لم يعد التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على قدرته على محاكاة القدرات البشرية أو التفوق عليها، بل بات يُنظر إليه باعتباره مرتبطًا بتداعيات اقتصادية واستراتيجية بعيدة المدى ومعقدة، تتمثل في مدى قدرة العالم على الاستفادة من هذه التكنولوجيا دون التعرض لمخاطر تتجاوز قدرته على احتوائها، فبينما تراهن الحكومات والشركات على الذكاء الاصطناعي باعتباره مُحركًا لرفع الإنتاجية وخفض التكاليف وتعزيز التنافسية، تصاعدت التحذيرات في المقابل من تطوير نظم قادرة على التعلم المستمر وتحسين أدائها بصورة مستقلة، بما قد يجعل سلوكها معقدًا في التنبؤ والرقابة، وفي هذا السياق، حذر باحثون حاليون وسابقون في شركتي “OpenAI” و”Google DeepMind” من عدم كفاية إجراءات السلامة التي تتخذها الشركات لمواجهة المخاطر المحتملة لهذه النظم، وهو ما يعيد طرح تساؤلات جوهرية بشأن مدى استعداد العالم للتعامل مع تطورات تكنولوجية قد تتجاوز الأطر التنظيمية والقدرات البشرية المتاحة حاليًا.
لم تعد مخاطر الذكاء الاصطناعي تقتصر على الاقتصاديات المحلية، بل امتدت عالميًا لتشمل اضطراب أسواق العمل، وتركز الثروة والتكنولوجيا، وارتفاع تكاليف الأمن السيبراني، واتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول، بما يفرض تحديًا يتمثل في الموازنة بين تعزيز الابتكار والحد من مخاطره الاقتصادية.
إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي:
تصاعدت الدعوات إلى إبطاء تطوير هذه التكنولوجيا أو تعليق بعض أنظمتها مؤقتًا منذ عام 2023، وإن بدت هذه المطالب في ذلك الوقت سابقة لأوانها في ضوء محدودية قدرات النماذج المتاحة مقارنة بما وصلت إليه لاحقًا، حيث لم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي في ذلك الوقت قوية بما يكفي للتأثير عالميًا، ولم تكن قادرة على الخداع أو التلاعب أو شن هجمات الكترونية مؤثرة، وبالتالي بدا إبطاء وتيرة عملها إجراءً قد يحد من الابتكار والتقدم التكنولوجي دون وجود مبررات كافية لتبنيه.
بينما شهد عام 2026 تسارع وتيرة تطور نظم الذكاء الاصطناعي بصورة لافتة، مدفوعًا في المقام الأول بالقدرة المتنامية على بناء الجيل القادم منها، مما يُعرف بديناميكية التحسن الذاتي المتكرر، وتتجلى أبرز المخاوف في واقعة “OpenAI-Hugging Face”، التي شهدت تعاون مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي “AI Agents”، وهي نظم قادرة على تنفيذ سلسلة من الخطوات بصورة مستقلة لتحقيق أهداف محددة، كفريق واحد، وشنوا هجمات إلكترونية على أهداف لم يُطلب منهم مهاجمتها، ولا علاقة لهم بالمهمة التي تم تكليفهم بها، مُضحين بأنفسهم من أجل نجاح المجموعة ومحاولين اختراق نظام التقييم المسئول عن أدائهم، وعلى الرغم من سهولة تجاهل هذه الحادثة لعدم وقوع خسائر اقتصادية كبيرة، فإنه لا يمكن التغافل عنها، لأنه من الممكن في غضون 6-12 شهرًا، بسبب الوتيرة المتسارعة للذكاء الاصطناعي، أن تتسبب مجموعة أخرى من وكلاء الذكاء الاصطناعي التي تمتلك قدرات أكبر بكثير من السيطرة على الانترنت بأكمله عبر شبكة بوتات مستمرة (شبكة من الحسابات الآلية المتصلة)، مما قد يتسبب في أضرار بمئات المليارات من الدولارات عالميًا، وخسائر جسيمة على مختلف النواحي والقطاعات.
