مستقبل المسألة الكردية في الشرق الأوسط

27/06/2026

تعتبر المسألة الكردية في الشرق الأوسط قضية تاريخية ومزمنة لأنها واحدة من الملفات الممتدة حتى وقتنا الحالي بالرغم من أن جذورها تعود إلى شعوب هندوأوروبية التي استقرت في مناطق جبلية بين العراق وإيران وتركيا وسوريا، فبينما شهدت مراحل مختلفة من الاندماج السياسي، خاصة خلال الدولة الإسلامية، وصولًا إلى ذروة نفوذها في الدولة الأيوبية إلا أنها واجهت تحولات كبرى تاريخيًا بعد اتفاقية «قصر شيرين» التي قسمت بلاد الأكراد لأول مرة بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية ثم أسفر انهيار الدولة العثمانية، إلى تقسيم الأكراد بين أربع دول، مما أنهى فعليًا فرص إقامة دولة مستقلة رغم الوعود الدولية المبكرة.

ومن هنا تغتني الدراسة باستعراض التموضع الجيوسياسي للأكراد في حالاته الأخيرة أي في الأربع دول المحورية وتحليل كل حالة بخصوصيتها المنفردة في ظل التفاعلات والمتغيرات الراهنة التي تشهدها المنطقة ففي تركيا، مثل الأكراد الثقل الأكبر في ظل أعدادهم الكبيرة ورغم وجود مسار للتقارب التركي الكردي في الوقت الراهن تحت مسمى «تركيا خالية من الإرهاب» فإن العملية لا تزال بطيئة ومليئة بالتعقيدات بسبب انعدام الثقة، والانقسام السياسي الداخلي، وتمسك الحكومة بشرط حل تنظيم «حزب العمال الكردستاني» بشكل كامل.

بيد أن الوضع في الحالة السورية أكثر استقرارًا نسبيًا، حيث تتجه الحكومة السورية الجديدة في أعقاب اتفاق الـ 29 من يناير 2026 نحو دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة، عسكريًا وإداريًا، مع استعادة السيطرة على الموارد الحيوية كحقول النفط والمعابر الحدودية، إلا أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا باستمرار التفاهمات بين الطرفين وتنفيذ الاتفاقات المبرمة.

وفي الحالة العراقية، رغم إنها الحالة الوحيدة التي استطاع فيها الأكراد التمتع بنموذج الإدارة الذاتية من خلال إقليم كردستان، فإنه لا يزال يعاني من تحديات داخلية كبيرة، نتيجة التنافس والصراع بين الحزبين الرئيسيين «حزب الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني» لاسيما في أعقاب تشكل البرلمان خلال انتخابات الدورة السادسة في أكتوبر 2024 والتي أسفرت عن تصدر غير كافي لحزب الديمقراطي الكردستاني لتمرير منصب رئيس الإقليم، ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت مؤشرات على إمكانية تهدئة الأوضاع واستعادة المسار السياسي، خاصة مع وجود إرادة لتشكيل حكومة مستقرة، والاتفاق على استمرار الوجود الكردي في الحكومة المركزية ببغداد برئاسة «علي الزيدي».

بينما في إيران، ترتبط المسألة الكردية مباشرة بالأمن القومي، نظرًا لتعدد القوميات داخل الدولة. وقد شهدت تحركات الأكراد تحولًا من المعارضة السياسية إلى النزعة المسلحة مع بدء الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران، ما فتح المجال أمام احتمالات استغلالهم كأداة ضغط خارجي، وبالرغم من فشل ذلك، فإن التحول الذي طرأ على مقاربتهم سيكون محل اهتمام من قبل الإدارة الإيرانية في أعقاب انتهاء الحرب بشكل كامل.

وفي ضوء ما سبق، تفتح المعطيات السابقة حول تحولات الحالة الكردية في الشرق الأوسط خارطة طريق ومسار محتمل يؤكد على أن المسألة الكردية لم تعد مشروعًا موحدًا، بل تحولت إلى ملفات منفصلة تحكمها ظروف كل دولة على حدة، كما أن فكرة إقامة دولة كردية مستقلة تبدو غير واقعية في الوقت الراهن، في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية التي غالبًا ما توظف الأكراد لخدمة مصالحهم وبالتالي يُرجح أن تشهد الفترة المقبلة تسويات جزئية تضمن للأكراد بعض من حقوقهم على أن يتم تجاهل تطلعاتهم بشأن الدولة المستقلة.

العدد6
الولايات المتحدة الأمريكية: البنية الداخلية والعلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط
العدد 5
التحركات الإسرائيلية - الأمريكية في الشرق الأوسط ومحاولات إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية الإقليمية
العدد 4
حركات الإسلام السياسي في المنطقة المغاربية (تونس، الجزائر، المغرب، ليبيا، موريتانيا)
كوفر
الولاية الثانية لترامب وقضايا السياسة الداخلية
Scroll to Top