أقر الكونجرس الأمريكي في ديسمبر الجاري، وبدعمٍ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، وأُحيلت الميزانية المقررة بنحو 901 مليار دولار إلى البيت الأبيض، حيث أقرها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”. ويعد قانون تفويض الدفاع الوطني (ميزانية الدفاع) بمثابة صياغة مجمعة لعددٍ من الإجراءات المنفصلة التي أُقرت في بداية العام الجاري من قبل غرفتي الكونجرس، وبموجبه تم تمرير مخصصات قدرها 901 مليار دولار للإنفاق الدفاعي، قابلة للزيادة بنحو 4 % لتغطية نفقات القوات الأمريكية وشراء المعدات العسكرية وإدارة جهود تعزيز الكفاءة التنافسية الأمريكية في مواجهة خصومها.
تحركات إجرائية:
لم يتضمن القانون التمويل المختص لتغيير مسمى وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب، وقد سعى الرئيس “ترامب” إلى الدفع بهذا المسمى، إلا أنه يتطلب تمريره من قبل الكونجرس، وقد نجح الجمهوريون في الكونجرس في تمرير عدة تغييرات تهدف إلى عكس سياسات إدارة الرئيس السابق “جو بايدن” في البنتاجون، بما في ذلك حظر برامج التنوع والمساواة والاندماج وخفض التمويل للبرامج المتعلقة بالمناخ.
اهتم المشرعون بالتأكيد على أن مشروع قانون السنة المالية 2026 سيوفّر على دافعي الضرائب ما يقرب من 20 مليار دولار إجمالًا، من بينها 40.5 مليون دولار نتيجة إلغاء أنشطة التنوع والإنصاف والشمول (DEI)؛ و1.6 مليار دولار من خفض الإنفاق المرتبط بتغير المناخ؛ و1.2 مليار دولار من إحالة الطائرات والسفن المتقادمة إلى التقاعد، و6.8 مليار دولار من تقليص ما وصفوه بـ”البيروقراطية غير الضرورية في البنتاجون” و5.5 مليار دولار من خفض عقود الاستشارات والخدمات؛ و3.7 مليار دولار من تقليص برامج دفاعية غير فعّالة.
وعلى الرغم من الادعاءات بتحقيق وفورات اقتصادية، فإن حجم الميزانية الإجمالي يفرض عبئًا طويل الأمد على المالية العامة الأمريكية، ويحد من تمويل القطاعات المدنية الحيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، كما يعزز تحويل الموارد العامة إلى شركات الصناعات الدفاعية بعقود طويلة الأجل يصعب التراجع عنها. يُضاف إلى ذلك أن اتساع نطاق البرامج وتعقيد التعاقدات متعددة السنوات واستمرار الإنفاق خارج الموازنة التقليدية يضعف فعليًا قدرة الكونجرس على الرقابة الدقيقة والمساءلة الفعلية.
مشتملات محددة:
اشتملت النفقات المقررة في قانون تفويض الدفاع الوطني على ما يلي:
1- تطوير القدرات الدفاعية الداخلية:
سمح القانون بزيادة المشاريع البنائية العسكرية، على أن تقوم وزارة الدفاع بصياغة استراتيجية مرتبطة بتأثير التكنولوجيا الحيوية الصاعدة على الأمن والدفاع، مع إلزام القوات البحرية بفرض بعض العمليات التي يمكن من خلالها تعزيز الجاهزية القتالية للسفن السطحية التي يتم صيانتها وإصلاحها في أحواض بناء السفن الخاصة.
ويوفر القانون 291 مليار دولار لتغطية نفقات الصيانة والعمليات التشغيلية، و234 مليار دولار لدعم ورعاية صحة أفراد القوات المسلحة، و162 مليار دولار للمشتريات العسكرية، و146 مليار دولار للبحث والتنمية الدفاعية، وكذلك 34 مليار لبرامج الدفاع النووي، و20 مليار دولار للإنشاءات العسكرية. كما خُصص 26 مليار دولار لبناء السفن ودعمها، بما يشمل الغواصة الباليستية الثالثة من فئة “كولومبيا”، وغواصة واحدة من فئة “فرجينيا”، وسفينة مساعدة لمكافحة الغواصات، ومشتريات مستقبلية أخرى، مع تخصيص أكثر من 38 مليار دولار لتطوير أو شراء أو تعديل الطائرات، بما في ذلك التمويل الكامل لبرنامجي الجيل السادس من الطائرات F-47 لسلاح الجو الأمريكي وF/A-XX للبحرية، مع تخصيص تمويل لإنشاء منظومة “القبة الذهبية” لتحديث سياسة الدفاع الصاروخي الوطني.