انقسام داخلي:
في ظل تصاعد المخاوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي، تحول البيت الأبيض إلى ساحة لنقاشات حادة بين الإدارة الأمريكية وقادة كبرى شركات التكنولوجيا، حول مستقبل هذه الصناعة وحدود تنظيمها، وتوصلت مبدئيًا إلى إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مؤخرًا عن اتفاق ملزم لقادة التكنولوجيا بشأن ضمانات الذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الولايات المتحدة لوضع إطار تنظيمي يواكب التطور المتسارع لهذه التكنولوجيا، وسط انقسام داخل القطاع ذاته بشأن حدود التدخل الحكومي، انطلاقًا من أن تشديد القيود قد يحد من قدرة الشركات الأمريكية على الابتكار والمنافسة عالميًا، لا سيما في مواجهة الصين، وهو ما يعزز التوجه نحو إتاحة مساحة أكبر للشركات لمواصلة التطوير والحفاظ على التفوق الأمريكي في هذا المجال.
وفي المقابل، تتباين المواقف بشأن كيفية تحقيق التوازن بين تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي وضمان سلامة أنظمته؛ إذ يدعو بعض قادة القطاع، ومن بينهم “داريو أمودي”، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك” (شركة أمريكية رائدة ومتخصصة في أبحاث وسلامة الذكاء الاصطناعي) إلى إبطاء وتيرة التطوير في ظل اتساع المخاوف المتعلقة بسلامة هذه التكنولوجيا، ويمتد الانقسام إلى طبيعة الجهة المسئولة عن ضمان السلامة، بين من يفضل ترك الأمر للشركات نفسها ومن يدعو إلى وضع قواعد حكومية مُلزمة، وقد امتد هذا الانقسام إلى داخل الكونجرس، بشقيه الديمقراطي والجمهوري، في ظل تصاعد المطالب بمزيد من الشفافية والرقابة، والمخاوف بشأن انعكاسات الذكاء الاصطناعي على الوظائف والمستهلكين. ومن غير المتوقع أن يظهر توافق تشريعي بشأن نمط الرقابة الفيدرالية على الذكاء الاصطناعي، خلال الفترة القليلة المقبلة، بما يجعل هذا الانقسام والجدل مفتوحًا ومستمرًا.
وعلى جانب آخر، هاجمت صحف صينية مقترح إبطاء وتيرة التطور في الذكاء الاصطناعي، باعتباره نهجًا من أساليب الحرب الباردة يستهدف الصين، بينما طالبت شركات تكنولوجية أخرى بأهمية فرض اختبارات وضوابط أكثر صرامة على النظم المتقدمة، في حين ترى أطراف أخرى أن مواصلة الاستثمار والتطوير السريع أمر ضروري للحفاظ على التنافسية الأمريكية أمام الصين.
إشكالية عالمية:
تُعد قضية حقوق الملكية الفكرية بالذكاء الاصطناعي من أبرز الملفات المثارة حاليًا بالولايات المتحدة، لاسيما فيما يتعلق بمن يملك البيانات التي تُستخدم لتدريب النماذج، حيث تقوم شركات الذكاء الاصطناعي بجمع كمية هائلة من المقالات، والكتب، والبيانات المتوفرة عبر الانترنت، والأعمال الإبداعية، مما أثار جدلًا متصاعدًا حول مدى أحقيتها في استخدام هذه المواد دون الحصول على تراخيص مسبقة أو تقديم تعويضات مناسبة لأصحاب هذه الحقوق.
ومن هذا المنطلق، تزايدت الضغوط التنظيمية والقانونية لإلزام شركات الذكاء الاصطناعي بمزيد من الشفافية بشأن مصادر بيانات التدريب، حيث أقامت شركة “USA Today Co” المالكة للعديد من الصحف دعوى قضائية في أكتوبر 2026 ضد شركة “OpenAI”، بتهمة انتهاك حقوق النشر المتعلقة بتدريب الذكاء الاصطناعي من خلال استخدام محتواها لتدريب نماذجها اللغوية الضخمة ونسخ مئات الألاف من مقالات هذه الصحف ومواد أخرى، واستخدامها دون إذن لتدريب نموذج “ChatGPT”، وقد طالبت الصحيفة بتعويضات تتجاوز 250 مليون دولار، وصدور أمر قضائي يمنع انتهاكات بياناتها[1].
