تكشف التطورات التي جرت خلال الأيام الأخيرة والمتعلقة بانتهاء الحرب الأمريكية الإيرانية، عن جملة من الحقائق التي باتت تفرض نفسها على الواجهة الدولية، حيث رحب قادة مجموعة دول السبع في اجتماعهم في فرنسا بالاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وعبروا عن استعدادهم للمساهمة في تنفيذه، كما بدأت تظهر تفاصيل الاتفاق المرحلي بين الولايات المتحدة وإيران تظهر مع إعلان الرئيس “دونالد ترامب” أن الاتفاق يستبعد امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، ويُمدد الاتفاق الأمريكي الإيراني عمليًا وقف إطلاق النار الهش المُعلن في أبريل 2026 لمدة شهرين آخرين، بما يسمح للطرفين بالتفاوض على وقف دائم للصراع.
لقد برزت تأكيدات أمريكية على أنه الاتفاق يسمح لإيران ببيع النفط، وبعض الخدمات المصرفية والتأمينية والمتعلقة بتسهيل عمليات البيع تلك المبيعات، وهو ما يمنح إيران دافعًا قويًا للتفاوض بجدية مع الجانب الأمريكي، لا سيما أن الأخير قد ربط بين تمتع إيران بهذا الهامش من الحركة وبين التوصل إلى تفاهمات حول القضايا الرئيسة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني واستدامة واستقرار الملاحة في مضيق هرمز دون عوائق.
وعلى الرغم من حالة التفاؤل بالاتفاق الذي سيتم توقيعه في 19 يونيو في سويسرا، والذي يمثل خطوة عملية مهمة، فإنه لا يمثل تسوية حقيقية للملفات والقضايا الحساسة والخلافية، التي كانت من دوافع الحرب نفسها، بل وجرى تركها لما ستُسفر عنه مفاوضات ممتدة لمدة شهرين، يُضاف إلى ذلك أن التأثيرات الفورية والسريعة للاتفاق الأمريكي الإيراني لن تُعالج مسألة استعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز بوتيرة سريعة.
ويتطلب تحقيق هذا الهدف وجود اطمئنان من قبل شركات الشحن الكبرى بشيوع حالة من الاستقرار، وأن الأمور قد عادت إلى نصابها الطبيعي، إضافةً إلى أهمية وجود تفاهمات ملموسة تتعلق بقيام إيران بتخفيف ضغوطها على المضيق، وعدم المُضي قدمًا في فرض أي رسوم على العبور، إلى جانب وقف إسرائيل أنشطتها العسكرية في لبنان، حتى لا تعود إيران إلى توظيف مضيق هرمز كورقة ضغط في إطار المساومات والمفاوضات.
كما يُواجه اتفاق سويسرا ومسار المفاوضات برمته عقبات تتعلق باعتبارات الداخل الأمريكي بل وحتى الإسرائيلي، والأصوات المعارضة للاتفاق مع إيران، فطرح مسألة تسهيل عملية بيع النفط الإيراني وإن كانت محفزًا على إنجاح المفاوضات، فإنها في الوقت ذاته تمنح إيران متنفسًا مهمًا لتعويض النزيف الاقتصادي الذي ألم بها خلال أشهر الحرب والحصار، وسط تقديرات لحجم خسائر بلغت نحو 270 مليار دولار، ومع الوصول لتفاهمات نهائية مرضية للجانب الأمريكي، فإن ذلك يفتح الباب أمام إيران للوصول باقتصادها إلى طاقته التشغيلية القصوى، لا سيما مع الرفع المحتمل للعقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة، وهو ما قد يُزيد من حدة وضغوط هذه الأصوات المعارضة.