أكد القانون على زيادة رواتب جميع أفراد القوات المسلحة بنسبة 3.8%، إلى جانب إعادة تفويض وتوسيع المكافآت والحوافز والبدلات الخاصة، وزيادة بدل الانفصال العائلي للعسكريين المنتشرين في مهام خارجية. كما خُصص نحو 206 ملايين دولار لبناء مدارس جديدة لأبناء العسكريين، مع السماح لأبناء أفراد الحرس الوطني والاحتياط الذين يتم استدعاؤهم للخدمة الفعلية بالالتحاق بمدارس وزارة الدفاع. كما خُصص 50 مليون دولار كمساعدات “إمباكت إيد” للمدارس العامة التي تضم طلابًا من أبناء العسكريين، إضافةً إلى 20 مليون دولار لدعم المدارس المحلية التي تدرس أطفالًا من ذوي الإعاقات الشديدة، وتمديد مكافآت التجنيد العسكرية. إلى جانب توفير أكثر من 335 مليون دولار لتجديد المستشفيات العسكرية وبناء مرافق طبية جديدة.
اهتم القانون بتعزيز الرقابة على إنفاق وزارة الدفاع عبر التمويل الكامل لأنشطة التدقيق لمكتب المفتش العام، وإلزام الوزارة بتقديم تقارير ربع سنوية إلى الكونجرس حول أوضاع الأرصدة والأنشطة المتعلقة بالأموال المعتمدة سابقًا ضمن قانون “مشروع القانون الكبير والجميل” (يعد قانونًا شاملًا للعديد من المجالات، حيث تضمن تخفيضات ضريبية وزيادة تمويل الإنفاق الدفاعي وغيرها)، مع تخصيص أكثر من 131 مليون دولار لإنشاء مرافق طعام عسكرية جديدة، وأكثر من 1.5 مليار دولار لمشروعات سكنية جديدة.
2- تعزيز الانخراط الدفاعي الخارجي:
يوفر القانون 175 مليون دولار للانخراط في مبادرة الدعم الأمني لدول البلطيق من خلال دعم دفاع هذه الدول (لاتفيا وإستونيا وليتوانيا)، وكذلك يحد القانون من قدرة وزارة الدفاع الأمريكية على خفض عدد القوات الأمريكية في أوكرانيا لأقل من 76 ألف جندي، وذلك عقب قرار وزارة الدفاع بتقليص عدد القوات الأمريكية في ألمانيا وبولندا ورومانيا، فيما يمنع التفويض وزير الدفاع “بيث هيجسيث” من تقليل القوات المتمركزة بصورة دائمة أو الموظفة في أوروبا. ومنح القانون 800 مليون دولار لأوكرانيا، على أن يتم تقديمهم على دفعتين خلال الأربع سنوات المقبلة، كجزء من مبادرة الدعم الأمني لأوكرانيا (مع العلم أن هذه المبادرة تدفع للشركات الأمريكية في مقابل الحصول على الأسلحة لتمويل الجيش الأوكراني).
أقر القانون تمديد مبادرة الردع في المحيط الهادئ (PDI) لتعزيز وضعية الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما يشمل زيادات تمويلية للتقنيات الجديدة اللازمة لردع الصين، مثل الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي، والنظم ذاتية التشغيل، والأمن السيبراني، والمفاعلات النووية الدقيقة المتنقلة، وأسلحة الطاقة العالية، ويشمل ذلك أكثر من 2.7 مليار دولار لمشروعات إنشائية عسكرية أساسية وتوسيع الوجود في المنطقة، مع تخصيص تمويل كامل بقيمة مليار دولار لمبادرة التعاون الأمني مع تايوان، وكذلك تخصيص 1.5 مليار دولار كمساعدات أمنية جديدة للفلبين.
