دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية منعطفًا جديدًا مع بروز النمط الجديد من المواجهات، الذي يقوم على استهداف السفن والناقلات، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” عن تدميرها خمس ناقلات نفط إيرانية يوم 8 سبتمبر 2026، بعد أن أقدم الحرس الثوري الإيراني على استهداف سفينة حربية أمريكية. في حين جاء الرد الإيراني سريعًا، حيث أعلن الحرس الثوري عن استهدافه لسفينتين أمريكيتين وثماني ناقلات نفط في مياه الخليج، إلى جانب استهداف عشر سفن أخرى كانت تحاول المرور عبر المنطقة “المحظورة” و”غير الآمنة” في مضيق هرمز. فيما نفت “سنتكوم” تعرض أي سفينة حربية أمريكية للقصف، وأكدت على أن محاولات الهجوم كانت “فاشلة”، في مقابل نجاح الجانب الأمريكي في تدمير عشر ناقلات إيرانية خلال الأسبوع الماضي وحده.
يأتي ذلك بالتزامن مع استمرار جهود الوسطاء لتحريك الأزمة بين الجانبين، حيث أكد وزير الدفاع الباكستاني على وجود اتصالات غير مباشرة بين الأطراف، كما أن بلاده تسعى إلى تهيئة بيئة تُساعد على تخفيف التوترات في المنطقة. في حين دعت قطر إلى فتح مضيق هرمز دون شروط، وأكدت على أنها تواصل التنسيق والعمل مع شركائها الإقليميين والدوليين لإعادة إحياء مسار التفاوض والدفع نحو الحلول السياسية، كما أجرى وفد قطري زيارة إلى إيران وأجرى اجتماعات مع وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” بهدف خفض التوتر الإقليمي، وهي الاجتماعات التي وصفها الجانب الإيراني بأنها جيدة ومثمرة.
تُشير هذه التطورات بوضوح إلى انفتاح المشهد مجددًا باتجاه العمل العسكري، خاصةً مع ما أشار إليه وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” من أن الولايات المتحدة ستواصل استهداف ناقلات النفط الإيرانية ردًا على محاولات استهداف السفن الأمريكية، وبما قد يؤدي إلى اشتعال جولة جديدة ومكثفة من “حرب الناقلات” و”المواجهة البحرية” في مضيق هرمز. وقد برز هذا “النمط الخطر” من التصعيد ارتباطًا بتمسك الجانبين الأمريكي والإيراني بتنفيذ ضربات عسكرية متبادلة، وسط تعثر جهود الوساطة والتهدئة بينهما.
تمثل حرب الناقلات الراهنة استدعاءً واضحًا لما سبق وأن اختبرته المنطقة خلال الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين، والتي أدت إلى إغراق نحو 223 ناقلة نفطية من مختلف الجنسيات، وتضرر وغرق نحو 540 ناقلة تجارية، ومقتل نحو 430 بحارًا، كما شهدت السنوات الماضية (خاصةً عام 2021) نمطًا من “ملاكمة الظل” بين إسرائيل وإيران، وتبادلتا الاتهامات باستهداف السفن وناقلات النفط لكل منهما.
وقد ألقت هذه الأوضاع المُعقدة بتداعياتها على أسعار النفط التي قفزت إلى أعلى مستوياتها منذ أسابيع، وتجاوز خام برنت المائة دولار للبرميل، ويعكس ذلك حقيقة أن القوى الإقليمية والدولية أصبحت أكثر تخوفًا من أن تنزلق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة، تشتعل معها نقاط الاختناق الاستراتيجية والممرات البحرية الحيوية، بما يُطيل أمد حالة عدم الاستقرار الإقليمي، ويُحدث ضرر طويل الأمد على سلاسل الإمداد.
كما تُظهر هذه التطورات أن الولايات المتحدة لا تزال تتبنى مبدأ التصعيد التدريجي، مع الاستثمار بصورة أكبر في ممارسة الضغط الاقتصادي، حيث لم تكتف الولايات المتحدة بالحصار أو الاقصاء الاقتصادي وفرض حزم جديدة من العقوبات، بل ذهبت مباشرة نحو استهداف السفن والناقلات الإيرانية، في خطوة أرادت منها تقويض “شبكة سرية بمليارات الدولارات تمول الحرس الثوري” وفقًا لما أعلنته “سنتكوم”، إلى جانب تقليص القدرة الإيرانية على تصدير النفط، الذي يُعد المصدر الرئيس للإيرادات الحكومية والعملات الأجنبية، بما يُزيد من الضغوط على الاقتصاد الإيراني الداخلي، خاصةً مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وكذلك اتجاه الحكومة الإيرانية نحو رفع سعر البنزين لأصحاب الاستهلاك المرتفع، الذين يتجاوز استهلاكهم الحصة الشهرية المحددة، بمقدار الضعف، مع الأخذ في الاعتبار أن رفع أسعار الوقود تُعد مسألة شديدة الحساسية، وسبق أن أدت إلى موجة من الاحتجاجات في عام 2019.
ويبدو أن الجانب الأمريكي مقتنع بجدوى مقاربته الراهنة تجاه إيران، حيث تُوظف الولايات المتحدة أصولها العسكرية المنتشرة في المنطقة من أجل تعزيز السيطرة على حركة الملاحة، ومراقبة الأنشطة والتحركات الإيرانية، وتشديد القبضة الأمريكية وحصارها على إيران بما يمنع الأخيرة من تصدير النفط. وعلى الرغم من أن هذه الضغوط الأمريكية تستهدف بالأساس دفع إيران نحو المفاوضات مرة أخرى ولكن بشروط مخففة وتوقعات ومطالب معتدلة، فإن القدرة الإيرانية على الصمود وعدم استجابتها للمطالب الأمريكية قد يدفع بالأخيرة إلى ممارسة ضغوطًا مُضاعفة، وبما قد يزيد من احتمالية حدوث تصعيد أكبر نطاقًا، خاصةً مع انعدام الثقة بين الجانبين، وعدم قدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر وتحقيق التقدم المطلوب.
ختامًا، يُمكن التأكيد على أن حرب الناقلات، وإن اختبرتها المنطقة من قبل بدرجات متفاوتة، فإنها تُمثل متغيرًا جديدًا في المواجهات الإقليمية الراهنة، والمُرشحة بقوة لمزيد من التصعيد. وأمام المشهد الإقليمي الراهن، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للحفاظ على توازن دقيق، بين استمرار الضغط على إيران والتصعيد التدريجي الحذر، وبين عدم الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع، تشمل مسارح عمليات أخرى في دول الجوار ومناطق التماس الاستراتيجية.
