شارك وزير الموارد المائية والري الدكتور “هاني سويلم” في الجلسة الوزارية المنعقدة ضمن فعاليات المنتدى العربي السابع للمياه في 29 يونيو 2026، وقد أشار إلى أهمية التكيف مع التغيرات المناخية، خاصةً مع تأثيرها على الموارد المائية.
ويُشكل تغير المناخ واحدًا من أكبر التحديات البيئية التي تواجه العالم في القرن الحادي والعشرين، إذ أثبتت الدراسات العلمية ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية بمعدلات غير مسبوقة، وما ترتب على ذلك من تغيرات ملحوظة في أنماط الطقس والظواهر الجوية المتطرفة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مختلف القطاعات الحيوية. ولا تُعد مصر استثناءً من هذه التأثيرات، إذ تتميز بتنوع بيئي وجغرافي كبير يجعلها من الدول الأكثر تأثرًا بتداعيات التغيرات المناخية، خاصةً في المناطق الساحلية ودلتا نهر النيل.
وفي إطار مواجهة هذه التحديات، تبنت الدولة المصرية، عددًا من السياسات والإجراءات للتكيف مع آثار التغير المناخي والحد من تداعياته، من أبرزها إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، التي تستهدف تعزيز قدرة مختلف القطاعات على التكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة وتحقيق التنمية المستدامة.
ارتدادات مُحتملة:
نشرت مجلة Nature العلمية في أواخر عام 2023 قائمة بالدول العشرين التي تضم أكبر عدد من المناطق والمدن المعرضة لخطر الفيضانات المحتملة نتيجة التغير المناخي استنادًا إلى دراسة أُجريت بإشراف البنك الدولي، وقد جاءت مصر في المرتبة التاسعة ضمن هذه القائمة. كما حذر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق “بوريس جونسون”، خلال قمة جلاسكو للمناخ، من تعرض عدد من المدن الساحلية الكبرى لخطر الغرق نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر الناجم عن ذوبان الجليد وارتفاع درجات حرارة الأرض، وكانت مدينة الإسكندرية من بين المدن التي أشار إليها.
وقد نفذت الدولة المصرية عددًا من المشروعات الهادفة إلى تعزيز التكيف مع التغيرات المناخية، من أبرزها مشروع “تعزيز التكيف مع التغيرات المناخية بالساحل الشمالي ودلتا نهر النيل”، الذي يُعد أحد أكبر مشروعات التكيف مع تغير المناخ على مستوى المنطقة، ويستهدف حماية المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر من خلال تنفيذ أعمال الحماية الساحلية والإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية.
تداعيات لافتة:
ظهرت تداعيات التغير المناخي في مصر في صور متعددة، تراوحت بين ارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط سقوط الأمطار، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة. فعلى الرغم من أن مساهمة مصر في الانبعاثات العالمية لا تتجاوز نحو 0.6%، من إجمالي الانبعاثات، فإنها تعد من الدول الأكثر تأثرًا بتداعيات تغير المناخ، خاصة في المناطق الساحلية والدلتا، فضلًا عن اعتمادها شبه الكامل على نهر النيل كمصدر رئيس للمياه.
وقد بدأت هذه التداعيات تظهر بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، وكان من أبرزها الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، إلى جانب الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة التي شهدتها مناطق لم تكن معتادة على مثل هذه الظواهر. كما تتمثل التداعيات في ارتفاع منسوب مياه البحار، وما يترتب عليه من مخاطر تهدد المدن الساحلية والأراضي الزراعية، فضلًا عن تأثيراته على القطاع الزراعي والأمن الغذائي. وتمتد هذه التأثيرات كذلك إلى القطاع الصحي، حيث يسهم تغير المناخ في زيادة احتمالات انتشار بعض الأمراض المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وتغير البيئات الحاضنة للحشرات والآفات.
أبرز القطاعات المتأثرة:
يُعد القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تأثرًا بالتغيرات المناخية، نظرًا لارتباط الإنتاج الزراعي ارتباطًا وثيقًا بالعوامل المناخية. فارتفاع درجات الحرارة، واختلال مواعيد سقوط الأمطار، وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، جميعها تؤثر بصورة مباشرة في إنتاجية العديد من المحاصيل الزراعية وجودتها، كما تؤثر في اختيار نوعية المحاصيل ومواعيد الزراعة وأساليب إدارتها، وهو ما ينعكس على الإنتاج والأسعار والأمن الغذائي. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال مواسم الصيف والشتاء في الأعوام الأخيرة، ويُعد شتاء عام 2018 مثالًا بارزًا، إذ اتسم بقصر مدته وارتفاع درجات الحرارة بصورة غير معتادة، الأمر الذي انعكس على إنتاجية عدد من المحاصيل.
ويشكل المناخ أحد أهم عناصر الجذب السياحي في مصر، حيث يسهم في تميز المقاصد السياحية على مدار العام. إلا أن التغيرات المناخية، خاصة الارتفاع أو الانخفاض المفاجئ في درجات الحرارة، وما يُعرف بـ”الصدمة الحرارية”، تؤثر بصورة مباشرة في الحركة السياحية، كما تؤثر في النظم البيئية التي تعتمد عليها العديد من المقاصد السياحية. وتُعد المناطق الساحلية المطلة على البحر المتوسط، الممتدة من الإسكندرية إلى بورسعيد، إضافة إلى المناطق المنخفضة في شمال الدلتا، من أكثر المناطق عرضة لمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر. وتشير تقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى احتمالات استمرار ارتفاع مستوى سطح البحر خلال العقود المقبلة، وهو ما قد يفرض تحديات إضافية أمام القطاع السياحي والبنية التحتية الساحلية.
