الأردن وتأثيرات المواجهة الأمريكية الإيرانية

30/08/2026

تشهد البيئة الأمنية الحالية في الشرق الأوسط إعادة تشكيل لمنظومة “التوازن والردع الإقليمي”، حيث لم تعد تداعيات المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في مضيق هرمز أو منطقة الخليج، وفرضت التحولات العسكرية تحولًا استراتيجيًا في التموضع الجيوسياسي للأردن، مُنتقلًا بها من دور “الدولة العازلة”، إلى “جبهة مواجهة مركزية”، ومسرح عمليات مباشر بين الولايات المتحدة وإيران.

دلالات استهداف الأردن:

تُمثل اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة بين الأردن والولايات المتحدة في عام 2021 حجر الزاوية للموقف الميداني للحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران، وتمنح هذه الاتفاقية بعض الامتيازات للولايات المتحدة، التي تشمل استخدام بعض المرافق العسكرية المتفق عليها (أبرزها قاعدة موفق السلطي التي تعد مركز الثقل للوجود الجوي الأمريكي في الأردن) لأغراض متعددة، بما في ذلك التدريبات والمناورات المشتركة، وخدمات الصيانة[1].

يوفر تموضع الأردن مسافة أبعد عن الحدود الإيرانية مقارنة بالخليج، مما يمنح منظومات الدفاع الجوي الأمريكية وقتًا أطول للاستجابة والاعتراض، ولم يكن التموضع الجديد للأردن نتيجة قرار سياسي بقدر ما كان نتاج “إعادة توزيع الجغرافيا العسكرية الأمريكية” في المنطقة. ومع تصاعد حدة الاحتكاك المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، فقد شهدت الخريطة العسكرية التحولات التالية:

· أدى تحفظ عدد من دول الخليج على استخدام أراضيها ومجالها الجوي لشن عمليات هجومية مباشرة ضد العمق الإيراني، إلى بروز الأردن كنقطة مستقرة من أجل الحفاظ الأمريكي على نطاق العمليات مع تقليل الاعتماد على القواعد في الدول الخليجية، التي أصبحت أكثر عرضةً لتهديدات الصواريخ والطائرات المُسيرة الإيرانية، وتُشير التقديرات إلى قيام الولايات المتحدة بنقل جنودها وطائراتها إلى إسرائيل والأردن ومناطق أبعد[2].

· تحولت القواعد الأردنية – وفي مقدمتها قاعدة “الشهيد موفق السلطي الجوية” بالأزرق وقاعدة “البرج 22” – إلى الشريان الرئيس لإدارة العمليات الأمريكية الممتدة عبر سوريا والعراق.

· إلى جانب استهداف القواعد الأمريكية فى الخليج، اتجهت استراتيجية إيران إلى التركيز والتصعيد نحو استهداف الأصول الأمريكية داخل العمق الأردني بالصواريخ الباليستية والطائرات المُسيرة، لزيادة التكلفة الأمنية والسياسية لاستضافة الوجود العسكري الأمريكي.

الدوافع الإيرانية:

تتداخل الدوافع الجيوسياسية والتكتيكية والإستراتيجية التي دفعت إيران نحو التركيز على المسرح الأردني، وذلك كما يلي:

· إنهاك الدفاعات الجوية: تستهدف الضربات المتكررة والمكثفة استنزاف منصات الصواريخ الاعتراضية ورادارات منظومات “ثاد” و”باتريوت” الأمريكية، بهدف فتح ثغرات في المجال الجوي تعبر من خلالها الصواريخ والطائرات المُسيرة نحو العمق الإسرائيلي.

· فرض تكلفة سياسية: يسعى النظام الإيراني لزيادة الضغط السياسي على الأردن لإلغاء الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة التي مكنت الأخيرة من الحفاظ على تواجد عسكري في الأردن يبلغ حجمه نحو 4 آلاف جندي.

· ممارسة ضغوط اقتصادية: مثّل استهداف إيران لمنطقة العقبة محاولة لتهديد الممر البحري والتجاري المهم للأردن، بما كشف عن رغبة إيرانية في إحداث تأثير اقتصادي مماثل لما جرى في ميناء إيلات الإسرائيلي الذي تضرر بشدة نتيجة الهجمات الإيرانية.

التأثيرات الاقتصادية:

أدت الهجمات الإيرانية على الأردن، وطبيعة السياق الجيوسياسي الإقليمي، إلى مجموعة من التأثيرات الاقتصادية، يكمن أبرزها فيما يلي:

· تباطؤ النمو الاقتصادي، حيث تراجعت توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي للأردن لعام 2026 من 2.9 إلى 2.7% بسبب الاضطرابات الإقليمية المُحيطة والمخاطر الجيوسياسية التي أفرزتها الحرب[3].

· تأثر القطاع السياحي، فقد هبطت نسب الإشغال السياحي وحجوزات الفنادق بشكل ملموس، وانخفض الدخل السياحي خلال الأربعة أشهر الأولى من عام 2026 بنسبة 10.4%، حيث بلغ 2.17 مليار دولار، في حين بلغت 2.43 مليار دولار خلال ذات الفترة من عام 2025، بما يعني خسارة تُقدر بنحو 260 مليون دولار[4].

