابر الواردة في الاتفاقية[3].

كما حدد القانون في الاتفاقية بأن المضائق البحرية هي مضائق دولية والعبور خلالها كالعبور في المياه الدولية، وتعترف وتقر كل دول العالم بذلك. وحتى وإن لم تصادق بعض الدول على هذه الاتفاقية، كإيران مثلًا، فإن معظم الدول بما فيها الولايات المتحدة ودول الخليج العربي ترفض قيام إيران بفرض رسوم عبور من خلال المضيق، حيث تعترف بذلك كمبدأ قانوني عرفي دولي اتفقت دول العالم على إقراره، وهو الأمر الذي قد يُدخل المنطقة في حرب ونزاع عسكري من جديد.

وينص البند الخامس من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية على ضمان فتح ممر آمن ومجاني لجميع السفن التجارية عبر مضيق هرمز، مع التزام إيران بتوفير عبور مجاني وآمن للسفن خلال 60 يومًا، ومنح إيران مهلة 30 يومًا لإزالة العوائق التقنية والعسكرية والألغام من المضيق.

المضيق كورقة ضغط إيرانية:

استخدمت إيران خلال مواجهتها العسكرية الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل مضيق هرمز كسلاح ردع ذو حدين، الأول عسكري، وذلك عبر زرع الألغام وإغلاقه، مستغلة في ذلك جغرافيته لصالحها، حيث تنتشر جزرها في المضيق (قشم – هنجام – لاراك – هرمز)، الثاني سياسي، مما يجعل إغلاقه ورقة سياسية واقتصادية بالغة التأثير خلال مفاوضات باكستان قبل التوقيع على الاتفاق وبعده، للضغط على كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والمجتمع الدولي حيث يُمثل المضيق شريانًا حيويًا يمر عبره إمدادات الطاقة العالمية من النفط والغاز، وأعلنت إيران فرض رسوم على السفن للعبور من خلاله، واعتبرته كالممر الصناعي أو القناة الداخلية التي تقع تحت سيادتها. فيما تُصر الولايات المتحدة على ضمان حرية الملاحة الدولية دون فرض قيود أو رسوم إيرانية.

إن محاولة فرض هذا الواقع الجديد في منطقة الخليج لا يمكن أن يؤسس لأمن أو استقرار دائم في هذه المنطقة، بل سيؤدي إلى أجواء جديدة من التوتر والنزاع تُلقى بظلالها على استقرار دول منطقة الشرق الأوسط، وقد تنتقل عدواها لأقاليم أخرى من العالم، فإذا تغيرت طبيعة مضيق هرمز، سقطت معه بقية المضائق الحيوية الاستراتيجية في العالم في مستنقع التنافس والصراع، بما يُدخلها في حقبة جيوسياسية جديدة تتسم بعدم الاستقرار.

إن أمن واستقرار المضائق البحرية الدولية ليس مسئولية الدول المتشاطئة عليه فقط، بل هي مسئولية عالمية، كما أن أمن واستقرار تلك المضائق لا يمكن أن يتأسس باستخدام القوة وحدها، بل يجب اللجوء لمنطق القانون الدولي، وإلى الحكمة والعقل، بوقف التصعيد والصراع وإرساء مبدأ التفاهمات وبناء الثقة والاقناع بين الأطراف المتصارعة، واحترام سيادة الدول وتحقيق المصالح المشتركة.

ويشكل الصراع حول موارد الطاقة في العالم عنصرًا مهمًا في الأزمات الدولية، وذلك حين تحولت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى صراع وأزمة أخرى في مضيق هرمز والتي ألقت بظلالها على أمن الطاقة العالمي، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأن وسلامة المضائق والممرات الدولية البحرية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، فلا يزال أمن الطاقة يمثل أحد أهم عناصر الأمن والاستقرار في العالم.

ختامًا، يمكن القول إن مستقبل نظام الأمن في العالم سيظل مرتبطًا بطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية، والتكتلات المؤثرة فيه، وأيضا بمدى قدرة الأطراف الفاعلة على إدارة الصراعات الدولية واللجوء لمنطق الحكمة واستعادة الثقة بين الأطراف وبعضها، لمحاولة تسوية تلك الصراعات بالطرق الدبلوماسية والسياسية دون الوصول إلى نقطة الانفجار.


[1] تمتلك وتشغل سلطنة عُمان موقع رادار دولي لمراقبة نظام فصل حركة السفن في مضيق هرمز، ويقع هذا الموقع على جزيرة صغيرة في إحدى الجزر المنتشرة في المضيق أمام رأس مسندم.

[2] مضيق هرمز: يربط بين الخليج العربي شمالًا والمحيط الهندي جنوبا عن طريق خليج عمان، وتطل عليه إيران وبعض جزرها شمالًا وشبه جزيرة رأس مسندم بسلطنة عمان جنوبًا، ويبلغ اجمالي طوله حوالي 170 كيلو مترًا، ويبلغ أقصر عرض له حوالي 39 كيلومترًا بين ساحل جزيرة قشم الإيرانية ورأس مسندم العمانية. مضيق باب المندب: يربط بين البحر الأحمر شمالًا والمحيط الهندي جنوبًا عن طريق خليج عدن، وتطل عليه جزيرة بريم اليمنية شرقًا وجيبوتي غربًا. مضيق جبل طارق: يربط بين مياه المحيط الأطلنطي غربًا والبحر المتوسط شرقًا، وتطل عليه إسبانيا وبريطانيا شمالًا والمغرب جنوبًا. مضيق ملقا: يربط بين بحر الصين والمحيط الهادي جنوبًا والمحيط الهندي شمالًا، وتطل عليه مجموعة من الدول، مثل: ماليزيا شرقًا وسنغافورة وجزيرة سومطرة غربًا وجنوبًا.

[3] تعتبر إيران نفسها ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 رغم توقيعها على الاتفاقية، حيث لم يُقرها ويصادق عليها البرلمان الإيراني حتى الآن.

Ch-Iran
الصين وإدارة ارتدادات الحرب في الشرق الأوسط
iraqi-Politics
توافقات وتجاذبات السياسة العراقية
2525
تطوير وتحديث القدرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط
usa-ksa
مقاربة أخرى: قراءة في نتائج زيارة ولي عهد السعودية للولايات المتحدة
Scroll to Top