لم تعد التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة العربية مجرد أحداث متعاقبة يُمكن قراءتها في إطار الصراعات الإقليمية أو التنافس بين القوى الدولية، بل أصبحت عاملًا بنيويًا يعيد تشكيل اتجاهات الرأي العام العربي، ويؤثر في منظومة القيم والتصورات والولاءات، وفي طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المجتمعات العربية ومحيطها الإقليمي والدولي. فمن تداعيات الحرب على غزة، مرورًا بالحرب الإسرائيلية الإيرانية واتساع نطاق المواجهة الإقليمية، وصولًا إلى الأزمات الممتدة في السودان ولبنان وسوريا، تتشكل بيئة سياسية وإعلامية شديدة التعقيد، تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي مع الأوضاع الاقتصادية، وتتراجع فيها الحدود التقليدية بين المحلي والإقليمي والدولي.
الجغرافيا السياسية وإعادة تشكيل أولويات الرأي العام العربي:
تكشف المؤشرات الكمية أن المواطن العربي لم يعد ينظر إلى الأزمات الجيوسياسية باعتبارها قضايا خارجية منفصلة عن حياته اليومية، وإنما أصبح يربط بينها وبين أمنه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فوفقًا لمؤشر الرأي العام العربي لعام 2025، الذي شمل 40,130 مستجيبًا في 15 دولة عربية، بهامش خطأ يتراوح بين 2 – 3%، احتلت القضايا الاقتصادية المرتبة الأولى في سلم أولويات المواطنين، حيث أشار 60% إلى أن التحديات الاقتصادية، وفي مقدمتها البطالة وارتفاع الأسعار والفقر وتراجع الأوضاع المعيشية، تمثل أهم التحديات التي تواجه بلدانهم، مقابل 22% أعطوا الأولوية لقضايا الأمن والاستقرار السياسي.
وتكشف هذه النتيجة عن مفارقة مهمة: فبينما تتصدر الأزمات الجيوسياسية المشهد الإعلامي، تظل الأولويات المعيشية محددًا رئيسيًا لتقييم المواطن لأداء الدولة والسياسات العامة، وهنا تظهر أهمية فهم الرأي العام باعتباره نتاجًا لتفاعل مستمر بين البيئة الجيوسياسية والتجربة اليومية للمواطن، وليس مجرد انعكاس مباشر للأحداث السياسية.
فيما تظل القضية الفلسطينية أحد أبرز المحددات المؤسسة للوعي السياسي العربي، وهو ما تؤكده نتائج مؤشر الرأي العام العربي 2025، فقد أظهرت النتائج أن 80% من المواطنين العرب يعتبرون القضية الفلسطينية قضية عربية جماعية، وليس مجرد قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بينما عارض 87% الاعتراف بإسرائيل، ولم تتجاوز نسبة المؤيدين لذلك 0.6%، كما أشار 87% من المستجيبين إلى تعرضهم لضغوط نفسية نتيجة الحرب على غزة ولبنان، في حين أفاد 70% بأنهم يتابعون أخبار الحرب على غزة. والأكثر دلالة أن 76% قيّموا السياسة الأمريكية تجاه فلسطين تقييمًا سلبيًا، مقابل 11% فقط رأوا أنها إيجابية، كما اعتبر نحو ثلاثة أرباع المستجيبين أن السياسات الأمريكية تمثل تهديدًا للاستقرار الإقليمي.
إن هذه المؤشرات لا تعكس فقط موقفًا سياسيًا من الحرب، بل تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بصورة النظام الدولي ومصداقية القوى الكبرى، ومدى اتساق مواقفها مع المبادئ التي تعلن الدفاع عنها، وعلى رأسها حقوق الإنسان والقانون الدولي وحماية المدنيين. ومن ثم، فإن الإعلام العربي بات أمام تحول مهم: لم يعد دوره مقتصرًا على نقل الأحداث، بل أصبح مطالبًا بتفسير التناقضات الدولية، وتحليل تحولات موازين القوى، ومساءلة الخطابات السياسية والإعلامية التي تؤثر في إدراك الجمهور للعدالة والشرعية الدولية.
التحولات الإقليمية وصعود البراجماتية في إدراك المواطن العربي:
تقدم نتائج استطلاع مؤسسة كونراد أديناور، المنشورة في أغسطس 2026، مؤشرات مهمة لفهم اتجاهات الرأي العام في ظل الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فقد شمل الاستطلاع 8,475 مستجيبًا في سبعة مجتمعات عربية، هي: مصر وتونس والمغرب والأردن ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية، خلال الفترة من مايو – يوليو 2026.
وتكشف النتائج عن ثلاثة اتجاهات لافتة: أولها، أن إسرائيل تُعد التهديد الأمني الأكبر للمنطقة في ستة من المجتمعات السبعة التي شملها الاستطلاع، باستثناء المغرب. ثانيها، أن المواقف من القوى الدولية والإقليمية أصبحت أكثر تعقيدًا وبراجماتية؛ فالصورة الإيجابية للصين بلغت 86% في الأردن و81% في تونس، بينما تباينت المواقف من الولايات المتحدة بصورة واضحة بين الدول، حيث بلغت 64% في المغرب و60% في سوريا و51% في الأردن، مقابل مستويات تقل عن 50% في بقية المجتمعات المشمولة بالاستطلاع. ثالثها، أن المواقف من إيران لا يمكن اختزالها في اتجاه واحد؛ إذ تتسم بقدر من التحفظ والقلق، مع وجود رفض واضح للهجمات الإيرانية على الدول العربية، رغم وجود تأييد متفاوت للهجمات على إسرائيل.
