تواصل الإدارة الأمريكية برئاسة “دونالد ترامب” محاولاتها لتعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، بما في ذلك تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول الأفريقية كافة، وفي هذا السياق، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي في 9 أغسطس 2026، قرارًا مؤقتًا يُمدد العمل بقانون النمو والفرص في أفريقيا “أجوا” حتى عام 2028، وعلى الرغم من تصويت مجلس الشيوخ بأغلبية الأصوات بواقع 90 صوتًا مقابل 6 أصوات لصالح تمديد العمل بالقانون، فإن تنفيذ القرار يتطلب موافقة مجلس النواب ثم إحالته للرئيس “دونالد ترامب” للتوقيع عليه، الأمر الذي يُشير إلى احتمالية وجود إشكاليات تتعلق بتنفيذ القرار.
يُمثل قرار تمديد قانون “أجوا” تطورًا مهمًا في مسار العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول أفريقيا جنوب الصحراء، إذ يمنح البرنامج فترة إضافية من الاستقرار التجاري، في وقت تشهد فيه القارة تنافسًا متزايدًا بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والأسواق والموارد الاستراتيجية، كما يُمثل خطوة مهمة بالنسبة إلى عدد من أكبر الاقتصادات الأفريقية، من بينها جنوب أفريقيا ونيجيريا وأنجولا وإثيوبيا وكينيا، التي تستفيد قطاعات إنتاجية فيها من فرص النفاذ إلى السوق الأمريكية، لا سيما أن القانون يشمل حاليًا 32 دولة أفريقية، ويشمل مجموعة كبيرة من القطاعات الاقتصادية المهمة، من بينها صناعة السيارات في جنوب أفريقيا، والفانيليا في مدغشقر، والمنسوجات في دولتي كينيا وليسوتو.
تعظيم المكاسب الاقتصادية:
يأتي القرار الأمريكي بتمديد العمل بقانون “أجوا” والذي تم إطلاقه في عام 2000 بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة والدول الأفريقية جنوب الصحراء، بعد توقف العمل به في شهر سبتمبر 2025، حيث رأت الإدارة الأمريكية أهمية إعادة النظر في هذا القانون وعدد الدول الأفريقية المستفيدة منه، مع وضع عدد من الشروط والاعتبارات التي يجب أن تتمتع بها الدول الأفريقية المستفيدة منه. فعلى سبيل المثال، تم تعليق استفادة إثيوبيا من هذا القانون منذ عام 2022، بسبب ملف حقوق الإنسان والانتهاكات التي تشهدها البلاد بسبب الصراعات المسلحة في إقليمي التيجراي وأمهرة، وتزايد معدلات العنف العرقي بولايات أخرى مثل أوروميا.
فشلت المحاولات الإثيوبية في إقناع الولايات المتحدة بالعدول عن قرار تعليق عضويتها في هذا القانون، حيث تربط بين موافقتها على ذلك والتقدم الذي تُحرزه الحكومة الإثيوبية في ملف حقوق الإنسان، الأمر الذي ترك أثارًا اقتصادية سلبية على إثيوبيا، حيث كانت تستفيد من القانون في تنشيط قطاع التصنيع لديها (المنسوجات – الجلود – الأحذية) والمنتجات الزراعية، وبالتالي تراجعت صادراتها من هذه المنتجات للولايات المتحدة، ومع قرار التمديد، فإن الموقف لا يزال غير واضح بشأن ما إذا كان القرار سيشمل إعادة إثيوبيا لهذا القانون، أم ستظل إثيوبيا غير مستفيدة منه، وربما تستخدمه الولايات المتحدة كورقة ضغط على إثيوبيا لدفعها نحو تنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام وتسوية أزمة التيجراي، وإنهاء الصراع المسلح الراهن بإقليم أمهرة، بما يعني أن الأمر لم يُحسم بعد في إطار استراتيجية تعامل جادة وحازمة.
وباستثناء الحالة الإثيوبية، فإن القرار الأمريكي بتمديد العمل بقانون أجوا يُمثل مكسبًا للدول الأفريقية الـ 32 المستفيدة منه، حيث سيضمن ذلك استمرار تصدير هذه الدول لمنتجاتها المختلفة للولايات المتحدة، وهو ما يعني تنشيط اقتصاداتها، وتحقيق مكاسب مالية تساعدها على مواجهة مشكلاتها الاقتصادية التي تواجهها، وبالتالي يعد هذا القرار فرصة لإعادة بناء خطط هذه الدول التصديرية على أساس أكثر استقرارًا، خاصة في قطاعات مثل المنسوجات والملابس والزراعة وبعض المنتجات الصناعية. فعلى سبيل المثال، يسمح هذا القرار بإعادة تنشيط قطاع المنسوجات في مدغشقر والعودة للتصدير مرة أخرى للولايات المتحدة بعد فترة من التوقف منذ شهر سبتمبر 2025.
