زادت التحذيرات خلال الفترة الأخيرة، بشأن تنفيذ عمليات قرصنة بحرية شملت اختطاف واستهداف مباشر للسفن باستخدام زوارق سريعة وطائرات مسيرة، خاصة في محيط مضيق باب المندب، مع استهداف السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية أو العابرة بالقرب من السواحل اليمنية والصومالية، ومن الأمثلة الدالة على ذلك قيامهم بتنفيذ عدد من العمليات التي أسفرت عن اختطاف واحتجاز عدد من السفن التجارية وسفن الشحن، ومن أبرزها اختطاف ناقلة النفط SIBU 1 كانت ترفع علم دولة إريتريا في شهر أغسطس 2026، وأيضًا سيطرة مسلحين في شهر يوليو 2026، على ناقلة المواد الكيميائية MT ASANA شرق خليج عدن، والتي تلتها تقارير عن اتجاه الناقلة نحو السواحل الصومالية، وقبل ذلك اختطاف السفينة M/T Eureka في شهر مايو 2026 وذلك قرب سواحل محافظة شبوة اليمنية وكان على متنها 8 بحارة مصريين و4 آخرين من الهند، قبل أن تتجه السفينة نحو خليج عدن ثم إلى السواحل الصومالية.
وفي هذا السياق، فقد أثارت عملية الإفراج عن البحارة المصريين الثمانية في 30 سبتمبر 2026، والذين كانوا مختطفين على متن السفينة M/T Eureka في مايو الماضي [1]، تساؤلات حول أسباب تجدد ظاهرة القرصنة البحرية في البحر الأحمر، ومدى تأثير ذلك على حالتي السلم والأمن في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومدى فاعلية الجهود الإقليمية والدولية في الحد من هذه الظاهرة، تجنبًا لتداعياتها على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في دول هذه المنطقة، بالإضافة إلى تداعياتها على حركة التجارة والملاحة العالمية بما في ذلك ارتفاع تكلفة الشحن وارتفاع رسوم التأمين على السفن المارة عبر المضائق البحرية.
تنامي نشاط القرصنة البحرية:
ظهرت إشكالية القرصنة البحرية منذ عام 2005 بشكل أكثر تأثيرًا من ذي قبل، حيث بلغ عدد السفن المختطفة في تلك الفترة حوالي 149 سفينة، وتم احتجاز 3741 شخصًا من طواقمها يتبعون 125 دولة مختلفة على مستوى العالم، وأمضى بعضهم فترة احتجاز استمرت ثلاث سنوات[2]، وقد جاء ذلك بسبب ضعف الدولة المركزية في الصومال وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة زيادة معدلات الفقر وانتشار البطالة، بما أدى إلى اتجاه البعض لتشكيل عصابات مُسلحة لاختطاف السفن التجارية قبالة السواحل الصومالية، وقد انخفض نشاط القرصنة البحرية بشكل ملحوظ بسبب العمليات العسكرية التي نفذها الاتحاد الأوروبي تحت مسمى “عملية أطلانطا” لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر، وتضافر الجهود الدولية لمواجهة هذه الظاهرة حتى إصدار مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2442 في عام 2018[3]، والذي قضى باستمرار جهود مكافحة القرصنة البحرية عبر تعزيز التعاون الدولي في هذا الشأن.
تجددت ظاهرة القرصنة البحرية في أواخر عام 2023 بالتزامن مع تنامي التوترات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وانتقال تداعياتها إلى منطقة القرن الأفريقي، حيث قامت عناصر مُسلحة من الصومال بتشكيل فرق للقرصنة البحرية وبمشاركة من الحوثيين في اليمن، وفق ما أفادت به بعض التقارير[4]، فخلال أربعة أشهر فقط تم اختطاف واحتجاز ست سفن تجارية، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل رئيسة، من أهمها: اتساع الرقعة البحرية وصعوبة الرقابة على السواحل المطلة على البحر الأحمر من قبل الدول المطلة عليه، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي التي تشهد اضطرابات سياسية وأمنية متسارعة ساهمت في إيجاد بيئة أمنية إقليمية مواتية لتنامي أنشطة القرصنة البحرية وخاصة في خليج عدن والبحر الأحمر، بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المتأزمة داخل دول منطقة القرن الأفريقي والتي تدفع بعض الأفراد إلى حمل السلاح وتشكيل عصابات تقوم بعمليات اختطاف واحتجاز السفن المارة عبر سواحل هذه الدول، في ظل انشغال حكومات تلك الدول بمواجهة الأزمات والتحديات الأمنية الداخلية، فعلى سبيل المثال، أدى انشغال الحكومة الصومالية بمحاولة القضاء على حركة الشباب الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة إلى وجود فراغ أمني سعت عصابات القرصنة البحرية إلى استغلاله.
