وصل الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى الصين لعقد قمة مهمة مع نظيره الصيني “شي جين بينغ”، فيما جدد تمسكه بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وذكر قبل مغادرته الولايات المتحدة إن إيران إما أن تتوصل إلى اتفاق جيد مع الولايات المتحدة أو ستواجه الدمار، وأنه لا يتوقع أن يحتاج إلى مساعدة الصين لإنهاء الحرب وتخفيف قبضة إيران على مضيق هرمز.
يأتي ذلك الموقف الأمريكي في الوقت الذي يواجه فيه مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران مأزقًا مفتوحًا عقب رفض الرئيس “ترامب” الرد الإيراني الأخير، حيث لم تعد الهدنة فرصة لإيجاد بيئة مواتية للتهدئة والسلام، ولكن يجري توظيفها من قبل الأطراف من أجل إعادة ترتيب وتقييم خياراتها بما في ذلك اللجوء للعمل العسكري مرة أخرى. ويتزامن أيضًا مع ارتفاع أسعار الطاقة بفعل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره – في الظروف العادية – نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وبالرغم من تقليله من أهمية الدور الصيني، فإنه من المتوقع أن يحظى ملف الحرب بجانب واضح في محادثات “ترامب” مع نظيره الصيني.
على الجانب الآخر، سعت إيران إلى توسيع قاعدة الدعم والتحرك الدبلوماسي، حيث توجه وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” إلى الهند للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية دول بريكس، الممهد للقمة الثامنة عشرة للمجموعة المُقررة في سبتمبر المقبل برئاسة الهند، وتمثل هذه المشاركة الإيرانية فرصة لعقد لقاءات ثنائية مع مسئولي الدول الآخرين. ويتزامن ذلك مع المخاوف والتحذيرات المتزايدة داخل إيران من احتمال تجدد المواجهات العسكرية مرة أخرى، مع تعثر المسار التفاوضي نتيجة الموقف الأمريكي السلبي من المقترحات الإيرانية ومطالبها لإنهاء الحرب، إلى جانب سيطرة إيران فعليًا على فتح وغلق مضيق هرمز، وتعاملها مع هذا الأمر باعتباره ورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة بل والعالم بأسره.
ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تُركز على ضمان ألا تتمكن إيران من امتلاك سلاح نووي، وتتعامل مع هذا الهدف باعتباره “المعيار المركزي” لأي اتفاق، الأمر الذي يُفسر ما يتم طرحه من اعتزام الولايات المتحدة وإسرائيل السيطرة على بعض الجزر الإيرانية في الجنوب وإخراج اليورانيوم المخصب، وذلك في حالة تجدد المواجهات مرة أخرى. وعلى الرغم من محورية هذا الهدف النووي بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن ملف مضيق هرمز أصبح أكثر إلحاحًا عن ذي قبل، حيث أصبحت الأزمة في الوقت الراهن بمنزلة الحرب الاقتصادية العالمية، لا سيما مع الضرر واسع النطاق الذي سببه إغلاق المضيق.
وتعكس المؤشرات المختلفة أن الحصار الأمريكي للسفن القادمة من أو المتجهة إلى الموانئ الإيرانية بدأ يضغط على صادرات الخام الإيراني، فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية أن أرصفة النفط في جزيرة خرج، المحطة الرئيسة لتصدير الخام الإيراني، بقيت خالية من الناقلات، في أطول فترة فراغ منذ بدء الحرب، ومن ثم فإن استمرار خلو الأرصفة قد يحد عمليًا من قدرة إيران على تصدير الخام، بما يضغط على منشآت الإنتاج والتخزين. في هذا السياق، أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى تأثيرات الحرب على إمدادات النفط العالمية، وذلك من حيث انخفاضها بنحو 3.9 مليون برميل يوميًا خلال عام 2026، مع فقدان أكثر من مليار برميل من إمدادات الشرق الأوسط بالفعل، فيما ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى نحو 108 دولارًا للبرميل.