· ارتفاع تكلفة الطاقة، وقد اتضح ذلك من خلال تكبد الموازنة الأردنية تكاليف إضافية لإنتاج الكهرباء بلغت نحو 140 مليون دولار نتيجة انقطاع بعض إمدادات الغاز[5].

· تصاعد تكلفة الشحن ومعدلات التضخم، حيث ارتفعت أسعار شحن الحاويات البحرية القادمة إلى ميناء العقبة بعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب في فبراير 2026. فعلى سبيل المثال، بلغ شحن الحاوية قياس 40 قدمًا 6000 دولارًا ارتفاعًا من 3000 دولارًا[6].

إزاء هذه التأثيرات، اتجه الأردن نحو تبني بعض السياسات الاقتصادية لامتصاص الصدمات الناجمة عن الحرب، بما شمل ترشيد الإنفاق العام، وترشيد استهلاك الطاقة، واتخاذ إجراءات لدعم قطاعي الزراعة والسياحة، وإعفاء الزيادات في تكاليف الشحن من الرسوم الجمركية، مع تسريع إجراءات التخليص على السلع الأساسية للحد من اضطرابات سلاسل التوريد[7].

ولا تنفصل الإدارة الاقتصادية لتبعات الحرب عن إدارة الأزمة من الناحية السياسية والاستراتيجية، حيث انتهج الأردن سياسة “التوازن الحذر”، وتبنى خطابًا سياسيًا يؤكد على الحياد وأن الأراضي الأردنية ليست ساحة لتصفية الحسابات، والدعوة إلى التهدئة ومنح الدبلوماسية فرصة أكبر، وفي الوقت ذاته، عمل الأردن على رفع الجاهزية العسكرية والدفاعية لحماية الحدود والمجال الجوي.

ختامًا، فقد أثبتت الحرب الأمريكية الإيرانية أن ارتداداتها لا تقتصر فحسب على منطقة الخليج، بل امتدت إلى نطاقات جغرافية أبعد نسبيًا، بما في ذلك الأردن، الذي يسعى جاهدًا للحفاظ على الحد الأقصى من الجاهزية الدفاعية بالتعاون مع الشركاء، لا سيما الولايات المتحدة، بالتوازي مع انخراطه في تحرك دبلوماسي عربي مكثف لمنع تحول أراضيه إلى ساحة استنزاف دائم. ويظل نجاح السياسة الأردنية مرتبطًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الولايات المتحدة وإيران، وبين متطلبات الأمن الخارجي وحسابات الاستقرار الداخلي، والأهم قدرة القوى الإقليمية والدولية على منع تحول نمط المواجهات إلى حرب إقليمية شاملة.


[1] Jeremy M. Sharp, “Jordan: Background and U.S. Relations”, Congressional Research Service. RL33546. 8 January 2026. Available at https://www.congress.gov/crs_external_products/RL/PDF/RL33546/RL33546.96.pdf

[2] Jacob Judah, “Are America’s vast Gulf bases worth rebuilding?”, the Financial Times. 23 August 2026. Available at https://www.ft.com/content/6f664a31-ca24-4a16-a6e9-5978fdf2512c?syn-25a6b1a6=1

[3] “US-Iran Conflict: Regional Instability Clouds Jordan’s Economic Outlook, Risks Firmly To Downside”, Fitch Solutions. 3 March 2026. Available at https://www.fitchsolutions.com/bmi/country-risk/us-iran-conflict-regional-instability-clouds-jordans-economic-outlook-risks-firmly-to-downside-03-03-2026

[4] “السياحة الأردنية تحت ضغط الحرب.. 260 مليون دولار خسائر منذ بداية 2026″، إرم بيزنس. 11 مايو 2026. متاح على https://www.erembusiness.com/economy/hqmyp68

[5] Khaled Yacoub Oweis, “Jordan feels pinch to economy from Iran war”, the National. 31 March 2026. Available at https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/03/31/jordan-feels-pinch-to-economy-from-iran-war/ 

[6]  أحمد الرواشدة، “العقبة.. استمرار تدفق البضائع وسط خشية من تداعيات ارتفاع كلف النقل البحري”، جريدة الغد. 4 مارس 2026. متاح على https://tinyurl.com/328ns7kx

[7] محمد اللوباني، “البنك الأوروبي للتنمية يشيد بإجراءات الأردن بالتعامل مع تداعيات حرب إيران”، قناة المملكة. 3 يونيو 2026. متاح على https://tinyurl.com/yc8nz4ut

iraq-turk
فرص التقارب التركي العراقي
nato2026
مقاربة جديدة: الرؤية التركية للأمن الأوروبي
hormuz
التنافس على مضيق هرمز بين الاعتبارات القانونية والسياسية
Ch-Iran
الصين وإدارة ارتدادات الحرب في الشرق الأوسط
Scroll to Top