الولايات المتحدة الأمريكية: البنية الداخلية والعلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط

20/11/2025

يعد مدخل البنية الداخلية أحد أهم الاقترابات الأساسية لفهم التغييرات التي تطرأ على الولايات المتحدة، وطبيعة تحركاتها وأدائها على المستوى الدولي، فقد أصبحت التطورات التي يشهدها الداخل الأمريكي، عاملًا مؤثرًا في صياغة سياساتها الخارجية، ولتحديد توازنات القوى القائمة على المستوى العالمي، حيث أن دراسة تركيبة ومكونات المجتمع الأمريكي، وما يشهده من تحولات وديناميات تفاعلية تؤثر بصورة أساسية على موقع واشنطن على المستوى الدولي وقدرتها على الاستمرار في لعب دور مهيمن.

يشهد المجتمع الأمريكي خلال الآونة الأخيرة حالة من التحولات البنيوية العميقة المتأثرة بتركيبته العرقية والديموغرافية، فالتعدد الإثني الذي مثل دومًا مصدرًا للثراء الثقافي والمجتمعي، أصبح عاملًا للتوترات الاجتماعية، على الأخص مع اتساع الفجوة الاقتصادية، وتزايد هوة سياسات الهوية، ومثل هذا السياق ساهم في إيجاد بيئة داخلية تتأرجح بين قيم المواطنة والانفتاح، وبين النعرات القومية، التي تعيد تعريف مفهوم الهوية الأمريكية الوطنية على أساس عرقي وثقافي، كل ذلك يتزامن مع تزايد حدة الخطاب الشعبوي الذي يعمل على توظيف هذا السياق لتبرير السياسات التعسفية تجاه الأقليات والمهاجرين.

ولا تقتصر الأزمة في الولايات المتحدة على التركيبة الاجتماعية أو الديناميات القائمة بين مختلف التيارات الثقافية، ولكن يظهر النظام الحزبي باعتباره أحد مظاهر الاستقطاب والتصدع الداخلي، فصحيح يقوم النظام الأمريكي على مبدأ الفصل بين السلطات والتعددية الحزبية، إلا أن التفاعلات بين ثنائية حزبي (الجمهوريين – الديموقراطيين) قد ساهمت في إرباك المشهد العام، وإفراز واقع أكثر انقسامًا، بصورة تتجاوز حدود الخطاب الإيديولوجي إلى صراع حول مستقبل الهوية الأمريكية ووجودها، وقد أدى هذا الانقسام المتكرر إلى شلل مؤسسي وصعوبات في الوصول إلى الحد الأدنى من التفاهمات السياسية.

تمتد حالة الانقسام هذه إلى المجتمع الأمريكي، فعلى الرغم من الموقع الريادي الذي يتمتع به الاقتصاد الأمريكي، إلا أنه لا يزال يواجه قدر من التحديات الهيكلية المتراكمة التي تهدد استمراره، فمن ناحية لا تزال معدلات الدين العام في تزايد مستمر، فضلًا عن اتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية، فيما يزداد التنافس مع القوى الاقتصادية الصاعدة، وعلى رأسها الصين، وبالتوازي تعمل الولايات المتحدة على الدفع بسياسات صناعية جديدة تجمع بين المصالح الوطنية والإنفتاح التجاري، وذلك ضمن سياسة «الحمائية الذكية»، ومثل هذا التحول يكشف عن إدراك صانع القرار الأمريكي لأهمية الحفاظ على النظام الاقتصادي من خلال الترميم وإعادة الهيكلة.

ولا تنفصل عملية صناعة السياسة الخارجية عن السياق العام الداخلي الذي أصبح أكثر تأزمًا من ما مضى، فمن ناحية أصبحت عملية صناعة السياسة الخارجية أكثر براجماتية وتقلبًا، لأن الاهتمام بالتحديات الداخلية قلّل من قدرة صانعي القرار على تبني استراتيجيات بعيدة المدى، وأضعف الالتزام الأمريكي التقليدي تجاه القضايا الدولية، ولاسيما بالشرق الأوسط، فضلا عن أن النزعة الانعزالية المتزايدة قد أدت إلى إعادة تعريف دور الولايات المتحدة كقوة عالمية، من قيادة النظام الدولي إلى التركيز على المصالح المباشرة وحماية التفوق الاستراتيجي.

كافة هذه المعطيات تُشير إلى أن الولايات المتحدة تمر بحالة من إعادة البناء الداخلي، قد تخلف تداعيات على موقع واشنطن العالمي، ونموذجها الليبرالي، فالتوتر بين قيم التعددية والمواطنة من جهة، وصعود النزعات القومية والمحافظة من جهة أخرى، يعكس أزمة هوية بنيوية تتجاوز البعد السياسي لتشمل الثقافة والاقتصاد والمجتمع، ومن ثمّ، فإن فهم التحولات الجارية داخل الولايات المتحدة لا يقتصر على دراسة مؤسساتها، بل يتطلب تحليلًا معمقًا للبنية الفكرية والاجتماعية التي تستند إليها الدولة، بما يسمح بتقدير مستقبل نفوذها في النظام الدولي.

العدد6
العدد 5
التحركات الإسرائيلية - الأمريكية في الشرق الأوسط ومحاولات إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية الإقليمية
العدد 4
حركات الإسلام السياسي في المنطقة المغاربية (تونس، الجزائر، المغرب، ليبيا، موريتانيا)
كوفر
الولاية الثانية لترامب وقضايا السياسة الداخلية
كراسات سياسية
الجمهورية الجديدة والانطلاق نحو المستقبل
Scroll to Top