أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أنه سيوقف مؤقتًا مرافقة السفن عبر مضيق هرمز أو ما عُرف بعملية “مشروع الحرية”، مشيرًا إلى التقدم المحرز نحو التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران. وهو ما جاء بعد ساعات من إطلاع وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” الإعلام الأمريكي على جهود مرافقة ناقلات النفط العالقة عبر المضيق. فيما أكد وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” خلال زيارته إلى الصين أن بلاده تسعى فقط إلى اتفاق عادل وشامل مع الولايات المتحدة.
يتزامن ذلك مع انخراط الولايات المتحدة والبحرين في إعداد مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي، يهدف إلى محاسبة إيران على إغلاق مضيق هرمز، ودفع الجهود الدولية لإعادة فتحه أمام حركة الملاحة. ووفقًا لما أعلنه المندوب الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة “مايك والتز”، ينص مشروع القرار على إدانة مجلس الأمن الدولي للهجمات والتهديدات الإيرانية المتكررة ضد السفن التجارية، فضلًا عن الأعمال الرامية إلى عرقلة المرور القانوني عبر مضيق هرمز، ومن بين هذه الأعمال زرع الألغام البحرية وفرض رسوم غير قانونية على مرور السفن. ويقرر المُقترح أن هذه الأعمال تُشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، مما يفتح الباب أمام إمكان وضع القرار تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي احتمال اتخاذ تدابير إنفاذ بالقوة لاحقًا.
في كل هذه التطورات المتلاحقة والمُتداخلة، تبرز عدة ملاحظات بخصوص السلوك الأمريكي، أهمها:
· أن الولايات المتحدة، وبالرغم من التراجع الكبير في البرنامج النووي الإيراني، وتحقيقها نجاحات عسكرية واضحة، فإنها لم تنتصر بالكامل، كما لم تصل بعد إلى المرحلة التي يُمكن لها فرض إملاءات على إيران، التي دفعت بملف مضيق هرمز إلى الواجهة، وترى أن استثمار هذه الورقة تمكنها من موازنة الضغوط الأمريكية في ملفات أخرى، لعل أبرزها البرنامجين النووي والصاروخي.
· أدركت الولايات المتحدة أنها تتحمل تكلفة الحرب، وأنها أصبحت المسئولة عن مواجهة التحركات الإيرانية خاصة في مضيق هرمز، وبالتالي قد يكون قرار تعليق عملية مرافقة السفن عبر مضيق هرمز من أجل توفير الجهود الأمريكية وليس من أجل التوصل للاتفاق كما أعُلن. كما أن طرح المبادرات واستمرار التحركات الأمريكية – حتى وإن جرى تعليقها في وقت لاحق – إنما يعكس محاولة فرض معادلة ردع جديدة، قائمة على المبادرة لا الرد.
· بروز تأثير العامل الداخلي الأمريكي، حيث أبلغ الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الكونجرس بانتهاء الأعمال العدائية مع إيران، وتم الترويج إلى أن التحركات الأمريكية في مضيق هرمز قد جاءت من منطلق أنها “مهمة إنسانية”. ويعكس ذلك الأمر سعي الرئيس “ترامب” نحو إبقاء القوات في المنطقة دون العودة للكونجرس، لا سيما أن قانون صلاحيات الحرب الأمريكي، يفرض على الرئيس الحصول على موافقة الكونجرس للاستمرار في العمليات العسكرية بعد مُضي 60 يومًا، أو البدء في سحب القوات.
· انتقال الولايات المتحدة – في إطار تعاملها مع إيران – إلى استراتيجية أكثر تعقيدًا، تقوم على إدارة الصراع عبر الضغط المركب عبر سياسات وتحركات مُتداخلة، بدلًا من السعي إلى الحسم السريع أو التسوية الفورية، فرفض الرئيس الأمريكي “ترامب” للمقترح الإيراني لا يعني إغلاق باب التفاوض، بل استخدامه كأداة لرفع سقف الشروط وإجبار إيران على تقديم تنازلات أكبر، ضمن مقاربة تفاوضية طويلة وممتدة، تتزامن مع سياسات الخنق الاقتصادي المُمنهج لتقليص الموارد المالية الإيرانية عبر العقوبات وتتبع الأصول وتعطيل عائدات النفط، الأمر الذي سيؤثر بالتبعية على مؤسسات مثل الحرس الثوري الإيراني، وذلك من حيث قدرتها على تمويل أنشطتها الإقليمية. هذا الضغط الأمريكي لا يُراد به بالضرورة أن يؤدي إلى انهيار النظام، بل إلى إعادة تشكيل سلوكه الاستراتيجي تحت وطأة القيود الاقتصادية المتزايدة.