وعلى مستوى الأوضاع الاقتصادية داخل هذه الدول، فإن هذا القانون يُساعد الدول الأفريقية على زيادة صادراتها لتشمل منتجات أخرى، وعدم الاقتصار على تصدير المواد الخام فقط، هذا إلى جانب، جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإقامة مشروعات تنموية، وذلك في إطار تنويع الشراكات التجارية والاقتصادية، بما يسهم في توفير فرص عمل ومن ثم المساعدة في حل مشكلة أزمة البطالة التي تعاني منها الدول الأفريقية، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية لشعوب هذه الدول، وتوظيف ذلك لتحقيق الاستقرار السياسي.
تعزيز النفوذ الأمريكي:
تسعى الولايات المتحدة لتوظيف هذا القانون لتحقيق جملة من الأهداف، يأتي على رأسها تعزيز نفوذها السياسي في القارة الأفريقية، وذلك بعد أن شهد تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل زيادة حدة التنافس الإقليمي والدولي على إيجاد موطئ قدم في القارة الأفريقية للاستفادة من ثرواتها الطبيعية من المعادن النادرة غير المستغلة مثل اليورانيوم والذهب والألماس والليثيوم والكوبالت والنحاس والمنجنيز، الأمر الذي يدفع الولايات المتحدة لتوظيف قانون أجوا لتقديم مزايا تفضيلية لمنتجات الدول الأفريقية، وفي المقابل تأمين الحصول على الموارد الطبيعية من هذه الدول، وتعظيم مكاسبها الاقتصادية.
كما أن قانون أجوا لا يعني إلغاء كافة الرسوم الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة على الواردات، لا سيما بعدما فرضت الإدارة الأمريكية برئاسة “ترامب” سياسة جمركية تهدف لتشجيع التصنيع المحلي، وفرض رسوم جمركية واسعة وشاملة على الواردات العالمية، وسط مواجهات وتحديات قانونية مستمرة من الولايات القضائية والشركات المختلفة، وذلك بهدف حماية المنتجات المحلية ودعم الاستثمار داخل السوق الأمريكي، عن طريق استخدام التعريفات كوسيلة ضغط سياسي واقتصادي على الشركاء التجاريين على مستوى العالم، وهو ما انطبق على دول أخرى حول العالم.
ويعكس قرار تمديد قانون “أجوا” طبيعة التحول الراهن في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القارة الأفريقية، والتي تهدف بشكل أساسي لتعزيز التواجد والنفوذ الأمريكي في الدول الأفريقية لموازنة نفوذ القوى الدولية المتنافسة معها في أفريقيا، لا سيما روسيا والصين، التي تقوم بتحركات مكثفة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية كافة لتعزيز نفوذها السياسي وحماية مصالحها الاستراتيجية في الدول الأفريقية، خاصةً في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومنطقة الساحل والصحراء التي أصبحت منطقة نفوذ روسي بعد تراجع النفوذ الفرنسي والأوروبي منها، بالإضافة إلى تنامي أدوار بعض القوى الإقليمية مثل تركيا داخل القارة الأفريقية والتي تخصم من التواجد الأمريكي بالقارة الأفريقية، وهو أمر تتحسب له الولايات المتحدة، وتسعى للتعامل وفق استراتيجية استباقية تتضمن أساليب الضغط المباشر بما يمكنها من تمرير أهدافها.
ختامًا، فإنه من المتوقع أن تواصل الولايات المتحدة تطبيق قانون أجوا كأداة لتعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، وتحديدًا في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، وذلك من خلال تبني مقاربة اقتصادية نشطة تقوم على تحقيق مكاسب متبادلة، ومع ذلك فإن الولايات المتحدة قد تتجه خلال الفترة القادمة نحو تقييم القانون خلال فترة التمديد حتى عام 2028، والنظر في مدى قدرته على تحقيق الأهداف التي وضعتها الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بتشجيع الاستثمارات الأمريكية في الدول الأفريقية، وتحقيق أكبر قدر من الأرباح بالنسبة للجانب الأمريكي، فالتوجه الأمريكي الحالي يراهن على دور الدبلوماسية الاقتصادية في إدارة ملف العلاقات الأمريكية الأفريقية، بما في ذلك إقامة علاقات شراكة استراتيجية طويلة الأمد.

