فرص التقارب التركي العراقي

21/07/2026

شهدت الفترة الأخيرة تحركات تركية مكثفة تجاه الجانب العراقي، فبعد الزيارة التي قام بها رئيس الاستخبارات التركية “إبراهيم كالين” إلى العراق في يونيو 2026، والتي أجرى خلالها عدة لقاءات مع المسئولين العراقيين، أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب العراقي “هيبت الحلبوسي” يوم 5 يوليو 2026 تسلمه دعوة رسمية لزيارة تركيا من قبل نظيره التركي “نعمان كورتولموش”.

تحركات مكثفة:

أجرى رئيس الاستخبارات التركية “إبراهيم كالين” مباحثات مع العديد من المسئولين، بما في ذلك رئيس الوزراء العراقي “علي الزيدي” والرئيس “نزار آميدي”، ورئيس مجلس القضاء الأعلى “فائق زيدان”، ووزير الخارجية “فؤاد حسين”، ومستشار الأمن القومي “باسم البدري”، إلى جانب عقده لقاءات مع عدد من قيادات الأحزاب السياسية، مثل تحالف قوى الدولة الوطنية بقيادة “عمار الحكيم” الذي أكد على أن العراق يسعى إلى إقامة أفضل العلاقات مع دول الجوار.

كما أجرى “كالين” مباحثات مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني “مسعود بارزاني” ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني “بافل طالباني” للتأكيد على ضرورة تعزيز العلاقات والتنسيق بين تركيا وإقليم كردستان بجانب التباحث حول مسألة التقارب التركي الكردي، وتطورات عملية “تركيا خالية من الإرهاب”.

وقد أُجريت عدة مباحثات في 3 يوليو 2026 بين وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي “ألب أرسلان بيرقدار” ووفد عراقي بقيادة وزيرَي الخارجية والنفط للتباحث حول إيجاد صيغة بديلة لاتفاقية حول مستقبل خط أنابيب النفط بين العراق وتركيا وسبل التعاون في قطاع الطاقة في ظل الرفض التركي لطلب العراق تمديد العمل بالبنود الراهنة لعام إضافي. كما حرص العراق على تطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع الجانب التركي، الأمر الذي أكده رئيس الوزراء العراقي “علي الزيدي” أثناء استقباله للسفير التركي لدى العراق “أنيل بورا إنان” وممثلي عدد من الشركات ورجال الأعمال الأتراك.

جاءت التحركات التركية الأخيرة مع الجانب العراقي في ظل سياق يتسم بالتوتر في الملف الكردي، حيث اندلعت احتجاجات في 28 يونيو 2026 في بلدية “دياربكر” ذات الغالبية الكردية في جنوب شرق تركيا، استهدفت الحصول على مسوغ قانوني أو تأكيد يضمن حقوقهم ويُظهر نية الحكومة التركية الحقيقية في المضي في إحداث التقارب مع الأكراد، وطالبت الاحتجاجات بالإفراج عن زعيم تنظيم حزب العمال الكردستاني “عبد الله أوجلان” وانتقدت المسار البطيء للسلام التركي الكردي، الذي تطلق عليه الحكومة التركية عملية “تركيا خالية من الإرهاب” ويطلق عليه الجانب الكردي “عملية السلام والمجتمع الديمقراطي”[1].

وقد انتقدت الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي لـ “اتحاد مجتمعات كردستان” الذي يُعد المظلة التي تجمع التنظيمات والأحزاب الكردية، من بينها تنظيم حزب العمال الكردستاني، والساعية إلى نظام كونفدرالي ديمقراطي في تركيا والعراق وسوريا وإيران، زيارة رئيس الاستخبارات التركية إلى العراق باعتبارها لا تصب في مصلحة الأكراد.

أهداف مباشرة:

تتماشى التحركات التركية إزاء العراق مع مقاربتها الخاصة بتعزيز العلاقات مع دول المنطقة، وقد كشفت زيارة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” إلى العراق في أبريل 2024 عن هذه المقاربة بوضوح، حيث كانت الزيارة الأولى للرئيس التركي منذ 13 عامًا، وجاءت ارتباطًا بالرغبة في تحقيق عدد من الأهداف، أبرزها التنسيق فيما يخص نزع السلاح من تنظيم “حزب العمال الكردستاني”.