في المقابل، يبدو أن إيران تنتهج الأسلوب الأمريكي ذاته، الأمر الذي يتضح من خلال ما يلي:
· تكشف التهديدات الإيرانية الأخيرة بشأن مضيق هرمز عن رغبة واضحة في تحويل الممر الملاحي العالمي إلى منطقة سيادة إيرانية خالصة، فاشتراط التنسيق المُسبق وتهديد الجيش الأمريكي بالهجوم المباشر ليس مجرد استعراض قوة، بل هو محاولة لفرض واقع جديد يجعل من مفاتيح التجارة العالمية في يد إيران، ويعمل هذا التصعيد الميداني كغطاء للمفاوضات السياسية، حيث تعتبره إيران خط دفاع يمنع أي تدخل خارجي قد يضعف موقفها وقت الجلوس على الطاولة.
· يتضح أن هناك إدراكًا إيرانيًا بأن كسر الحصار لن يتم عسكريًا فقط، بل يحتاج إلى طرف ثالث موثوق لتجسير الهوة مع الولايات المتحدة، بدليل المحادثات المتواصلة بين وزير الخارجية الإيراني ونظيره الباكستاني، والنشاط السياسي والدبلوماسي مع الصين وروسيا، وتأتي هذه التحركات الإيرانية ضمن المقاربة التي تحاول من خلالها إظهار أنها حريصة على السلام الإقليمي وتبحث عن مخرج دبلوماسي، عبر فتح أبواب خلفية للتفاوض، وفي الوقت ذاته التأكيد على استخدام القوة في حالة الاضطرار.
· تعكس التحركات الإيرانية على كافة الصُعد مدى إدراكها بأهمية مضيق هرمز، وأن الملاحة خلاله تمثل ورقتها الرابحة في المفاوضات. وعليه، فهي تحاول الوصول لنتيجة مفادها “إما أمن ملاحي للجميع بشروطها، أو تعطل للمسار الدبلوماسي بالكامل”، وفي نفس الوقت فإنها تحاول التقليل من تأثير سياسات الخنق الاقتصادي التي تعتمدها الولايات المتحدة، من خلال مواجهة الضغوط الاقتصادية بالمزيد من الإجراءات الأمنية الداخلية، لإحكام السيطرة ومنع أي اختراق أمني.
بالرغم من استمرار حالة الشد والجذب بين الولايات المتحدة وإيران وتعثر الوساطة بين الجانبين لاعتبارات تتعلق بإعادة تدوير الافكار والمقترحات، فإن المشهد الأمريكي يذهب في اتجاه القيام بعمل عسكري، لكن حدود هذا العمل ونطاقه سيرتبط بصورة مباشرة بطبيعة الضغوط التي سيمارسها الداخل الأمريكي. ومع ذلك، فإن بقاء الأوضاع الراهنة في مضيق هرمز لن يكون مقبولًا أمريكيًا ودوليًا، خاصة مع الحالة التي وصلت إليها الأسواق الدولية ووضع البورصات العالمية، وهو ما قد يمنح الجانب الأمريكي الفرصة لتوظيف ملف مضيق هرمز، كغطاء لاتخاذ المزيد من الإجراءات والمبادرات، والتي قد تمتد إلى التعامل مع الملفات الأخرى ذات الأولوية، مثل البرنامجين النووي والصاروخي، والسياسات الإيرانية الإقليمية.
في المقابل، سيرتبط الحراك في الداخل الإيراني، واحتمال حدوث مزيد من الانقسامات الحقيقية وتصدع في بنية النظام، باستمرار القدرة الإيرانية على مواجهة الضغوط الاقتصادية، مع الأخذ في الاعتبار أن استمرار الأوضاع الراهنة، بمعنى تجميد الموقف، يحمل تأثيرات سلبية على إيران، واقتصادها المتهالك، وبنيتها التحتية المُدمرة، بدليل أن خسائر إيران في الحصار البحري وحده قد حرمها من عائدات نفطية تقدر بنحو 4.8 مليارات دولار. وقد تصل الأمور في الداخل إلى مرحلة صعبة، لا يُجدي معها أي خطاب شعبوي.
ختامًا، يبدو أن قدرة الجانبين الأمريكي والإيراني على إدارة الصراع العسكري ومعركة التفاوض أصبحت ترتبط بعوامل متعددة ومُتداخلة، وتحول معها مكمن الانتصار من تحقيق مكتسبات حاسمة سياسيًا وعسكريًا، إلى القدرة على كسب معركة صاحب النفس الطويل.
