الأزمة الإيرانية بين التهدئة الهشة شمالًا والغموض المتصاعد شرقًا

03/06/2026

تدخل المواجهات الأمريكية الإيرانية في منطقة الخليج مرحلة جديدة من التوتر والتجاذب بين الجانبين إثر إعلان الجيش الأمريكي خلال الساعات الأخيرة أنه صد بنجاح سلسلة هجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المُسيرة في الخليج، إضافة إلى تنفيذ ضربات دفاعية على جزيرة قشم الإيرانية. وقد نفى الجيش الأمريكي ما أشار إليه الحرس الثوري الإيراني بأنه ضرب مقر الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية في البحرين، وقاعدة جوية منفصلة في المنطقة. كما تزامن ذلك مع إعلان الجيش الكويتي أن دفاعاته الجوية تصدت لهجمات معادية بالصواريخ والطائرات المُسيرة. ويأتي استمرار المواجهات الثنائية والمتعددة في المنطقة في نفس الوقت الذي يستمر فيه التمسك بمسار التفاوض، حيث أشار الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى أن المحادثات لا تزال مستمرة، كما تدرس إيران مقترحًا لوقف الحرب بين البلدين.

تعكس هذه التطورات طبيعة أهداف أطراف الصراع وحدود قدراتها، فإيران تسعى إلى تحقيق مكاسب فعلية وملموسة لما قد يُسفر عنها المسار التفاوضي، إلى جانب الربط بين استمرار التفاوض مع الجانب الأمريكي وبين وقف التحركات والعمليات العسكرية الإسرائيلية التي تستهدف حزب الله في لبنان، إذ ترى إيران أن استمرار هذه العمليات الإسرائيلية تُفرغ أي اتفاق مُحتمل من مضمونه، بل إنها قد تُعزز من حالة عدم الاستقرار الإقليمي، وربما تدفع بإيران إلى توسيع نطاق المواجهات لتشمل مضيق باب المندب، ليتحول إلى “هرمز جديد”، وذلك كما ورد في تصريحات قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، العميد “إسماعيل قاآني”.

وفي السياق ذاته، أصدر العديد من المسئولين الإيرانيين في السلطتين التنفيذية والتشريعية، تصريحات ركزت في مضمونها على الوضع الراهن للصراع مع الولايات المتحدة، حيث جرى التأكيد على أن هذا الصراع قد تحول إلى حرب شاملة اقتصادية وإعلامية، وأن تأميم مضيق هرمز هو المفتاح لقلب المعادلات الدولية، وأهمية الإبقاء على الخيار العسكري في التعامل لأن الولايات المتحدة لا تفهم سوى لغة القوة. ومن الواضح أن هذا الإجماع بين أركان السلطتين التنفيذية والتشريعية في إيران يعكس تبني استراتيجية الحرب الوجودية، التي تتجاوز الصدام العسكري نحو استهداف الهيمنة الاقتصادية الدولية عبر سلاح الممرات المائية، وقد يدفع طرح فكرة تأميم مضيق هرمز إلى حدوث تصعيد جيوسياسي، قد يدفع القوى العالمية إلى التدخل العسكري المباشر لحماية إمدادات الطاقة، وإعادة رسم موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط.

في المقابل، تُشير التطورات الأمريكية الأخيرة إلى أن إدارة الرئيس “ترامب” تسعى إلى الموازنة بين الضغوط العسكرية والدبلوماسية في التعامل مع الأزمة الإيرانية، حيث تواصل الولايات المتحدة التلويح بإمكانية استئناف العمليات العسكرية ضد إيران بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، الأمر الذي تكشفه تصريحات وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” عن وجود تقدم نسبي في المباحثات، بعد موافقة إيران على مناقشة بعض جوانب برنامجها النووي التي كانت ترفض بحثها سابقًا.

وبالرغم من هذا التقدم النسبي، فإن الإدارة الأمريكية لا تزال تتعامل بحذر مع فرص التوصل إلى اتفاق نهائي، في ظل استمرار الخلافات حول تخصيب اليورانيوم، ومستقبل المخزون النووي الإيراني، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، كما أن إصرار الرئيس “ترامب” على إدخال تعديلات إضافية على مسودة التفاهم يعكس رغبته في انتزاع مكاسب استراتيجية أكبر قبل إقرار أي اتفاق، بما يضمن تحقيق أهدافه المعلنة المتمثلة في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتعزيز صورته السياسية كصانع اتفاقات من موقع القوة.