ويُثير الاتفاق الأمريكي الإيراني مسألة مهمة تتعلق بحدود وطبيعة التعامل الإسرائيلي مع إيران، سواء خلال فترة المفاوضات مع الولايات المتحدة، أم في الفترة التي تلي التوصل لتفاهمات بين الجانبين، ونُشير هنا إلى أن السياسات والتحركات الإسرائيلية تُمثل عاملًا مؤثرًا في صمود حالة الاستقرار الراهنة والمنتظرة، ويبدو أن إيران تراهن على قدرة الجانب الأمريكي على كبح جماح آلة الحرب الإسرائيلية، نظير قدرة الرئيس الأمريكي “ترامب” على الضغط بفاعلية على رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” لمنع الأخير من أي خطوات قد تؤدي إلى فشل المفاوضات، سواء باستهداف إيران أم توسيع رقعة المواجهات في لبنان، وبشكل عام، يمتلك الجانب الأمريكي أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل حتى وإن لم تُختبر بعد، فالولايات المتحدة تستطيع “ترشيد” السلوك الإسرائيلي عبر توظيف ملفات المساعدات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، والتي ستضع إسرائيل في مأزق حاد إذا ما قررت الولايات المتحدة التلويح بقطعها، ناهيك عن تنفيذ ذلك فعليًا.
وعلى الرغم من هذه الافتراضات المنطقية، فإن الشواهد التاريخية تُشير بوضوح إلى أن إسرائيل قد تقبل بأنصاف حلول، لكنها قد تنقلب على أي تفاهمات إذا ما تعارض ذلك مع مصالحها وهواجسها الأمنية وإن كانت غير مُبررة، وبالنظر إلى الواقع الإسرائيلي، يمكننا أن نعتقد بوجود مرونة إسرائيلية مرحلية تجاه التفاهمات المُحتملة التي قد تتوصل إليها الإدارة الأمريكية مع إيران، لكنها ستحتفظ لنفسها باستمرار المواجهة، لاعتبارات تتعلق بالاستحقاقات الانتخابية وكون تحقيق الأمن الداخلي قضية مركزية في توجيه خيارات وتفضيلات الناخب الإسرائيلي، وبتخوفها من توصل إيران إلى قدرات نووية للدرجة التي تجعلها تهديدًا وخطرًا وجوديًا على بقاء الدولة العبرية، وتقويضًا لتوازن القوى الراهن في منطقة الشرق الأوسط، والتي تتأسس، وفق الرؤية الإسرائيلية، على احتكارها للأسلحة النووية دون سواها.
يعني ما سبق أن التوصل لتفاهمات ملموسة بشأن البرنامج النووي الإيراني، تحظى بقبول من الأطراف الإقليمية الرئيسة، يمثل حائط صد أمام أي فرصة لعودة الحرب والمواجهات، حتى وإن استطاع الجانبين الأمريكي والإيراني حل المسائل العالقة الأخرى، كما أن انتهاء الحرب في الوقت الراهن، لا يمنع فعليًا من بروز إشكاليات اليوم التالي في منطقة الشرق الأوسط، بمعنى ظهور مشكلات أخرى ترتبط بطبيعة السياق الإقليمي المُعقد والمتداخل.
ختامًا، يُمكن القول إن الوصول لهذا اللحظة الجيوسياسية قد مثل نجاحًا حقيقيًا لأطراف الحرب والمفاوضات بل والعالم بأسره، حيث يعني الاتفاق في حد ذاته قدرة الولايات المتحدة وإيران على احتواء الحرب والمواجهات، ووصولهما إلى قناعة بالاكتفاء بما تحقق من أهداف من خلال القوة العسكرية، وأن تأمين المصالح والأهداف الإضافية لن يتأتى إلا من خلال المفاوضات. وقد حظيت قنوات الوساطة المختلفة، لا سيما الباكستانية، بإشادة عالمية ومُستحقة، خاصةً أنهم قد نجحوا في تجسير الهوة بين المصالح المتصارعة، وعملوا في ظل ظرف تتسم بالضغط وعدم اليقين. فيما سرت حالة مُبررة من التفاؤل والارتياح العالمي إزاء الاتفاق، وأنهى جزءًا من المخاوف التي سادت تجاه استمرار الصراع لوقت أطول واتساع نطاقه، وما يعنيه ذلك من حدوث صدمات وارتدادات اقتصادية عميقة الأثر.