وتكشف زيارة “كالين” إلى العراق أولوية الملفات الأمنية، على رأسها ملف الأكراد، حيث أشارت تقارير في يوليو 2026 إلى انسحاب عناصر التنظيم من معسكر “سياني” ومنطقة “بهار” في جبل غارا قرب الحدود التركية الذي يعد أحد أهم معاقل التنظيم. وقد تبدو الزيارة كمحاولة تركية لكسب بعض الوقت وإنهاء التوترات الأخيرة خاصة بعد اندلاع الاحتجاجات الأخيرة في بلدية “دياربكر” وانتقاد بطء سير عميلة “تركيا خالية من الإرهاب”، ويُستدل على ذلك بطبيعة لقاءات “كالين” في العراق، حيث التقى بـ “بافال طالباني” المعروف بدعمه لمسار نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، باعتبارها خطوة مهمة تاريخية للتعايش المشترك، وكذلك فقد التقى بـ “مسعود بارزاني” الذي سبق أن لعب دورًا داعمًا في عملية السلام عام 2013، وقد تزامن ذلك مع تأكيد البرلمان التركي على اقتراب طرح القانون الإطاري للسلام على جدول أعمال البرلمان خلال شهر يوليو الحالي.

يُضاف إلى ذلك وجود رغبة لدى تركيا في إضفاء شرعية على وجودها العسكري في العراق غير المقيد بأُطر زمنية، على عكس مذكرة التفاهم التي تم الاتفاق عليها في 1985، لا سيما مع توقيع الجانبين مذكرة تفاهم في عام 2024 تمثلت أبرز بنودها في إنشاء مركز للتنسيق الأمني المشترك بين البلدين لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وأنشطتها.

في المقابل، يستهدف الجانب العراقي من التقارب مع تركيا تحقيق مكاسب تتعلق بالتبادل التجاري وخطوط الطاقة، لا سيما مع اقتراب انتهاء الموعد النهائي للاتفاقية المبرمة عام 1973 في 27 يوليو 2026 المتعلقة بمستقبل خط أنابيب النفط بين العراق وتركيا، والرفض التركي لتمديدها بعد أزمة توقف خط “كركوك – جيهان” في مارس 2023، والرغبة التركية في رفع معدلات تشغيل الخط إلى طاقته الاستيعابية القصوى والتلويح بوقف الصادرات في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن هذا الخط، فضلًا عن مطالبتها باتفاق شامل يمتد من 5 إلى 10 سنوات ويتضمن بنود إلزامية تفرض على العراق دفع رسوم تعويضية عن أي طاقة استيعابية غير مستخدمة.

كما ترغب العراق في الحصول على بعض المكاسب التي تتعلق بإدارة المياه والحصول على حصة عادلة منها، خصوصًا بعد توقيع الاتفاق الإطاري في 25 أبريل 2024، الذي يتعلق بإدارة المياه بين البلدين لمدة عشر سنوات ويستهدف التعاون في تنفيذ مشروعات مشتركة فيما يخص تحسين إدارة المياه في نهري دجلة والفرات، إلى جانب الاستفادة من الخبرات التركية في مجال تحديث نظم الري وتحقيق إدارة مشتركة وعادلة للموارد المائية.

ختامًا، يمكن القول إن الفترة المقبلة قد تشهد دفعة للعلاقات التركية العراقية، مع تركيز تركيا على تحقيق أهدافها فيما يخص الملف الكردي، ومتابعة تطورات المشهد السياسي العراقي بما يضمن عدم تضرر مصالحها الأمنية. في المقابل، يتضح اهتمام العراق بزيادة مستوى العلاقات الاقتصادية مع تركيا من خلال إبرام مذكرات تفاهم تستهدف زيادة حجم التجارة بين البلدين، ومحاولة الحصول على أي مكاسب فيما يتعلق بإدارة المياه والوصول إلى حل وسط فيما يتعلق باتفاقية خط “كركوك – جيهان” النفطي.


[1] سبق أن دعا رئيس حزب الحركة القومية “دولت بهجلي” في 22 أكتوبر 2024 لنزع سلاح تنظيم “حزب العمال الكردستاني” في مقابل الإفراج عن مؤسس التنظيم وسن تشريعات تضمن حقوق الأكراد وتضمن العودة الآمنة لمن يترك السلاح ولم تلطخ أيديه بالدماء.

nato2026
مقاربة جديدة: الرؤية التركية للأمن الأوروبي
hormuz
التنافس على مضيق هرمز بين الاعتبارات القانونية والسياسية
Ch-Iran
الصين وإدارة ارتدادات الحرب في الشرق الأوسط
iraqi-Politics
توافقات وتجاذبات السياسة العراقية
Scroll to Top