إدارة “ترامب” والتأرجح بين الخيارين العسكري والاقتصادي

03/09/2026

مع استئناف الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الساعات الأخيرة، واحتمالات اتساع مسرح العمليات بين الجانبين، وفي ظل تضارب التصريحات، وإعادة تدوير الأفكار والخيارات، يُثار تساؤلًا حول مدى ما يمكن أن تصل إليه الأمور على المدى المنظور، خاصةً أن المشهد الراهن يتسم بقدر كبير من السيولة السياسية والاستراتيجية، التي تسمح بالكثير من السيناريوهات المتعلقة بإدارة المشهد.

يكشف هذا السياق المُعقد عن أن التوصل لنقطة توافق بين الولايات المتحدة وإيران قد يأخذ مزيدًا من الوقت، لا سيما مع رهان كل طرف على صموده، فإيران عادة ما تلوح باستعدادها العسكري لعودة المواجهات مرة أخرى، وفي نفس الوقت يُشير الرئيس “مسعود بزشكيان” إلى إمكانية العودة لمذكرة التفاهم إذا تقبل الجانب الأمريكي بالعمل وفق بنودها مجددًا والالتزام بما جاءت به من نقاط محددة. فيما يعمل الجانب الأمريكي على توجيه رسائل مُلغمة للجانب الإيراني، والتحرك من الحصار والحرب الاقتصادية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية إلى استهداف جزيرة “لارك”، وربما أيضًا التخطيط للوصول إلى جزيرة “خرج”، ويؤكد ذلك على أن العمل العسكري لن يتوقف، بل وقد يتمدد في اتجاهات أخرى وصولًا إلى شن حرب كاملة إذا تعقدت الأمور، خاصة مع التطورات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية واستقالة وزير الجيش، وربما ظهور استقالات أخرى خلال الفترة المقبلة.

ولا تزال محاولات الوسيط الباكستاني والقطري تدور في أطر محدودة، بعد تصاعد المواجهات العسكرية مرة أخرى، واتجاه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى مساحات أكبر من الحرب الاقتصادية على إيران، سواء المتعلقة بالكيانات الاقتصادية والشركات والمؤسسات الاقتصادية، إضافة إلى تتبع الدول التي تدعم إيران، وعلى رأسها الصين، الأمر الذي قد يشير إلى أن هذه الحرب الاقتصادية تعد بمثابة محاولة أمريكية لخفض مساحة الحركة وهامش المناورة لما يمكن أن تقبل به إيران من خيارات، والدفع نحو تحقق الهدف الاستراتيجي للرئيس الأمريكي “ترامب” وهو العودة إلى المفاوضات مجددًا، وكذلك فإن هذه الحرب الاقتصادية تمثل اختبارًا لقدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود، في ظل واقع إيراني مأزوم، وحالة من الانهاك، وتزايد معاناة الداخل الإيراني من تبعات الحصار الاقتصادي، وبما يفرض على إيران، وفق المُخطط الأمريكي، أن تتعامل مع التبعات الاقتصادية ومدى تأثيرها على حالة الاستقرار الداخلي.

ويتضح أن رهانات الإدارة الأمريكية تنحصر في تيارين رئيسين، يدعو الأول، وهو الجاري في الوقت الراهن، إلى ضرورة المُضي قدمًا في كل المسارات المطروحة، بما في ذلك العودة إلى العمل العسكري المحدود، وعدم توسيع دائرة الحرب والمواجهات – على الأقل في الوقت الراهن – والاعتماد بصورة أكبر على الضغط الاقتصادي، وانتظار ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك على الداخل الإيراني. ويتضح أن هذا التيار يضم المؤسسات الأمريكية بما في ذلك البيت الأبيض والرئيس الأمريكي نفسه.

ويرى التيار الثاني أنه قد فات الوقت في الرهان على العمل السياسي أو الاقتصادي، وأنه يتوجب على الإدارة الأمريكية الاتجاه إلى تبني كل الخيارات المُتاحة دفعة واحدة، وممارسة أكبر قدر من الضغوطات الحقيقية، والانتقال من الحرب الاقتصادية الراهنة إلى العمل العسكري الشامل، باعتبار أن إجبار إيران على الرضوخ للمطالب الأمريكية يتطلب تحركات أكثر حزمًا وحسمًا. ويتضح أن عددًا كبيرًا من مؤيدي اللوبي الإسرائيلي يروجون لهذا الخيار في الوقت الراهن، ويعملون على دفع الإدارة الأمريكية للانخراط في مستويات أكبر من التصعيد العسكري، حتى وإن تطلب الأمر شن حربًا شاملة، بدلًا من استراتيجية الضربات الخاطفة.