دفعت الضغوط الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، وتصاعد الاتهامات الأمريكية لإيران بزرع ألغام في المضيق، وتعثر مسار المفاوضات، إلى بروز موقف أوروبي أكثر تفاعلًا مع التطورات في منطقة الشرق الأوسط، حيث أعلنت إيطاليا أنها سترسل سفينتين حربيتين إلى محيط الخليج، ويبحث الاتحاد الأوروبي توسيع وجوده عبر مهمة “أسبيدس” البحرية في البحر الأحمر، كما أعلنت بريطانيا أنها سترسل إحدى مدمراتها المتمركزة حاليًا في البحر الأبيض المتوسط إلى الشرق الأوسط، استعدادًا لمهمة محتملة في مضيق هرمز عندما تسمح الظروف.
وتأتي هذه التحركات ضمن الاهتمام الأوروبي المتصاعد بتأمين الملاحة في مضيق هرمز، بقيادة كل من بريطانيا وفرنسا، وتستهدف جهودهما تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لدول غير منخرطة في القتال، وفق إطار أممي يجري التنسيق له، لتحديد إطار هذه المهمة المحتملة. ويُشير هذا التفاعل الأوروبي النشط إلى محاولة لعب دور بارز في إعادة تنشيط الملاحة بمجرد انتهاء الحرب، وذلك بعدما أدى الحصار الإيراني لمضيق هرمز إلى رفع أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد.
في ظل هذا السياق من التطورات الجيوسياسية المتلاحقة، والتجاذبات الأمريكية الإيرانية، يُمكن القول إن ما يجري في منطقة الخليج العربي يمثل منعطفًا أمنيًا حرجًا، يتسم بوجود صراع مباشر، وضغوط سياسية واقتصادية غير مسبوقة، الأمر الذي يُفسر اهتمام الدول الخليجية بضرورة أن يتضمن أي اتفاق مستقبلي تقييدًا دائمًا للنظم الصاروخية الإيرانية، وضمان عدم استخدام الطاقة كسلاح أمني مجددًا، مع التوجه التدريجي نحو بناء منظومة أمن جماعي إقليمي لتقليل الاعتمادية على المظلة والحماية الأمريكية.
إن إنهاء الأزمة الراهنة في الخليج ووقف الأعمال القتالية يتطلب تسوية حاسمة، تجمع بين الشروط الأمنية والتقنية للولايات المتحدة، والمطالب السياسية والاقتصادية لإيران، إلى جانب الضمانات الإقليمية التي تصر عليها دول الخليج، مع تقبل إيران – ولو بشكل مبدئي – بشروط إدارة الرئيس “ترامب” بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدد طويلة، قد تصل إلى 20 عامًا، مع إلزامها بشحن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج إيران، كخطوة مهمة لتبديد المخاوف من قرب وصولها لإنتاج سلاح نووي.
وتفرض التطورات الإقليمية وارتداداتها العالمية على الولايات المتحدة أن تضع حرية الملاحة الدولية والتجارية دون تهديد كأولوية قصوى لإيقاف عملياتها العسكرية، في مقابل التجاوب الأمريكي مع بعض مطالب إيران، والتي يتمثل أبرزها في الإلغاء الكامل لجميع العقوبات الاقتصادية الأولية والثانوية، والإفراج الفوري عن كافة الأصول والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، والتعهد الأمريكي بوقف الهجمات العسكرية ضد إيران، وعدم السعي لإسقاط النظام أو استهداف منشآته الحيوية مستقبلًا.
ختامًا، يبقي التأكيد على أن المسار الحقيقي لأي تسوية محتملة تُحقق سلامًا مستدامًا، يتطلب تجاوبًا مع المطالب الخليجية والإقليمية، وتلبية الشواغل الأمنية، بحيث يتم منع تعطيل الممرات الحيوية في المنطقة كسلاح جيوسياسي بين القوى المتنافسة، وضمان عدم تهديد أو استهداف البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة.
