لم تعد الطائرات المُسيرة في الشرق الأوسط مجرد أداة عسكرية أقل تكلفة من بعض المنظومات التقليدية، بل أصبحت جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها التكنولوجيا مع مجالات أخرى متعددة كأمن الطاقة والممرات الدولية، فالقوة العسكرية الراهنة في المنطقة لم تعد تُقاس فقط بحجم الترسانة، وإنما بقدرة الدولة على تمويل الصراع، وحماية الأمن القومي والطاقة، والتجارة إلى جانب امتصاص الصدمات، والحفاظ على الاستثمار والنمو وفرص العمل. وفي هذا السياق، تتجه دول المنطقة إلى توسيع قدراتها الدفاعية والصناعات المرتبطة بها، بينما تعطي دول أخرى أولوية أكبر لتنويع الاقتصاد وجذب رأس المال والتكنولوجيا وتحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر للنمو.
الطائرات المُسيرة واقتصادات القوة:
أسهم انتشار الطائرات المُسيرة في تغيير قواعد اقتصاد القوة العسكرية. فالمسيّرة تجمع بين انخفاض نسبي في تكلفة بعض المنصات، وإمكانية استخدامها في الاستطلاع والمراقبة والهجوم وحماية الحدود، فضلًا عن قدرتها على العمل ضمن شبكات أكثر اتساعًا وتعتمد على الاتصالات والبرمجيات وتحليل البيانات. وهو ما يفتح الباب أمام الدول ذات الموارد المحدودة نسبيًا لتطوير قدرات ردع لا تتطلب دائمًا امتلاك أساطيل جوية تقليدية باهظة التكلفة، لكن الأثر الاقتصادي للمسيرات يتجاوز سعر إنتاجها. فهي تدفع إلى نشوء سلسلة اقتصادية تشمل الإلكترونيات وأشباه الموصلات والبرمجيات والاتصالات والمحركات والمواد المركبة ومراكز الصيانة والتدريب والخدمات اللوجستية. ومن ثم يمكن للصناعة العسكرية المرتبطة بالمسيرات أن تتحول إلى قطاع تكنولوجي له تطبيقات مدنية، إذا جرى توجيه جزء من المعرفة المتراكمة إلى الزراعة الدقيقة، والمسح الجغرافي، ومراقبة البنية الأساسية، والخدمات اللوجستية والإنقاذ.
في المقابل، تفرض المسيرات تكلفة اقتصادية على الطرف الآخر. فالدولة التي تواجه هجمات متكررة تحتاج إلى منظومات رصد وتشويش ودفاع جوي واعتراض وحماية للمنشآت الحيوية، وقد تكون تكلفة التصدي أعلى من تكلفة الوسيلة الهجومية نفسها. لذلك، أصبحت المسيرات جزءًا من اقتصاد الاستنزاف، حيث لا يقاس النجاح بسعر المنصة فقط، وإنما بنسبة التكلفة التي يستطيع كل طرف تحملها مع مرور الوقت.
كما أن استخدام المسيرات في محيط الموانئ والمنشآت النفطية وخطوط النقل يمكن أن يرفع المخاطر على الاستثمار والتأمين، حتى من دون وقوع أضرار مادية واسعة. وهنا تتحول التكنولوجيا العسكرية إلى عامل اقتصادي مباشر: كلما ارتفع احتمال التعطيل، ارتفعت تكلفة الحماية والتأمين، وقد تتغير قرارات الشركات بشأن الإنتاج والنقل والاستثمار.
الإنفاق العسكري وقدرة الاقتصاد على تمويل الردع:
تُشير البيانات الدولية إلى أن الإنفاق العسكري العالمي قد بلغ 2.887 تريليون دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 2.9%، فيما وصل حجم الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط إلى نحو 218 مليار دولار. وبلغ متوسط العبء العسكري في المنطقة نحو 3.8% من الناتج المحلي، وهو من أعلى المستويات عالميًا.