في المجمل، فإنه من الواضح وجود تأثير مهم للاستحقاقات الانتخابية الأمريكية المُقبلة، حيث تُراهن عليها إيران من أجل حدوث تغيير محتمل في السياسة الأمريكية تجاه استمرار الحرب، خاصةً بعد أن كشفت استطلاعات الرأي الأمريكية عن تراجع شعبية إدارة “ترامب”، وتراجع الدعم للحرب بين القاعدة الانتخابية الجمهورية، بما يعني أن هذه الحرب قد تحولت إلى عبء انتخابي يمكن أن يؤثر على فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات. وعلى الجانب المقابل، يرغب أنصار التصعيد في الحسم العسكري السريع، حيث يتخوفون من حدوث تراجع عن الحرب ارتباطًا بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس ونتائجها.

وعلى الرغم من حقيقة وجود تأثيرات واسعة للحرب على الاقتصاد والأوضاع الداخلية في إيران، فإن هناك تقديرات تُشير إلى أن هذه التأثيرات لم تمتد إلى تماسك النظام السياسي الإيراني، الذي لم يشهد انقسامات حقيقية أو حتى انشقاقات بالمعني المتعارف عليه، وأن التباينات في المواقف الداخلية لا تخرج عن مجموعة من القواعد المنضبطة والصارمة التي تستهدف الحفاظ على بقاء النظام، ويعني ذلك أن الرهان الأمريكي على حدوث التغيير من الداخل لا يزال أمرًا مُستبعدًا.

وفي حقيقة الأمر، فإنه مع اقتراب الانتخابات الأمريكية، تضيق الخيارات أمام الرئيس “ترامب”، في حين تحاول إيران إظهار استعدادها للتعامل مع كافة السيناريوهات، سواء في الوقت الراهن أو حتى في فترة ما بعد هذه الانتخابات، بهدف تحقيق أكبر قدر من المكاسب للدولة الإيرانية، بل والرهان على استكمال مُخططاتها وأولوياتها الاستراتيجية. وربما تتجه إيران وفي توقيت محدد إلى الانتقال إلى خيار استئناف تخصيب اليورانيوم، وذلك على عكس ما هو شائع من تقبلها بالوضع الراهن، ففي إطار تفاوضها على فتح مضيق هرمز، فقد تعمل على اتباع استراتيجية التمويه والتكتم والضبابية كما فعلت إسرائيل من قبل حتى امتلكت أسلحة نووية دون إعلان رسمي حتى الآن. ومع ذلك، فإن تبني إيران لهذا الخيار الذي لن تقبل به إسرائيل قد يعني تدخل الأخيرة ولو بمفردها، وتوجيهها ضربات عسكرية لإيران.

ختامًا، يمكن التأكيد على أن هذه الجولة الجديدة من المواجهات، وبعد ستة أشهر من الحرب، تكشف عن رسائل مُتعددة وفي اتجاهات مختلفة، حيث اندلعت المواجهات العسكرية مع استمرار الخلاف حول مضيق هرمز من جهة، ومواصلة الولايات المتحدة حصار الموانئ الإيرانية من جهة أخرى، بما يعني أن حالة الهدوء النسبي التي سادت بين الجانبين لمدة شهر، لا تُعبر عن استقرار طويل الأمد، وأن استمرار هذه الحالة يضع المنطقة تحت ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية مستمرة.

general-Tarek-abd-El-azeem
"الإقصاء الاقتصادي" ضد إيران والمسارات الأمريكية الموازية
general-Tarek-abd-El-azeem
الأزمة الأمريكية الإيرانية تواجه فصلًا جديدًا
general-Tarek-abd-El-azeem
الجدار الفولاذي: "خطة ترامب" في محاصرة إيران وبدائل التعامل الأمريكي
general-Tarek-abd-El-azeem
هل يؤدي الانفراج المؤقت لترتيبات سلام دائمة في المنطقة؟
Scroll to Top