وسائل المواجهة:
أدى تجدد نشاط القرصنة البحرية إلى زيادة التنسيق السياسي والأمني بين دول المنطقة، وذلك في إطار اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري التي تُتيح لهذه الدول تبادل المعلومات الاستخباراتية والقيام بالتنسيق الأمني والعسكري في محاولة للحد من ظاهرة القرصنة البحرية وحماية مصالحها الوطنية من المخاطر والتهديدات الأمنية المترتبة على تنامي أنشطة هذه الظاهرة في البحر الأحمر.
وفي هذا الإطار، كشفت الخبرات السابقة في التعامل مع ظاهرة القرصنة في منطقة البحر الأحمر، عن بعض الجهود الدولية المشتركة لمواجهة هذه الظاهرة، وذلك في محاولة للقضاء عليها أو على أقل تقدير الحد من أنشطتها، ففي يوليو 2026 طالبت المنظمة البحرية الدولية بضرورة تضافر الجهود المشتركة بين كافة الدول للتصدي لظاهرة القرصنة البحرية التي زادت أنشطتها بشكل ملحوظ وقد تعرضت ثلاث سفن للاختطاف في حوادث منفصلة بين شهري أبريل ومايو قبالة سواحل الصومال وفي خليج عدن[5].
وباستعراض أبرز الجهود الدولية لمواجهة هذه الظاهرة، فقد تم تشكيل القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي المعنية بمكافحة القرصنة، المعروفة باسم عملية “أطلانطا” في عام 2008، لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر، كما دعت مصر في ذلك الوقت لأهمية التعاون والتنسيق بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر لمواجهة ظاهرة القرصنة في خليج عدن وقبالة سواحل الصومال، حيث تم تأسيس قوة المهام المشتركة التابعة للولايات المتحدة “151” التابعة للقوات البحرية الأمريكية في عام 2009، وتتخذ من البحرين مقرًا لها[6]، وذلك بهدف مكافحة القرصنة وحماية التدفق الحر للتجارة في البحر الأحمر، بالإضافة إلى تمديد الاتحاد الأوروبي لعمليات أطلانطا في ديسمبر 2024، وذلك عقب اتساع نطاق عملها منذ عام 2022 ليشمل مكافحة تهريب المخدرات، ومراقبة السفن غير المسجلة، والمساهمة في تنفيذ حظر الأسلحة.
كما قامت الولايات المتحدة في ديسمبر 2023، بتشكيل التحالف البحري الدولي أو فيما يعرف باسم “عملية حارس الازدهار”[7]، وتمثل الهدف الرئيس لها في تأمين حركة الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، ولحماية حركة السفن التجارية وسفن الشحن عبر مضيق باب المندب، وذلك في مواجهة الهجمات المكثفة التي نفذها الحوثيون في تلك الفترة، باستهداف سفن الشحن والتجارة العالمية المارة عبر البحر الأحمر، وهو ما دفع التحالف لإطلاق عمليات دوريات مشتركة في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن في إطار عمل جماعي مشترك بين الدول الأعضاء في هذا التحالف.
