التحركات الإثيوبية الراهنة في منطقة القرن الأفريقي

24/03/2026

تواصل إثيوبيا تحركاتها المكثفة بمنطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، حيث تتبنى سياسة خارجية تهدف إلى تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، لا سيما مع كل من جيبوتي والصومال على المستويات كافة، وتوظيف ذلك الأمر لتعزيز مكانتها كفاعل إقليمي بمنطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، وتقديم نفسها كشريك استراتيجي للقوى الإقليمية والدولية للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية بالقارة الأفريقية بصفة عامة.

مؤشرات دالة:

تعتمد الحكومة الإثيوبية على عدد من الأدوات السياسية والدبلوماسية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الإثيوبية الساعية لتعزيز نفوذها الإقليمي، من أهمها دبلوماسية الزيارات الرئاسية التي يتبناها “آبي أحمد”، حيث أجرى زيارة رسمية إلى جيبوتي في 12 مارس الجاري، عقد خلالها مشاورات مع رئيس جيبوتي “إسماعيل عمر جيلة” التي تناولت سبل تعزيز التعاون الثنائي والقضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، والعمل على تطوير العلاقات الجيبوتية الإثيوبية لتصل إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، لا سيما أن جيبوتي تعد شريكًا اقتصاديًا وتجاريًا مهمًا بالنسبة لإثيوبيا التي تعتمد على موانئ جيبوتي في تجارتها الخارجية.

كما ارتبطت زيارة “آبي أحمد” برغبة إثيوبيا في إيصال عدة رسائل سياسية مهمة، أولها التأكيد على التعاون المشترك بين إثيوبيا وجيبوتي، بما في ذلك تطوير العمل اللوجيستي وتأمين سلاسل الإمداد، خاصةً فيما يتعلق بالتجارة الخارجية لإثيوبيا، وهو ما عكسته أيضاً زيارة “آبي أحمد” لجيبوتي في شهر يناير 2026، والتي تضمنت تفقده لميناء دوراليه باعتباره المنفذ البحري الرئيس لإثيوبيا.

وقد شهدت زيارة “آبي أحمد” الأخيرة لجيبوتي عقد قمة ثلاثية جمعته برئيسي جيبوتي “إسماعيل عمر جيلة” والصومال “حسن شيخ محمود”، وتمثل الهدف الرئيس لهذه القمة في التأكيد على الدعم الإثيوبي بالتعاون والتنسيق مع جيبوتي للاستراتيجية الصومالية الخاصة بالقضاء على حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة، حيث تشارك كل من إثيوبيا وجيبوتي ضمن بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي بالصومال “أوصوم”، لمساعدة الصومال على حفظ الأمن والاستقرار في ظل تنامي نشاط الجماعات والتنظيمات الإرهابية بالصومال. وتعكس آلية التعاون الثلاثي التي تسعى إثيوبيا لتطويرها مع كل من جيبوتي والصومال، رغبة إثيوبية واضحة في قيادة ترتيبات إقليمية جديدة بمنطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، مع التركيز على التعاون الأمني في مجال مكافحة الإرهاب الذي تتخذه إثيوبيا غطاءً لتحركاتها مع دول المنطقة.

ومع ذلك، فإن انعقاد القمة الثلاثية بين إثيوبيا والصومال وجيبوتي في هذا التوقيت، يعكس التحركات الإثيوبية الساعية لتشكيل جبهة أو تحالف ثلاثي تحت مظلة آلية تعاون ثلاثي بين الدول الثلاث، وتوظيف ذلك بشكل رئيس لخدمة المصالح الإثيوبية، خاصة فيما يتعلق بملف الموانئ البحرية، والتأكيد على علاقات الشراكة الاقتصادية.

دبلوماسية المؤتمرات:

بالتوازي مع الزيارات السياسية والدبلوماسية التي يقوم بها “آبي أحمد” في منطقة القرن الأفريقي، تعمل الحكومة الإثيوبية على توظيف دبلوماسية المؤتمرات لتعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية، ومن ذلك استضافتها لفعاليات القمة الأفريقية لمؤثري وسائل التواصل الاجتماعي والتي من المُقرر عقدها خلال الفترة من 7 إلى 8 مايو 2026، بمشاركة أكثر من 200 مؤثرًا وصانع محتوى من القارة الأفريقية وخارجها، وتهدف بشكل رئيس إلى توظيف وسائل التواصل الاجتماعي كأحد أدوات القوة الناعمة للدفاع عن المصالح الخاصة بالقارة الأفريقية مع التركيز على عدد من القضايا المهمة مثل الحوكمة الرقمية والتنمية المستدامة، واقتصاد المبدعين، بما يُسهم في بناء بيئة تكنولوجية متطورة تدعم التحول الرقمي في أفريقيا.