أما في الاتحاد الأوروبي، فلم يُحسم الجدل بشأن حقوق ملكية البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إلا أن الاتحاد فرض قواعدًا للشفافية والامتثال تُلزم الشركات بتوضيح سياساتها المتعلقة بحقوق النشر، بما يُؤكد على أن إتاحة المحتوى عبر الإنترنت لا تعني بالضرورة جواز استخدامه في تدريب النماذج دون قيود أو مراعاة حقوق الملكية[2].
وقد كشفت حرب غزة عن وجه بالغ الخطورة لهذه التكنولوجيا، مع توظيفها من قبل إسرائيل في تحديد وكشف الأهداف وتسريع العمليات العسكرية، بما أثار تساؤلات جوهرية حول دقة القرارات الآلية، وحدود الرقابة البشرية والمسئولية عن سقوط الضحايا، وقد كشفت تقارير سابقة على حرب غزة عن تطوير الجيش الإسرائيلي مجموعة من نظم الذكاء الاصطناعي واستخدامها في عملياته العسكرية، بما شمل تصنيف الأشخاص وفقًا لاحتمالية ارتباطهم بفصائل مسلحة، وتحديد المباني المرشحة للاستهداف، وتتبع مواقع الأشخاص المستهدفين.
تمثلت المشكلة الجوهرية في أن النظم المذكورة أنتجت تصنيفات غير صحيحة بسبب الاعتماد على بيانات واستنتاجات غير دقيقة، مما دفع “منظمة مراقبة حقوق الإنسان” إلى التحذير بشأن عمليات الاستهداف والاعتماد المفرط على نتائج النظم الآلية بما قد يحد من القدرة على التحقق من صحة الأهداف وتقييم الأضرار المحتملة على المدنيين[3]، مما يؤكد أن امتلاك أدوات متقدمة من الذكاء الاصطناعي لا يعني حتمًا دقة القرارات العسكرية.
وختامًا، فإن الجدل المستمر حول الذكاء الاصطناعي بدأ يتجاوز حدود الجوانب التقنية ليمس عصب الاقتصاد العالمي، فمواصلة مسار التطوير غير المحدود وغير المنضبط دون الالتفات إلى تكاليفه الاقتصادية والأمنية المتصاعدة قد يترتب عليه تداعيات خطرة، لا سيما مع احتمالات ظهور نظم ووكلاء ذكاء اصطناعي لديهم القدرة على شن هجمات سيبرانية واسعة النطاق بصورة مستقلة، والتطور بوتيرة تتجاوز قدرة البشر على مراقبتها واحتوائها، بما قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية جسيمة وتعطيل البنية التحتية الرقمية والخدمات الحيوية عالميًا.
كما قد يفاقم ذلك من الضغوط الناتجة عن تزايد النزاعات القانونية والتعويضات المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية، ويعزز من تركز الثروة والقدرات التكنولوجية لدى عدد محدود من الشركات، بما قد يوسع الفجوة الاقتصادية والتكنولوجية بين الدول، فضلًا عن احتمالات فقدان وظائف وتراجع دخول بعض الفئات بفعل التوسع في الأتمتة. ومن ثم، فإن إعادة تنظيم مسار التطور التكنولوجي، بما يحقق التوازن بين الابتكار والعائد الاقتصادي من جهة، والحد من التكاليف والمخاطر المحتملة من جهة أخرى، أصبح ضرورة مُلحة.
[1] Blake Brittain, “USA Today sues OpenAI for copyright infringement over AI training “, Reuters. 8 October 2026. Available at: https://tinyurl.com/3d3cwdkt
[2] “Guidelines on obligations for General-Purpose AI providers”, European Commission. Available at: https://tinyurl.com/5u3nxyby
[3]” Yuval Abraham,”‘Lavender’: The AI machine directing Israel’s bombing spree in Gaza “, +972 Magazine. 3 April 2024. Available at: https://www.972mag.com/lavender-ai-israeli-army-gaza/