في الوقت ذاته، لا تزال إسرائيل تحاول الالتفاف على القرارات الأخيرة الخاصة بوقف إطلاق النار في لبنان من خلال تبرير أي هجمات مرتقبة لها بذريعة الهجمات التي تتعرض لها من قبل حزب الله في المنطقة الشمالية، وتتخوف إسرائيل من النشاط المتنامي لحزب الله وتفعيله لدور الطائرات المُسيرة، وسط مؤشرات على تأثيرها المتزايد في سير العمليات البرية، وقد نجحت هذه المُسيرات خلال الأيام الماضية في الوصول مباشرة إلى مواقع انتشار القوات الإسرائيلية، مما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من الجنود، ويؤكد ذلك على أن حزب الله يُطور تكتيكاته بوتيرة متسارعة، مستفيدًا من مراقبة أنماط تحرك القوات الإسرائيلية والتكيف معها، ولعل ذلك ما يُفسر طلب إسرائيل من الولايات المتحدة السماح لها بتوسيع هامش عملياتها العسكرية في لبنان، بما يشمل إمكانية تنفيذ غارات جوية في منطقة بيروت، وسط تقديرات إسرائيلية تُفيد بأن حزب الله يمتلك بنية تحتية عسكرية غير مركزية ولا تقتصر على جنوب لبنان فحسب، وأن العمليات العسكرية في المناطق الحدودية لا يُلبي الشواغل الأمنية الإسرائيلية.

ومن المرجح أن يتجه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” نحو استفزاز الجانب الإيراني لجره للعودة للحرب وإنهاء مسار التفاوض الذي ترفضه إسرائيل، وذلك من خلال التأكيد على استمرار محاربة إيران واضطلاع الموساد بمهمة مراقبة إيران ومنعها من إعادة بناء قدراتها في الفترة التي سبقت الحرب.

وفي المجمل، يُثير استمرار التفاوض بالرغم من التوترات العسكرية بعض الملاحظات المهمة، وذلك كما يلي:

· أن الولايات المتحدة لا تزال تتبنى سياسة الضغط التفاوضي المدعوم بالقوة، إذ تستخدم التفوق العسكري والضربات المحدودة كوسيلة لتحسين شروط التفاوض وفرض تسوية سياسية بشروط أكثر صرامة، وليس بالضرورة للانزلاق إلى حرب شاملة جديدة.

· أن التصريحات الأمريكية المتكررة حول الجاهزية العسكرية واستمرار انتشار القوات الأمريكية في المنطقة رغبة الولايات المتحدة في الحفاظ على الردع، ومنع إيران من استغلال مسار المفاوضات لكسب الوقت، أو عدم استعداد إيران لتقديم التنازلات المطلوبة.

· وجود إدراك الإدارة الأمريكية للتكلفة الاقتصادية والاستراتيجية لأي تصعيد واسع النطاق، خاصةً مع تأثير الأزمة على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة العالمية والتضخم وأسعار الوقود.

· استمرار قدرة إيران على التكيف مع الضغوط الأمريكية، لانتزاع تنازلات أكبر في ملف العقوبات، وقد يؤشر هذا التباطؤ الإيراني في المفاوضات إلى وجود انقسام داخل مراكز صنع القرار الإيراني بين تيارين، أحدهما يتزعمه الرئيس “مسعود بزشكيان” ويسعى لإبرام اتفاق يُنقذ الاقتصاد، والآخر يقوده الحرس الثوري، الذي يشترط ثمنًا أمنيًا باهظًا لأي تهدئة.

· أن لبنان لا يزال يواجه احتمالات حدوث تصعيد من قبل إسرائيل، بهدف تعطيل التفاوض مع إيران، فإسرائيل تعتبر حماية أمنها مهمة دائمة قد تتطلب حروبًا دورية، حتى وإن اختلفت في ذلك عن أهداف الرئيس الأمريكي “ترامب”، الذي يسعى إلى حل نهائي، وإلى الانسحاب من المنطقة.

ختامًا، يمكن القول إن مساحات التجاذب بين أطراف الحرب لا تزال كبيرة، كما أن اتساع الهوة في المواقف والأهداف قد يدفع بأطراف الحرب بل وأيضًا دول المنطقة إلى التعايش مع أزمة مستمرة. وبالرغم من أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال قائمًا من حيث المبدأ، فإنه يتعرض لاختبارات وضغوط جدية من الجانبيين.

general-Tarek-abd-El-azeem
حسابات الأزمة في الشرق الأوسط بين التفاوض وعودة العمل العسكري
general-Tarek-abd-El-azeem
إنهاء أزمة مضيق هرمز كأولوية إقليمية ودولية
general-Tarek-abd-El-azeem
التجاذبات الأمريكية الإيرانية ومنطق السياسات المُتداخلة
general-Tarek-abd-El-azeem
الولايات المتحدة وإيران، ثنائية الحوار والحصار
Scroll to Top