أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” عن جولة جديدة من الضربات الجوية على عدة أهداف في إيران، والتي اعتبرت أنها كانت تشكل خطرًا على القوات الأمريكية، وعلى الملاحة في مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران أمام جميع السفن في أعقاب الضربات الأمريكية. وقد جاء هذه الضربات الأمريكية بعد هجمات أمريكية أخرى في إطار الرد على إسقاط مروحية أمريكية في وقت سابق، والتي ردت إيران عليها من خلال استهداف كل من الأردن والكويت والبحرين.
وقد جاء هذا التصعيد بالتزامن مع الاهتمام الأمريكي بعدم حدوث تصعيد مواز بين إيران وإسرائيل، حيث أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أنه سيتواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في إطار التصعيد المتبادل بين الجانبين الإسرائيلي الإيراني خلال الأيام الأخيرة، وذلك بهدف التهدئة، وعدم تقويض الجهود الدبلوماسية، وعرقلة فرص التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران، كما يتزامن أيضًا مع مواصلة الجانب الأمريكي التمسك بالمسار التفاوضي، حتى مع حالة الجمود في المفاوضات، وعدم التوصل إلى تفاهمات بشأن الملفات العالقة المتعلقة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، حيث أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني، وأن المفاوضات دخلت مراحلها الأخيرة.
وعلى الرغم من هذه الموجة الجديدة من التصعيد الأمريكي الإيراني، فإنه من الواضح أن كلًا من الجانبين يُفضلان تجنب الانزلاق إلى تصعيد عسكري أكثر شمولًا، ويُستدل على ذلك بالحرص الأمريكي على تبرير الهجمات باعتبار أنها قد جاءت كرد فعل “متناسب” وفي إطار “الدفاع عن النفس”، وهو ما مثل رسالة واضحة بأن الولايات لن تُقدم على تنفيذ ضربات عسكرية موسعة، على الأقل في الوقت الراهن.
ويُشير ذلك أيضًا إلى أن الأولوية الأمريكية الحالية تتمثل في احتواء التهديد النووي الإيراني عبر تسوية سياسية تضمن المصالح الأمريكية المباشرة، وتقليل كلفة الانخراط العسكري المباشر، مع توظيف الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية المفروضة على إيران لدفعها نحو تقديم تنازلات تفاوضية. ويؤكد نطاق الضربات الأمريكية على إيران، والتي طالت أصولًا عسكرية على السواحل الجنوبية في قشم وسيريك وجاسك وبندر عباس، السعي الأمريكي لشل القدرات الدفاعية والرادارية الإيرانية على طول الخليج العربي وخليج عُمان لإضعاف مراقبتها ومحاولة سيطرتها الكاملة على المضيق.
وتعكس تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بشأن إلزام إسرائيل بقبول أي اتفاق أمريكي مع إيران تحولًا مهمًا في إدارة الملف الإيراني، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى تأكيد استقلالية قرارها الاستراتيجي وعدم رهن مسار التفاوض بالمواقف الإسرائيلية، بل وتكشف عن وجود رغبة أمريكية في إعادة ضبط العلاقة مع إسرائيل من موقع القيادة لا الشراكة المتكافئة، بما يحد من قدرة الحكومة الإسرائيلية على فرض أجندتها الأمنية على صانع القرار الأمريكي، في ضوء التباين المتزايد بين البلدين بشأن إدارة الصراع مع إيران، الأمر الذي قد ينعكس على مستوى التنسيق السياسي والعسكري بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة.
كما يُمكن فهم الرسالة الأمريكية باعتبارها محاولة لفرض ضوابط على التحركات الإسرائيلية المنفردة التي قد تؤدي إلى إفشال المفاوضات أو جر الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية غير مرغوبة. وبالتالي، فإن الولايات المتحدة تسعى للحفاظ على زمام المبادرة السياسية وعدم السماح للأطراف الإقليمية بتحديد مسار الأزمة، خاصةً أن هذا الموقف الأمريكي يأتي في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا اقتصادية وعسكرية متزايدة، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى الاعتقاد بأن إيران أصبحت أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات. ومن ثم، تسعى الإدارة الأمريكية إلى استغلال هذه اللحظة لتحقيق اتفاق بشروط أفضل دون اللجوء إلى تصعيد عسكري طويل الأمد.
في المقابل، فإن الحرص الإيراني على نفي قيام الولايات المتحدة باستهداف الموانئ التجارية الإيرانية، يعكس الرغبة الإيرانية في الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وتأمين ما تبقى من خطوط إمدادها البحرية، ويرتبط ذلك بالإدراك الإيراني بأن الجبهة الداخلية هي الخطر الأكبر على النظام الإيراني القائم، وسط مخاوف من احتمالية تحول الصراع نحو حرب استنزاف خدمية تضغط على معيشة المواطنين دون التسبب في مواجهة عسكرية مدمرة شاملة.
والواضح أن أوروبا قد بدأت في استخدام أدوات ضغط أكثر مباشرة في ملف مضيق هرمز، لكنها لا تزال تتحرك عبر العقوبات والإطار القانوني، لا عبر قدرة ميدانية مستقلة على فرض قواعد الملاحة. وتؤكد العقوبات أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تثبيت تفسيره القانوني لحرية العبور في المضيق، في مواجهة أي ترتيبات إيرانية تجعل المرور خاضعًا للتقييم أو الترخيص أو الضغط السياسي.
ختامًا، يمكن التأكيد على أن التهدئة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، لا تزال تحظى بفرصة وإن تعرضت لاختبارات وضغوط جدية، خاصةً في ظل الاتجاه الأمريكي نحو ممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف أي محاولات لعرقلة وتعقيد المسار التفاوضي، وتزايد الاهتمام الإقليمي والدولي بإنهاء الحرب، ومن الواضح أن التحدي الرئيس أمام الولايات المتحدة لم يعد مرتبطًا بحجم القوة التي تمتلكها، بل بمدى قدرتها على التكيف مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا فالمسألة لم تعد تتعلق بإدارة الأزمات وفق القواعد التقليدية، وإنما بتبني منطق استراتيجي جديد.