وتشير هذه النتائج إلى أن الرأي العام العربي لا يتحرك وفق منطق الاصطفاف المطلق، وإنما وفق حسابات مركبة تجمع بين الأمن والمصلحة الوطنية والاعتبارات السياسية والأخلاقية، كما تكشف النتائج عن تراجع مقلق في تأييد الحل القائم على دولتين لدى الأجيال الشابة؛ ففي الأراضي الفلسطينية، لم تتجاوز نسبة تأييد هذا الحل 34% لدى من هم دون الثلاثين، مقابل 62% لدى من تجاوزوا هذه السن. وهذه إشارة بالغة الأهمية إلى أن استمرار الصراعات دون أفق سياسي عادل قد يؤدي إلى إعادة تشكيل تصورات الأجيال الجديدة بشأن التسوية والسلام ومستقبل المنطقة.
التحول الرقمي وإعادة تشكيل المجال العام العربي:
لا يمكن قراءة التحولات السابقة بمعزل عن التغيرات التي شهدتها البيئة الإعلامية، خصوصًا مع تصاعد دور المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج المعلومات وتداولها وتشكيل المواقف السياسية. فوفقًا لتحليل بيانات مؤشر الرأي العام العربي 2024/2025، ارتفعت نسبة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار والمعلومات السياسية من 75% عام 2022 إلى 82% عام 2025، كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الثاني للأخبار العامة لدى مستخدمي الإنترنت بنسبة 35.1%، بعد القنوات التلفزيونية الإخبارية التي بلغت نسبتها 46%.
وتعكس هذه الأرقام انتقالًا تدريجيًا من نموذج الاتصال الجماهيري التقليدي، الذي كان يعتمد على المؤسسات الإعلامية بوصفها المصدر الرئيسي للمعلومة، إلى “نموذج اتصالي متعدد المصادر”، تتداخل فيه الصحافة المهنية مع المحتوى الرقمي والمواطن الصحفي والمؤثرين والمنصات العابرة للحدود.
لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى الوعي السياسي؛ إذ قد تتسع دائرة الوصول إلى المعلومات بالتوازي مع انتشار التضليل والأخبار المفبركة والاستقطاب العاطفي. ومن هنا، تبرز معضلة الإعلام العربي المعاصر: كيف يمكن الجمع بين سرعة الاستجابة للأحداث، ودقة المعلومات، والتحقق من المصادر، والحفاظ على ثقة الجمهور؟
مستقبل الإعلام العربي بعد الأزمات:
إن القراءة المتكاملة للمؤشرات السابقة تقودنا إلى استخلاص خمس نتائج رئيسة، هي:
1- الانتقال من إعلام نقل الحدث إلى إعلام تفسير الحدث، فالجمهور لم يعد بحاجة إلى معرفة ما وقع فقط، وإنما يريد فهم أسبابه وسياقاته وتداعياته على أمنه ومستقبله.
2- استعادة الثقة بوصفها رأس المال الاستراتيجي للإعلام، فلا يمكن بناء إعلام مؤثر دون استقلال مهني نسبي، وشفافية في عرض المعلومات، والتمييز الواضح بين الخبر والرأي والتحليل.
3- إعادة بناء العلاقة مع الأجيال الشابة، حيث تكشف المؤشرات عن اختلافات جيلية في المواقف من القضايا السياسية والتسويات الإقليمية؛ وهو ما يستوجب تطوير خطاب إعلامي قادر على مخاطبة الشباب بلغتهم واهتماماتهم دون التضحية بالمعايير المهنية.
4- تطوير صحافة البيانات واستطلاعات الرأي، حيث ينبغي أن يصبح قياس اتجاهات الجمهور جزءًا أصيلًا من التخطيط الإعلامي، عبر استطلاعات دورية ومراكز بحثية مستقلة وقواعد بيانات تتيح المقارنة بين الدول والفئات العمرية والاجتماعية.
5- تعزيز الأمن المعلوماتي والمناعة المجتمعية: من خلال مواجهة التضليل الرقمي، وتطوير التربية الإعلامية، ونشر مهارات التحقق والتفكير النقدي، وبناء شراكات بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومراكز البحث.
ختامًا، فإن أهم ما تكشفه المؤشرات الكمية أن الرأي العام العربي يتأثر بالأزمات الجيوسياسية، كما أصبح أكثر حساسية تجاه التناقضات الدولية، وأكثر ارتباطًا بالاعتبارات الاقتصادية والأمنية، وأكثر انفتاحًا على مصادر المعلومات البديلة، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديات متزايدة تتعلق بالثقة والتضليل والاستقطاب.ومن هنا، فإن مستقبل الإعلام العربي بعد الأزمات لا ينبغي أن يُقاس فقط بقدرته على امتلاك التكنولوجيا أو زيادة الانتشار الرقمي، بل بقدرته على استعادة ثقة المواطن، وفهم اتجاهاته، وتمثيل انشغالاته، وتقديم معرفة موثوقة تساعده على إدراك ما يجري حوله.
إن المعركة الحقيقية للإعلام العربي في المرحلة المقبلة ليست معركة السيطرة على تدفق المعلومات، وإنما معركة بناء المعنى واستعادة الثقة، ففي عالم تتغير فيه خرائط النفوذ والتحالفات بوتيرة متسارعة، يصبح امتلاك إعلام عربي مهني وموثوق وقادر على قراءة الرأي العام وتحليل تحولاته شرطًا أساسيًا لحماية الوعي المجتمعي، وتعزيز القدرة العربية على فهم المستقبل والمشاركة في صناعته.