تأثيرات مباشرة:
يعني تجدد ظاهرة القرصنة البحرية زيادة حدة المخاطر الأمنية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لا سيما في إطار ارتباط الممرات البحرية بمرور التجارة العالمية. فمع تنامي هذه الظاهرة، تزداد تدخلات القوى الدولية في منطقة القرن الأفريقي، عبر إرسال المزيد من التعزيزات العسكرية لمواجهة القراصنة وحماية المصالح الاستراتيجية لهذه القوى، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من مظاهر عسكرة البحر الأحمر، وقد يدفع التنظيمات والجماعات المسلحة التي تمارس أنشطة القرصنة نحو زيادة عملياتها العسكرية في محاولة لمواجهة عمليات القضاء عليها ومكافحتها، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الأمني داخل دول القرن الأفريقي والدول المطلة على البحر الأحمر، ومن ذلك تنامي أنشطة الحوثيين وتكثيف عمليات استهداف مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وذلك بالتزامن مع تنامي أنشطة التنظيمات الإرهابية داخل دول هذه المنطقة التي تعاني أوضاعًا سياسية واقتصادية صعبة، الأمر الذي يزيد من مؤشرات عدم الاستقرار السياسي والأمني في تلك الدول، وبالتالي زيادة تهديد حركة الملاحة والتجارة العالمية في البحر الأحمر.
ختامًا، فإن مواجهة ظاهرة القرصنة البحرية تتطلب قدرًا كبيرًا من التعاون والتنسيق الأمني المشترك بين الدول المطلة على البحر الأحمر، والتنسيق بين هذه الدول والقوى الإقليمية والدولية المنخرطة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع تبني مقاربات سياسية واقتصادية وأمنية داخل دول القرن الأفريقي تهدف بشكل رئيس إلى تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية تشمل تحقيق معدلات نمو اقتصادي ملموسة، تضمن إقامة مشروعات تنموية تُسهم في توفير فرص عمل للشباب، مع تدشين حملات إعلامية داخل هذه الدول للتوعية والتحذير من خطورة الانضمام للجماعات المسلحة التي تنشط في مجال القرصنة البحرية، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دول القرن الأفريقي لمساعدتها على حل أزماتها الداخلية، لا سيما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، ومن ثم حماية الممرات الملاحية الدولية وتأمين حركة السفن التجارية وسفن الشحن، وهو ما سيترتب عليه تحقيق الاستقرار الأمني في تلك الممرات بما يضمن حرية الملاحة، وضمان عدم اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، غير أن تحقيق ذلك سيظل مرهونًا باستقرار الأوضاع السياسية داخل دول منطقة القرن الأفريقي وأيضًا بالتوترات والخلافات المتصاعدة بين هذه الدول وبعضها البعض.
[1] “الإفراج عن البحارة المصريين المختطفين على متن سفينة في الصومال”، موقع وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، 30 سبتمبر 2026. متاح على https://www.mfa.gov.eg/ar/Ministers/Details/MissionsNews/7240
[2] طارق الحريري، “القرصنة في البحار بين الماضي والحاضر 2-2″، سكاي نيوز. 23 يوليو 2023. متاح على https://tinyurl.com/k25tk9cv
[3] Resolution 2442 (2018) / adopted by the Security Council at its 8391st meeting, 6 November 2018. Available at https://digitallibrary.un.org/record/1651311?ln=ar&v=pdf
[4] أحمد حافظ وعدنان عبدي علي، “من يقف وراء عودة القرصنة بالقرن الأفريقي؟ وما دور الحوثيين؟”، الجزيرة. 26 مايو 2026. متاح على https://tinyurl.com/4wypez5n
[5] “المنظمة البحرية الدولية تدعو للإفراج العاجل عن 44 بحارا يحتجزهم قراصنة في المياه الصومالية”، موقع الأمم المتحدة. 6 يوليو 2026، متاح على: https://news.un.org/ar/story/2026/07/1144983
[6] “قوة المهام المشتركة 151: ركيزة أساسية للأمن البحري”، CITADEL. 13 ديسمبر 2025، متاح على: https://tinyurl.com/4my2j8s5
[7] شارك في هذا التحالف عدد من الدول وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والبحرين وكندا وفرنسا وإيطاليا والنرويج وهولندا وإسبانيا وسيشل.