وتأتي استضافة إثيوبيا لهذه القمة كمحاولة لتقديم نفسها كمركز إعلامي إفريقي والتحول من مجرد فاعل سياسي إلى فاعل إعلامي له القدرة على التأثير، ومن ثم تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي في ظل تزايد حدة الانتقادات الدولية بسبب ملف حقوق الإنسان داخل إثيوبيا، وتنامي مظاهر العنف العرقي المسلح، والانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين في فترات الصراع، لا سيما بإقليم التيجراي خلال الفترة من 2020 إلى 2022، وظهور مؤشرات راهنة حول اتجاه الأوضاع العسكرية بالإقليم نحو التصعيد بسبب توتر العلاقة بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، هذا إلى جانب تصاعد أعمال العنف المسلح بإقليم أوروميا، واستمرار الصراع المسلح بإقليم أمهرة بين الحكومة الإثيوبية وميليشيات فانو المسلحة للعام الثالث على التوالي.

كما تسعى إثيوبيا لتوظيف مثل هذه الفعاليات لتحسين صورتها والدفاع عن مواقفها وسياساتها العدائية في بعض الملفات الأخرى مثل ملف السد الإثيوبي، وتشتيت الانتباه عن عدم قدرة الحكومة الإثيوبية الحالية على فرض سيادة الدولة وتحقيق الاستقرار الأمني والحد من جولات العنف.

الوصول لمنفذ بحري:

تشير التحركات الإثيوبية المكثفة بمنطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي خلال الفترة الأخيرة، إلى مجموعة من الأهداف التي تسعى إثيوبيا لتحقيقها، على رأسها تأمين الوصول إلى البحر الأحمر لتنفيذ استراتيجية الموانئ التي وضعتها الحكومة الإثيوبية لتعظيم مكاسبها الاقتصادية وتعزيز مكانتها الاقليمية، حيث أصبحت إثيوبيا تطالب بالوصول إلى البحر الأحمر باعتباره حقًا أصيلًا لها.

ولتحقيق ذلك كان لزامًا على إثيوبيا تنويع شراكاتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، وبناء شبكة تحالفات إقليمية لطمأنة جيرانها لا سيما جيبوتي والصومال بأن أي تحركات إثيوبية لتحقيق طموحاتها الخاصة بالتحول من دولة حبيسة إلى ساحلية، لن تكون له أي انعكاسات سلبية أو تداعيات على المصالح الوطنية لكل من جيبوتي والصومال، وتقديم وعود بأن تحقيق ذلك الأمر لن يمس السيادة الوطنية لأي من هاتين الدولتين، مع الأخذ في الاعتبار أن إثيوبيا استطاعت تحسين علاقاتها مع الصومال بوساطة تركية، وتعهدت باحترام السيادة الصومالية وسلامة أراضيها، وهو ما انعكس في تأجيلها تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة مع إقليم أرض الصومال الموقعة في يناير 2024.

وعلى الرغم من مساعي إثيوبيا لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، وذلك من خلال الظهور كفاعل إقليمي يعمل على تحسين الأوضاع الأمنية وتعزيز علاقات التكامل مع دول منطقة القرن الأفريقي، فإن هذه التحركات تهدف بشكل رئيس إلى التغطية على ما تتبناه من سياسات عدائية تجاه إريتريا، وهو ما تعكسه تصريحات المسئولين الإثيوبيين الخاصة بحق بلادهم في استرداد ميناء عصب الإريتري، لتأمين وصولهم إلى البحر الأحمر، وتأكيد “آبي أحمد” في أكثر من مناسبة على أن وصول بلاده للبحر الأحمر هو حق وجودي لن تتنازل عنه إثيوبيا، وأنها مسألة قانونية وتاريخية وجغرافية واقتصادية يجب التعامل معها بهدوء، من دون استبعاد لاحتمالات المواجهة، كما طالب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالضغط على إريتريا لإيجاد حل سلمي يضمن لإثيوبيا منفذًا بحريًا عبر إريتريا، الأمر الذي يمثل تهديدًا للاستقرار الأمني بمنطقة القرن الأفريقي، وبالتالي ترتبط التحركات الإثيوبية الراهنة بالمنطقة بطموحاتها الساعية لتعظيم المكاسب السياسية والاقتصادية والأمنية، حتى وإن كان ذلك على حساب أمن واستقرار غيرها من دول المنطقة.

ختامًا، تُشير التحركات الإثيوبية الراهنة بوضوح إلى استراتيجية محددة المعالم، تهدف إلى إعادة تشكيل توازنات القوى بمنطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، وبما يخدم مصالحها الإستراتيجية، واستمالة مواقف دول الجوار الإثيوبي لدعم وتأييد موقفها المتعنت بشأن أزمة السد مع كل من مصر والسودان، في ظل الرفض الإثيوبي للاستجابة للمطالب المصرية بالتوصل لاتفاق قانوني ملزم يضمن حقوق مصر والسودان في مياه نهر النيل، وعدم الإضرار بمصالحهما المائية.

harvard
الخلافات بين الرئيس "ترامب" وبين المؤسسات التعليمية
1
مستقبل العلاقات الإسرائيلية بأرض الصومال
123456
مجلس السلام: التوقيت والدلالات
321
قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026
Scroll to Top