تُعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر الأقاليم الجيوسياسية تعقيدًا وحساسية على مستوى العالم، ليس فقط لاعتبارات تاريخية أو سياسية تقليدية، وإنما لكونها تمثل عقدة مركزية في منظومة الأمن العالمي، نظرًا لما تحتضنه من مضائق وممرات بحرية استراتيجية، تشكل شرايين حيوية للتجارة الدولية وتدفقات الطاقة. وفي هذا السياق، تبرز أربعة ممرات رئيسة، هي: مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، وجبل طارق، بوصفها منظومة مترابطة تتجاوز حدودها الجغرافية لتشكل بنية متكاملة للأمن القومي العربي، بحيث لا يمكن النظر إلى أي منها بمعزل عن الآخر، إذ إن أي خلل في أحد هذه الممرات ينعكس بالضرورة على مجمل التوازنات الإقليمية والدولية الحالية أو المتوقع تشكيلها في الفترة المقبلة.
في إطار هذا التصور، يمكن النظر إلى “مضيق هرمز” بوصفه يمثل الجناح الأيمن لمنظومة الأمن القومي العربي، نظرًا لدوره المحوري في تأمين تدفقات النفط والغاز من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، بينما تمثل قناة السويس الأهمية الأكبر لهذه المنظومة، بما تؤديه من دور استراتيجي في ربط الشرق بالغرب وتسهيل حركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط. وعلى الجانب الآخر، يبرز مضيق جبل طارق باعتباره الجناح الأيسر الذي يربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلنطي، في حين يُشكل البحر الأحمر الإطار الحيوي كالجسد الذي تتكامل عبره هذه الممرات، بينما يمثل مضيق باب المندب الركيزة التي تستند إليها هذه البنية بأكملها، نظرًا لدوره الحاسم في تأمين الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ويعكس هذا التصور التفاعلي مدى الترابط العضوي بين هذه المكونات، بما يجعل من أمن واستقرار هذه المنظومة مسئولية جماعية لا تحتمل التجزئة أو الإهمال بل يجب أن تتكامل.
غير أن هذه الأهمية الاستراتيجية البالغة قد جعلت من المنطقة ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية في السيطرة أو التأثير على هذه الممرات الحيوية، بما يضمن لها النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري. وقد أسهم هذا التنافس في تصاعد حدة الصراعات في محيط هذه المضائق، خاصة في مضيق هرمز الذي يشهد حاليًا تنافسًا على السيطرة والتحكم فيه، ما أثر على حرية الملاحة الدولية خلاله، وعلى حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة معًا، ليس في منطقة الخليج فقط، بل على المستوى الدولي. فلم يعد هذا الممر الدولي مجرد نقطه عبور جغرافية، بل تحول إلى أداة ضغط واستقطاب ضمن معادلات القوة الدولية.
وتتفاقم هذه التحديات في ظل ما يشهده النظام الدولي من تحولات هيكلية متسارعة، خاصةً خلال السنوات الأخيرة، حيث أدت الأزمات العالمية المتلاحقة إلى إعادة الاعتبار للأبعاد الجيواقتصادية للأمن، وفي مقدمتها أمن سلاسل الإمداد وخطوط الملاحة البحرية. وقد كشفت هذه الأزمات عن هشاشة النظام التجاري العالمي أمام أي اضطرابات في المضائق الاستراتيجية، وهو ما أعاد تسليط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه منطقة الشرق الأوسط في ضمان استقرار الاقتصاد العالمي. ومن ثم، فإن أي تهديد لأمن الملاحة في هذه الممرات لا يقتصر أثره على الدول المطلة عليها، أو المنطقة التي تتواجد فيها، بل يمتد ليشمل الاقتصاد الدولي بأسره كما شهدنا مؤخرًا، وهو ما يعزز من أهمية تبني مقاربات أمنية متعددة المستويات تتكامل فيها الأبعاد الوطنية والإقليمية والدولية.
العدد9