كما شهدت السنوات الأخيرة تأثيرات واضحة للتغيرات المناخية على الموارد المائية، حيث أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر من الموارد المائية السطحية. وتشير بعض الدراسات إلى احتمالات تراجع تدفقات المياه في بعض السيناريوهات المناخية المستقبلية، وهو ما قد يزيد من الضغوط على الموارد المائية. وفي الوقت ذاته، أثرت التغيرات المناخية على أنماط هطول الأمطار، لتصبح أكثر تذبذبًا، مع تكرار موجات الجفاف والفيضانات بصورة أكبر، الأمر الذي فرض تحديات متزايدة، كان أبرزها تنامي الضغوط على الأمن المائي.
آليات المجابهة:
اتخذت الحكومة المصرية عددًا من الإجراءات للتعامل مع تداعيات التغيرات المناخية، حيث أولت القضية اهتمامًا متزايدًا، من خلال دراسة آثارها ووضع سياسات وطنية للتكيف معها والحد من آثارها. فعلى المستوى الكلي، أطلقت الدولة الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، التي تستهدف تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والتنمية منخفضة الانبعاثات، إلى جانب تنفيذ 26 مشروعًا ذا أولوية حتى عام 2030 في قطاعات التكيف والتخفيف. وقد طورت وزارة البيئة الخطة الوطنية للاستثمار المناخي، التي أُعلن عنها خلال مؤتمر المناخ “COP 27″، بهدف جذب التمويل المناخي، خاصة في قطاعات المياه والزراعة، إلى جانب تنفيذ المبادرات التي أُطلقت خلال المؤتمر.
كما تنفذ مصر، بالتعاون مع البنك الدولي، مشروع تحسين جودة الهواء ومكافحة تغير المناخ بالقاهرة الكبرى، الذي يستهدف الحد من تلوث الهواء وتحسين جودة البيئة، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية مصر 2030. ويتزامن ذلك مع جهود الدولة المصرية لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، من أبرزها تنفيذ المبادرة الرئاسية “اتحضر للأخضر”، ومبادرة 100 مليون شجرة، لزيادة الرقعة الخضراء وتحسين جودة الهواء. كما اتخذت الدولة إجراءات للحد من التعديات على الأراضي الزراعية، والتوسع في تطبيق نظم الري الحديث، وتنفيذ مشروعات قومية، مثل مشروع الدلتا الجديدة، إلى جانب التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، بما يعكس توجه الدولة نحو تعزيز التكيف مع تغير المناخ وخفض الانبعاثات.
وفي إطار تعزيز قدرات قطاع الزراعة على مواجهة التغيرات المناخية، اتجهت الدولة نحو التوسع في تبني أساليب الزراعة الذكية مناخيًا، والتوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة، واستنباط أصناف زراعية أكثر تحملًا للحرارة والجفاف، بما يضمن تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، وتشجيع زراعة المحاصيل منخفضة الانبعاثات الكربونية، بما يتماشى مع توجهات الأسواق العالمية نحو المنتجات الصديقة للبيئة.
كما تنفذ الدولة عددًا من الإجراءات الاستباقية لتعزيز قطاع السياحة، في إطار الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، ومن أبرزها التوسع في تطبيق معايير السياحة المستدامة، وتحويل الفنادق والمنشآت السياحية إلى مبانٍ خضراء تعتمد على الطاقة المتجددة، كما هو مطبق في مدينة شرم الشيخ، إلى جانب تعزيز كفاءة استخدام الطاقة والمياه داخل المنشآت السياحية. ووضعت الدولة عددًا من الاستراتيجيات لضمان الإدارة المستدامة للموارد المائية، من بينها إطلاق وزارة الموارد المائية والري استراتيجية الجيل الثاني لمنظومة الري، والتوسع في نظم الري الحديث، وإعادة استخدام المياه، وتحلية مياه البحر، بما يعزز قدرة قطاع المياه على التكيف مع التغيرات المناخية.
وحرصت وزارة البيئة على نشر الوعي بالاستراتيجية الوطنية من خلال تنظيم جلسات للحوار المجتمعي، بمشاركة مختلف فئات المجتمع، بهدف تعزيز الوعي بقضايا المناخ وتشجيع المشاركة المجتمعية في تنفيذ السياسات البيئية.
ختامًا، يمكن القول إن التغيرات المناخية تُعد من أبرز القضايا العالمية الملحة في الوقت الراهن، الأمر الذي جعلها تتصدر أجندات النقاش في المحافل المحلية والإقليمية والدولية، وتواصل مصر تعزيز جهودها للتكيف مع الآثار المناخية والحد من تداعياتها، من خلال تنفيذ استراتيجيات ومشروعات وطنية تستهدف حماية الموارد الطبيعية، وتعزيز قدرة القطاعات المختلفة على مواجهة المخاطر المناخية، بما يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة ويضمن مستقبلًا أكثر قدرة على الصمود في مواجهة التحديات البيئية.