وبالنظر إلى حجم الإنفاق العسكري لأبرز القوى الإقليمية، يتضح وجود فجوة في الموارد المخصصة للدفاع؛ إذ تتصدر السعودية بنحو 83.2 مليار دولار، تليها إسرائيل بنحو 48.3 مليارًا، ثم تركيا بنحو 30 مليارًا، بينما يقدر الإنفاق الإيراني بنحو 7.4 مليارات، لكن قراءة الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالإنفاق العسكري لا يساوي تلقائيًا القوة العسكرية، لأن الفاعلية تتأثر بنوعية السلاح، والقدرات الصناعية، والجاهزية، والخبرة، وكفاءة إدارة الموارد إضافة إلى التحديات الإقليمية التي تواجهها الدولة ، فالحالة الإيرانية تبدو أكثر تعقيدًا؛ حيث تراجع الإنفاق العسكري الحقيقي في وقت ظل التضخم مرتفعًا، بينما ارتفعت مُخصصات بعض المؤسسات المرتبطة بالصناعات الجوية والدفاعية وهذا يعني أن انخفاض الرقم الإجمالي لا يلغي استمرار توجيه موارد إلى قطاعات بعينها، كما أن بعض النفقات المرتبطة بالصواريخ والمسيرات قد لا تظهر كاملة في بند واحد من الموازنة. وبالنسبة إلى السعودية وإسرائيل وتركيا، يعكس الإنفاق الأعلى قاعدة مالية أوسع لتمويل الدفاع، لكنه لا يعني بالضرورة تشابه أهداف الإنفاق أو بنيته.
اقتصاد المقاومة والتنمية:
تحتاج الدول إلى اقتصاد المقاومة واقتصاد التنمية، لأنهما لا يمثلان نموذجين مغلقين أو متناقضين بالضرورة. فاقتصاد المقاومة يمكن فهمه باعتباره أسلوبًا لإدارة الموارد في ظل العقوبات والضغوط الخارجية، يركز على تقليل الاعتماد على الخارج، وتأمين الاحتياجات الأساسية، وتطوير القدرات المحلية، والحفاظ على القدرة والصمود. وتقدم إيران مثالًا بارزًا على هذا المسار، خصوصًا في ظل تطوير صناعات الصواريخ والمسيرات محليًا. أما اقتصاد التنمية فيركز على توسيع قاعدة الإنتاج، ورفع الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمار والتكنولوجيا، وتطوير التجارة والخدمات والسياحة واللوجستيات. وتظهر بعض دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، نموذجًا لهذا الاتجاه من خلال برامج التحول الاقتصادي.
والفارق الحقيقي لا يكمن في اختيار الأمن أو التنمية، بل في حجم الموارد التي يستهلكها كل مسار وفي قدرته على إنتاج عائد طويل الأجل، فالدولة التي تبحث عن التنمية تحتاج إلى حماية استثماراتها وموانئها وسلاسل إمدادها، والدولة التي تبني اقتصادًا أكثر قدرة على مقاومة العقوبات تحتاج في النهاية إلى قاعدة إنتاجية واسعة لتمويل هذا الصمود.
وتُشير البيانات إلى وجود فجوة في الموارد الدفاعية بين القوى الإقليمية، فيما تشير بيانات رؤية السعودية 2030 إلى وصول الناتج المحلي الحقيقي غير النفطي إلى نحو 892 مليار دولار، ومساهمة القطاع الخاص في الناتج إلى 51%. وتكشف المقارنة أن زيادة الإنفاق الدفاعي يمكن أن تتزامن مع تنويع اقتصادي، لكن استدامة هذا المسار تتوقف على قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو إنتاجي لا يعتمد فقط على الإنفاق الحكومي.
الممرات البحرية وتكلفة الجغرافيا:
تظل الممرات البحرية من أهم مفاتيح الاقتصاد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط. فالتجارة البحرية تنقل أكثر من 80% من حجم تجارة السلع العالمية، ولذلك فإن اضطراب ممر رئيس ينعكس على النقل والتأمين والطاقة وسلاسل الإمداد. وهو ما اتضح في اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يكتسب أهمية استثنائية؛ إذ تمر عبره، وفق البيانات الواردة في الدراسة، نسبة كبيرة من حركة الطاقة والتجارة البحرية. ولذلك فإن عدم استقراره لا يعني فقط احتمال ارتفاع أسعار النفط، بل قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وإطالة زمن الرحلات، وزيادة الضغوط التضخمية، وتأخير سلاسل الإمداد. وهذه هي التكلفة غير المرئية للصراع، أي وجود خسائر قد لا تظهر مباشرة في الموازنة الحكومية، لكنها تصل إلى المستهلك والشركة والمستثمر.
