لا يزال المشهد الأمريكي الإيراني يتمتع بقدر كبير من عدم الاستقرار، وحالة من السيولة المُنفتحة على مسارات واتجاهات متعددة، في ظل تكرار الأفكار وإعادة تدويرها، فبعدما أُعلن عن أن وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” قد التقى بوسطاء قطريين وتلقى رد الولايات المتحدة الرافض للخطة الإيرانية المُقترحة لبناء الثقة على مدى سبعة أيام، اتضح أن الخلاف الرئيس بين الجانبين الأمريكي والإيراني يتعلق بطبيعة ما تضمنته الخطة من خطوات وترتيبها، والعودة إلى نُسخة أخرى من مذكرة التفاهم التي سبق أن وقعتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026.
تضمن المُقترح الجديد وقف الأعمال القتالية على الجبهات المختلفة، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة تقدر بمليارات الدولارات، ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، في مقابل قيام إيران بإعادة فتح مضيق هرمز خلال هذه الفترة القليلة البالغة سبعة أيام، ولا تختلف هذه البنود كثيرًا عن تلك التي وردت في تفاهمات يونيو الماضي، والتي جُمدت عمليًا بعد عودة العمليات العسكرية وعدم فتح المضيق بشكل كامل، لكن الجديد في الخطة، هو إبداء إيران استعدادها لبدء التفاوض بخصوص الملف النووي خلال سبعة أيام، بما يمثل تقليصًا للمدة التي وردت في مذكرة التفاهم، وبلغت ستين يومًا، ويتماشى مع ما أشارت له بعض التقارير من أن المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران قد شهدت مرونة إيرانية حول الملف النووي.
يتزامن هذا التعثر مع تحسن تدفقات النفط من منطقة الشرق الأوسط واستعادة مسارات تتجاوز مضيق هرمز، بما يمنح الولايات المتحدة هامشًا لمواصلة الضغط على إيران، خاصة أن الصراع الهادئ بين الجانبين يُمكن فهمه على أنه اختبارًا للإرادات وحدود التحمل، وعلى الرغم من أن خفض التصعيد يمثل مصلحة أمريكية وإيرانية وإقليمية ودولية، فإنه يبدو أن الإشكالية الأساسية بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال قائمة، وتطغى على سلوكهما، وتتمثل هذه الإشكالية في العثور على نقطة البدء لإحياء مسار المفاوضات مرة أخرى، والتي يُمكن بعدها الحديث عن إجراءات بناء الثقة، فالجانب الإيراني يرغب في أن تكون نقطة البدء هي قيام الجانب الأمريكي بإجراءات لتخفيف ضغطها وحصارها الاقتصادي على طهران، في حين ترى الولايات المتحدة أنه لا يُمكن البدء إلا بعد أن تتجاوب إيران مع مطلب رئيس ومُهم، وهو اتخاذ إجراءات وخطوات ملموسة في الملف النووي.
يعني ذلك أن الولايات المتحدة لا ترغب في منح إيران أي متنفس في الوقت الذي تحتفظ فيه الأخيرة بالسيطرة الفعلية على مضيق هرمز، ويبدو أن الولايات المتحدة ترى أن الضغوط الاقتصادية المتوازية والمكثفة تُعد الوسيلة الأنجح لإجبار إيران على الرضوخ للمطالب الأمريكية حتى وإن تطلب ذلك وقتًا أطول، فما تُظهره إيران في الوقت الراهن من قدرة على التحمل والصمود قد لا يستمر طويلًا، خاصةً مع تراجع الوزن السياسي لمضيق هرمز كورقة ضغط إيرانية.
ومع ذلك، تبرز هنا إشكاليتان رئيستان، تتعلق الأولى بمدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على التوازن بين محاولات إخضاع إيران، وبين عدم دفع الأخيرة نحو التصعيد العسكري لتعزيز موقفها بعدما نفذ ما في جعبتها من خيارات، ومكمن الخطر في هذه الظروف هو أن حالة الارتباط التلقائية بين الممرات الحيوية حول شبه الجزيرة العربية، ونقصد هنا مضيقي هرمز وباب المندب، قد تعني وجود بيئة مواتية لفتح جبهة جديدة جنوب البحر الأحمر حال اندلاع جولة جديدة من الحرب، سواء بدأتها الولايات المتحدة أم إيران، ويتعزز هذا الإدراك بالنظر إلى تمدد النفوذ الحوثي، المرتبط ولو نسبيًا بإيران، على الساحل الغربي في اليمن.
وتنصرف الثانية إلى طبيعة البنية التفاوضية نفسها، فحتى وإن بدء الجانبان في التفاوض، فإنه تبرز إشكالية جوهرية، تتعلق بمدى صمود مسار التفاوض والظروف الأولية الجوهرية اللازمة لإنجاحه، ونُشير هنا إلى أهمية وجود بنية تفاوضية مؤسسية، تحظى بثقة ودعم من الجانبين والوسطاء، حيث كشف تجدد المواجهات عن أن البنية التفاوضية السابقة، وما تضمنته من وجود آلية تنفيذية مشتركة للإشراف على التنفيذ الناجح للاتفاق النهائي والالتزام به مستقبلًا، لم تُسفر عن احترام الجانبين لالتزاماتهما، بما يُبرز أهمية قيام الوسطاء في الوقت الراهن بالبحث عن صيغة أخرى أكثر عملية وإلزامًا، استعدادًا لاحتمالية تجدد المفاوضات مرة أخرى.
وفي المحصلة، فإن هناك مجموعة من المؤشرات القائمة بين الجانبين تسمح بطرح تصور مُحتمل، وهو أن تجدد الحرب ضد إيران أصبح احتمالًا متجددًا، لا سيما مع اقتراب إجراء الانتخابات سواء في إسرائيل أم الولايات المتحدة، وما يجعل الظروف الراهنة مختلفة عن ذي قبل، هو أن شن الحرب لم يعد قرارًا مرتبطًا بامتلاك القدرات العسكرية فحسب، حيث تتداخل مجموعة أخرى من العوامل، لعل من أبرزها: حدود الاستجابة للصدمات التي ستلي موجة الاضطراب التي ستنتشر في أكثر من نطاق جغرافي في منطقة الشرق الأوسط.
ختامًا، يبقى التأكيد على أن الهدوء المرحلي بين الولايات المتحدة وإيران مثل فرصة لدول المنطقة من أجل التقاط الأنفاس، لكنه لا يعني بالضرورة تقليص فرص اندلاع الحرب مجددًا، في ظل تمسك كل طرف بمصالحه وأهدافه. ويبدو أن الوسطاء أمام مهمة صعبة لإقناع الجانبين بالعودة لمسار التفاوض وتجاوز إشكالية من سيتراجع أولًا.
