قراءة في مستجدات المفاوضات الأمريكية الإيرانية

24/06/2026

تتجه المنطقة العربية إلى حالة من الاستقرار المرحلي إثر دخول مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية حيز التنفيذ، وبدء المفاوضات الثنائية بوساطة باكستانية قطرية من خلال تشكيل أربع مجموعات عمل، وبما يشمل ملفات البرنامج النووي وإعادة الإعمار والعقوبات والرقابة على التنفيذ. ومن المنتظر أن تتم المفاوضات المُقبلة تحت الإشراف المباشر للجنة العليا المنوط بها متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم، بمشاركة مسئولين بارزين، هم: نائب الرئيس الأميركي “جي دي فانس”، ورئيس البرلمان الإيراني “محمد باقر قاليباف”، ووزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي”، ورئيس الوزراء الباكستاني “شهباز شريف” ورئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ “محمد بن عبد الرحمن آل ثاني”.

وفي إطار رسائل الطمأنة للأطراف الإقليمية والدولية، فقد أكد رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري على أولوية منع عرقلة فتح مضيق هرمز، كما أن الهدف الإقليمي هو بناء إطار أمني جديد بين دول المنطقة وإيران، وأن قضايا الأمن ومضيق هرمز سيتم مناقشتها مع دول المنطقة، ويأتي هذا الإعلان في ظل وجود بعض المخاوف من أن الولايات المتحدة قد لا تأخذ المخاوف والمصالح الإقليمية على محمل الجد، خاصةً مع عدم وجود بند صريح في مذكرة التفاهم يتعلق بالصواريخ والطائرات المُسيرة الإيرانية، والخبرة السلبية السابقة للمفاوضات الأمريكية الإيرانية عام 2015، حيث لم يكن لدول المنطقة حضور على طاولة المفاوضات الأساسية.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوات تعكس الجدية والالتزام في المفاوضات، والنشاط الملموس للوسطاء، فإن مسار التفاوض قد بدأ يتعرض لاختبارات وضغوط جدية، لا سيما فيما يتعلق برؤية وهدف كل طرف بشأن التسوية المناسبة للملف النووي الإيراني، ففي الوقت الذي ترغب فيه الولايات المتحدة تحقيق أقصى قدر ممكن من الضمانات الملموسة، بما يشمل عمليات تفتيش صارمة للمنشآت النووية الإيرانية، خاصةً التي تعرضت لهجمات أمريكية وإسرائيلية، بل ورهنها المسار التفاوضي بأكمله بهذه الإجراءات، فإن إيران قد تبنت موقفًا رافضًا لأي التزامات جديدة، وأثارت مطالبها الخاصة المتعلقة برفع العقوبات والإفراج عن الأصول المُجمدة والصادرات النفطية.

يُضاف إلى ذلك وجود بعض العقبات أمام تحقيق تقدم سريع في الملفات الاقتصادية والتنموية المرتبطة بالمفاوضات، فبالرغم من امتلاك الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قدرة حقيقية على إلغاء العقوبات التي فرضها على إيران، فإن هناك بعض أنواع العقوبات، لا سيما المفروضة من الكونجرس، ستمر عبر عمليات معقدة، إلى جانب وجود بعض المشروطيات السياسية المرتبطة برفع العقوبات، مثل إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان، كما توجد عقوبات أخرى أُممية وأوروبية، وحتى وإن تم تسوية هذه الأمور بصورة أو بأخرى، فإنه من الصعب على الشركات العالمية الكبرى أن تُقدم على الاستثمار بكثافة في الاقتصاد الإيراني الذي يحظى فيه الحرس الثوري المُصنف كمنظمة إرهابية بوجود فاعل، وسط مخاوف لدى هذه الشركات من بروز مخاطر قانونية من التعامل مع كيانات تقع تحت طائلة العقوبات.

ويمكن فهم هذا الاهتمام الأمريكي المُبكر بالملف النووي، والحرص على إظهار أن التفاهمات التي سيجري التوصل لها مع إيران ستكون مختلفة وأكثر صرامة عن اتفاق عام 2015 التي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق “باراك أوباما”، وذلك ارتباطًا بمجموعة من العوامل الداخلية في الولايات المتحدة، بتمثل أبرزها في اقتراب انتخابات التجديد النصفي، إلى جانب بروز ردود فعل سلبية شملت أطيافًا سياسية وفكرية مختلفة في الكونجرس وضمن أفراد النخبة الأمريكية تجاه التفاوض مع إيران والتوصل لتفاهمات نهائية لا تراعي بعض المطالب الرئيسة، في مقدمتها التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني، ودفع إيران نحو تبني سياسة إقليمية أكثر مسئولية، وتخليها عن دعم التنظيمات المسلحة، وكذلك تقويض البرنامج الصاروخي الإيراني على تهديد الأمن الإقليمي.

وعلى جانب آخر، فإن تقديرات المؤسسات الإسرائيلية تُشير إلى أنه من غير المرجح أن تؤدي المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى اتفاق نهائي، وبالتالي، فإنه من المنطقي وفق هذه الرؤية أن تظل إسرائيل محتفظة بتواجد عسكري قوي وفعال في لبنان، انتظارًا لما قد تُسفر عنه انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وعلى أمل ظهور فرصة جديدة للتحرك ضد النظام الإيراني، وتتخوف إسرائيل من تعقد المشهد في لبنان ارتباطًا بسير المفاوضات الأمريكية الإيرانية، حيث قد توظفها الأخيرة من أجل عرقلة أي ترتيبات قد تستهدف نزع سلاح حزب الله، وتعطيل انتشار الجيش اللبناني وسيطرته على المناطق جنوب الليطاني. ويُفسر ذلك استمرار إسرائيل في تنفيذ هجمات عسكرية محدودة في الجنوب اللبناني، بما مثل اختبارًا إسرائيليًا لحدود الهدنة، وإشارة واضحة على استعدادها للجوء للعمل العسكري مرة أخرى وفق رؤيتها الخاصة.

ختامًا، يمكن القول إن المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد دخلت مرحلة عملية تمتد ستين يومًا، تهدف إلى تحويل التفاهمات السياسية إلى آليات تنفيذية واضحة، وبالرغم من ذلك، فإن هناك بعض التصريحات المتبادلة والتهديدات ذات الطابع العسكري واللوجيستي مثل التلويح بإغلاق الممرات البحرية أو التهديد باستئناف العمليات الهجومية تمثل عاملًا جوهريًا قد يعرقل الالتزام بالجدول الزمني المحدد للمفاوضات. وفي السياق ذاته، تتحرك الحكومة الإسرائيلية لإضعاف فرص نجاح هذا المسار، الأمر الذي يُضيف ضغوطًا سياسية متزايدة على كل من الولايات المتحدة وإيران. كما أن الاتفاق يواجه تحديًا داخليًا في الولايات المتحدة، حيث ينقسم المشهد السياسي بين فريق يدعم التهدئة باعتبارها وسيلة لخفض أسعار الطاقة وتسهيل حركة التجارة، وفريق آخر يرفض أي تنازلات لإيران ويرى فيها تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد.

general-Tarek-abd-El-azeem
تساؤلات مطروحة: ماذا بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية؟
general-Tarek-abd-El-azeem
إدارة الصراع مع إيران من المنظورين الأمريكي والإسرائيلي
general-Tarek-abd-El-azeem
الأزمة الإيرانية بين التهدئة الهشة شمالًا والغموض المتصاعد شرقًا
general-Tarek-abd-El-azeem
حسابات الأزمة في الشرق الأوسط بين التفاوض وعودة العمل العسكري
Scroll to Top