ولا يقل التأمين أهمية عن النفط في هذه المعادلة. فارتفاع المخاطر البحرية يرفع أقساط التأمين وتكاليف التمويل، بينما يؤدي تغيير المسارات إلى استهلاك وقود أكبر وتكاليف تشغيلية أعلى. لذلك أصبحت حماية الموانئ والممرات وسلاسل الإمداد جزءًا من البنية التحتية غير المرئية للتنمية، لا مجرد مهمة أمنية.
مسارات مستقبلية:
إن نجاح الدولة لا يُقاس فقط بعدد المسيرات أو حجم الإنفاق العسكري، وإنما بقدرتها على حماية الدخل الحقيقي، واستقرار الأسعار، وتوفير فرص العمل، وضمان توافر السلع والخدمات. وكلما ارتفعت تكلفة الصراع على الاقتصاد، أصبحت قدرة المجتمع على تحملها عاملًا مؤثرًا في حسابات الدولة.
وفي الحالة الإيرانية، يكتسب هذا العامل أهمية خاصة في ظل التضخم المرتفع والضغوط المالية. فاقتصاد المقاومة يستطيع تحقيق قدر من الصمود، لكنه يواجه سؤالًا أصعب: هل يستطيع تحويل الصمود إلى نمو مستدام وتحسن ملموس في مستوى المعيشة؟ وهنا يمكن أن يتحول الاقتصاد تدريجيًا من أداة لتمويل الصراع إلى عامل ضغط باتجاه التهدئة أو التفاوض، إذا أصبحت تكلفة استمرار المواجهة أعلى من العائد السياسي المتوقع منها.
وبالنظر إلى المرحلة المقبلة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات: الأول، وهو الأرجح، وينصرف إلى استمرار التنافس الأمني مع تجنب حرب إقليمية طويلة، بالتوازي مع الاستثمار في الدفاع والتكنولوجيا والطاقة واللوجستيات. الثاني، تصعيد إقليمي أوسع، وهو الأعلى تكلفة، بما يترتب عليه من ارتفاع التأمين والطاقة والنقل وتراجع الاستثمار والسياحة واضطراب سلاسل الإمداد. الثالث، وهو الأفضل اقتصاديًا، فيتمثل في تهدئة تدريجية واستعادة أمن الملاحة وفتح المجال أمام التجارة والطاقة والاستثمار والمشروعات العابرة للحدود.
والترجيح لا يعني أن المسار الأول مضمون؛ فاستمرار التوتر البحري أو توسع المواجهة يمكن أن يدفع المنطقة سريعًا نحو السيناريو الثاني. وفي المقابل، فإن أي تحسن مستدام في أمن الملاحة قد يفتح نافذة للسيناريو الثالث، خصوصًا للدول التي تمتلك بنية لوجستية قوية واقتصادًا أكثر تنوعًا.
ختاماً، يُعد التحول الأهم في الشرق الأوسط ليس انتشار المُسيرات وحده، بل تغير مفهوم القوة الاقتصادية والاستراتيجية، فالمُسيرات توفر قدرة ردع بتكلفة أقل نسبيًا، والممر البحري قد يمنح الدولة موقعًا استثنائيًا، والطاقة قد توفر موارد ضخمة؛ لكن ذلك لا يعني التحول تلقائيًا إلى قوة اقتصادية مستدامة. فالقوة الأكثر قابلية للاستمرار تظهر عندما تستطيع الدولة تقليل حجم المخاطر وتحويل الأمن إلى استقرار، والاستقرار إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج وفرص عمل. ومن هنا يصبح اقتصاد المقاومة واقتصاد التنمية جناحين في إدارة الموارد أكثر منهما نموذجين متعارضين. والتحدي أمام دول المنطقة هو الوصول إلى توازن لا يبتلع فيه الأمن موارد التنمية، ولا تجعل التنمية غير المحمية الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات.
لذلك، فإن السؤال المطروح لن يكون فقط: من يمتلك المسيرات الأكثر تطورًا؟ بل: من يستطيع بناء الاقتصاد الأكثر قدرة على تحمل الصدمات مع تقليل حجم المخاطر والعقوبات وحماية التجارة، وجذب الاستثمار، وتحويل الجغرافيا إلى قيمة مضافة وعلى ذلك فقد يعيد اقتصاد المسيرات رسم بعض معادلات الرد لكن قدرة الاقتصاد على إنتاج الاستقرار والفرص ستظل العامل الأهم في تحديد شكل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