خُصص تمويل كامل لنشر قوات الحرس الوطني والقوات العاملة لدعم حرس الحدود على الحدود الجنوبية الغربية للولايات المتحدة، بما في ذلك أكثر من مليار دولار لمكافحة تهريب المخدرات (398 مليون دولار لدعم وزارة الدفاع لعمليات مكافحة المخدرات، و216 مليون دولار لبرامج الحرس الوطني لمكافحة المخدرات، بزيادة 100 مليون دولار عن طلب الميزانية).
قضايا شرق أوسطية:
كانت قضايا الشرق الأوسط حاضرة في القانون، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:
· إدخال تعديلات جوهرية على الإطار التشريعي للعقوبات، لا سيما ما يتعلق بـ “قانون قيصر”، وربط أي تخفيف أو تعليق للعقوبات بشروط رقابية صارمة، من بينها تقديم تقارير دورية إلى الكونجرس حول سلوك الحكومة السورية في ملفات مكافحة الإرهاب، وحماية الأقليات، ومنع التهديدات العابرة للحدود، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع الإبقاء على صلاحية إعادة فرض العقوبات في حال عدم الالتزام.
· الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل، من خلال تعزيز التعاون الدفاعي وتخصيص موارد إضافية لبرامج الدفاع الصاروخي المشترك، وتوسيع الشراكات في مجالات البحث والتطوير العسكري والتقنيات الدفاعية المتقدمة.
· مكافحة الإرهاب في العراق وسوريا، حيث استمر القانون في تفويض وتمويل برامج تدريب وتجهيز القوات الشريكة، خصوصًا القوات العراقية والقوات المحلية المشاركة في مواجهة تنظيم داعش مع اشتراطات رقابية تتعلق باستخدام المساعدات وضمان خضوع القوات المستفيدة لسلطة الدولة، كما تضمّن القانون قيودًا وشروطًا مرتبطة بالميليشيات المسلحة في العراق، إذ ربط صرف أجزاء من المساعدات الأمنية باتخاذ خطوات حكومية للحد من نفوذ الجماعات المسلحة غير الخاضعة للمؤسسات الرسمية، في إطار السعي لتعزيز استقرار الدولة العراقية وتقليص التأثيرات الإقليمية غير المباشرة.
· تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمي، من خلال تشجيع التنسيق بين الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، وحماية القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة من التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة. كما شمل القانون استمرار دعم الشراكات الأمنية مع دول المنطقة، بما في ذلك لبنان ودول الخليج، في مجالات مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وحماية الملاحة البحرية، مع التأكيد على التقييم الدوري لفعالية هذه البرامج.
· تضمن القانون بنودًا رقابية تتعلق بسلوك بعض القوى الإقليمية وتأثيراتها الأمنية في الشرق الأوسط، مع مطالبة وزارة الدفاع الأمريكية بتقديم تقارير وتحليلات دورية للكونجرس حول التطورات الاستراتيجية وانعكاساتها على المصالح الأمريكية.
ختامًا، يؤكد هذا القانون على أن التوجه الأمريكي المستقبلي يسعى لتحقيق نفوذ استراتيجي أكبر في منطقة الشرق الأوسط عبر مزج الردع العسكري، والدعم المشروط، والمراقبة الدقيقة، دون الانخراط المباشر في صراعات واسعة، مع الحفاظ على الشراكات القوية والقدرات الدفاعية الرادعة، ونقل الأعباء إلى الأطراف الإقليمية، وهو ما اتضح أيضًا في طبيعة تعامل القانون والمخصصات الموجهة لأوكرانيا وتايوان ودول البلطيق. وتركز الميزانية على تعزيز الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع الاستثمار المكثف في التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والصواريخ فرط الصوتية والأنظمة الذاتية والدفاع الصاروخي، كما توسع الميزانية القدرات البحرية والجوية لدعم الانتشار السريع والسيطرة بعيدة المدى، وبالرغم من أن هذه الأولويات تعزز من القدرة على الردع، فإنها في الوقت ذاته قد تزيد من مخاطر سباق تسلح إقليمي ودولي.

