تأثير الانتخابات البرلمانية على الترتيبات السياسية والأمنية في العراق

16/12/2025

يحظى استقرار دولة العراق الشقيقة بأهمية لافتة ضمن دوائر الأمن القومي المصري، نظرًا لدوره المحوري في الحفاظ على التوازن الإقليمي في شمال شرق خريطة الوطن العربي، ومنع توسع النفوذ الإقليمي غير المرغوب فيه، وتأمين طرق الطاقة والممرات الحيوية في الشرق الأوسط. وينعكس استقرار العراق أيضًا على الأمن القومي العربي بشكل أوسع، حيث يُسهم في ضبط ديناميات الصراعات الإقليمية، ويحد من التأثيرات الخارجية التي قد تخل بالتوازنات القائمة.

ومع ذلك؛ يواجه العراق مزيجًا متشابكًا من الأزمات والتحديات الداخلية والخارجية، التي تؤثر على أمنه واستقراره السياسي والاقتصادي، وتقيد من حضوره العربي والإقليمي، فداخليًا؛ ورغم النجاح الذي حققه العراق في هزيمة تنظيم داعش واستعادة السيطرة الكاملة على الأراضي العراقية، فإنه ما يزال يواجه تحديات الإصلاح الأمني، وضبط التسلح غير المنظم، والميليشيات المسلحة، وبروز حاجة مستمرة لتطوير قدرات الجيش، كما يواجه تنامي النزاعات العشائرية المسلحة، ومخاطر الجريمة المنظمة، بالإضافة إلى استمرار حالة الاستقطاب والانقسام السياسي والاجتماعي والطائفي والمناطقي، مما يعوق تحقيق الاستقرار الكامل وتحقيق التنمية المطلوبة لتفعيل ريادة العراق الإقليمية.

وخارجيًا؛ فإن العراق محاط بإقليم مضطرب يؤثر على شئونه الداخلية، حيث تتزايد ضغوط الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين يسعون لتوسيع نفوذهم عبر دعم أطراف محلية مُحددة، كما يتفاقم حزام الأزمات الإقليمي (التطورات الأمنية والسياسية في سوريا ومخططات تقسيمها، وصور الصراع العربي الإسرائيلي مثل التمدد الإسرائيلي في سوريا ولبنان وغزة، والصراع بين إسرائيل وإيران) بالإضافة إلى استمرار التوتر بين الأكراد وتركيا في سوريا والعراق. كل تلك العوامل تزيد من أعباء الإصلاح السياسي والاقتصادي والأمني في العراق.

وفي هذا السياق المضطرب؛ نجح العراق يوم 11 نوفمبر 2025، في إجراء الانتخابات البرلمانية السادسة منذ عام 2003، وهي من أبرز الجولات الانتخابية في العراق نظرًا لتوقيتها وسياقها السياسي والاجتماعي، وما تزامنت معه من انقسامات داخلية حادة بين القوى السياسية، وما أظهرته من وجود صراع وتنافس كبير في الساحة العراقية سواء بين القوى التقليدية والفاعلين الجدد، أم بين أطراف النفوذ الإقليمي، الأمر الذي جعل نتائج الانتخابات لا تعكس فقط موازين القوى داخل البرلمان، بل تحمل أيضًا تداعيات استراتيجية على مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في العراق، وعلى قدرته على تجاوز التحديات المتراكمة وبناء مؤسسات دولة أكثر فاعلية.

واتصالًا بما سبق؛ عكست الانتخابات، رغم التحديات الأمنية والسياسية، قدرة عالية لمؤسسات الدولة العراقية في إدارة وتأمين العملية الانتخابية، وهو ما تُرجم في زيادة نسبة المشاركة الانتخابية، التي تعدت الـ 56% من الناخبين، كما أفرزت تلك الانتخابات نتائج مهمة، قد يكون لها تداعياتها على مستقبل العراق وأمنه واستقراره، كما أنها في الوقت ذاته تُنتج فرصًا واضحة أمام العراق للمضي قدمًا في استعادة الدور الريادي، وهو ما يستدعي ضرورة دراسة تداعيات نتائج تلك الانتخابات على الترتيبات السياسية والأمنية في العراق.

وفي هذا السياق؛ لا تهدف هذه الدراسة إلى تحليل وتقييم العملية الانتخابية ونتائجها فحسب، حيث تقدم تحليلًا لتغير خريطة النفوذ السياسية داخل البرلمان والحكومة العراقية، وتسلط الضوء على تأثير تلك النتائج على الترتيبات السياسية والأمنية في العراق، والسيناريوهات المحتملة لتطور الأوضاع.

العدد-4
العدد3
الردع تحت النيران... قراءة استراتيجية في المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل
العدد2
مسارات الأمن والاستقرار في العراق (التحديات المطروحة والفرص المتاحة)
1
أنشطة التنظيمات المسلحة وتأثيرها على مستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط
Scroll to Top