تشهد منطقة القرن الأفريقي حالة من التنافس والصراع بين بعض القوى الإقليمية والدولية لتمديد وتعزيز النفوذ في دول هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية، وذلك من أجل تحقيق جملة من الأهداف المتنوعة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية كافة، وإن كان الهدف الرئيس الذي تسعى القوى المتنافسة لتحقيقه هو إيجاد موطئ قدم بالقرب من الممرات الملاحية الدولية، خاصة مضيق باب المندب والبحر الأحمر، غير أن طبيعة التنافس القائم بين هذه القوى لا يأخذ الشكل التقليدي ممثلًا في الصراع المسلح، وإنما يتخذ أنماطًا أخرى تمتد للتنافس على توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم لتعزيز التعاون المشترك مع دول منطقة القرن الأفريقي، مع توظيف بعض المقاربات السياسية والاقتصادية التي تسمح بتطوير نمط العلاقات القائمة وصولًا إلى شراكات استراتيجية تساعد هذه القوى على التواجد الفاعل وبشكل قانوني، بغرض حماية مصالحها الاستراتيجية في تلك المنطقة.
انخراط تركي:
تعد تركيا في الوقت الراهن من أهم القوى الإقليمية المنخرطة في منطقة القرن الأفريقي، إذ تتبنى سياسة خارجية تعتمد على توظيف مجموعة من الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، ونجحت من خلالها في تمديد وتعزيز نفوذها في هذه المنطقة، وأصبحت طرفًا في معادلة توازنات القوى بمنطقة القرن الأفريقي، فعلى سبيل المثال، تمتلك تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها خارج البلاد في مدينة مقديشيو “ترك صوم” في الصومال[1]، وذلك بعد أن نجحت الدبلوماسية التركية في تعزيز العلاقات الرسمية والشعبية مع الصومال بدءًا بتقديم المساعدات الانسانية والاقتصادية للشعب الصومالي لمواجهة الأزمة الإنسانية، وضخ الاستثمارات في عدد من القطاعات الاقتصادية المهمة مثل الزراعة والبنية التحتية والطاقة، وخلال الفترة الأخيرة أصبح لتركيا دور محوري في التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في السواحل الصومالية.
وفي سياق التقارب السياسي التركي الصومالي، فقد طرحت تركيا مؤخرًا مبادرة للعب دور الوساطة بالتعاون مع عدد من الفاعلين الدوليين لتسوية الأزمة السياسية المتفاقمة حاليًا في الصومال، وذلك من خلال رعاية المحادثات السياسية المباشرة بين الحكومة الفيدرالية الصومالية والمعارضة السياسية، في محاولة لتجاوز الخلافات المتصاعدة بين الطرفين بشأن كيفية إجراء الانتخابات المؤجلة التي كان مقررًا إجرائها في شهر مايو الماضي، وتعتمد تركيا في ذلك على ما تمتلكه من علاقات استراتيجية مع الحكومة الصومالية واحتفاظ تركيا بعلاقات جيدة مع كافة الأطراف الصومالية، بالإضافة إلى امتلاكها قدر من الخبرات التاريخية في لعب دور الوساطة ونجاحها من قبل في المصالحة الصومالية الإثيوبية، وبالتالي فقد عززت تركيا دورها كلاعب فاعل في منطقة القرن الأفريقي من خلال التدخل لتسوية الأزمات المثارة بها خلال الفترة الأخيرة.
وعلى الصعيد الأمني والعسكري، ترتبط تركيا باتفاقيات للتعاون الأمني والعسكري مع الصومال، بما في ذلك تدريب أفراد المؤسستين الأمنية والعسكرية وتعزيز القدرات العسكرية للقوات الصومالية الفيدرالية، لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب، ومن المؤشرات الدالة على ذلك إقرار الحكومة التركية في مطلع مايو 2026 تخصيص 30 مليون دولار لتعزيز البنية التحتية الأمنية في الصومال. كما سيتم تقديم مشروع قانون إلى البرلمان التركي لتخصيص قطعة أرض مساحتها 5000 متر مربع في أنقرة للصومال، حيث سيتم بناء مبنى سفارة مخصص على جزء منها مساحته 3000 متر مربع[2]، وفي ذلك مؤشر مهم على ما وصلت إليه العلاقات التركية الصومالية من تقارب.
وفي هذا الإطار، تهدف تركيا من تواجدها في منطقة القرن الأفريقي، لتحقيق مجموعة من الأهداف، على رأسها تعزيز مكانتها، وتعظيم مكاسبها الاقتصادية من خلال ما تضخه من استثمارات في العديد من القطاعات الاقتصادية المهمة في دول منطقة القرن الأفريقي، وتشغيل الشركات التركية في مجالات متعددة، خاصة في مجال التنقيب عن الثروات الطبيعية مثل النفط والغاز، وضمان إمدادات الطاقة من هذه الثروات لسد احتياجاتها من الطاقة، بالإضافة إلى تشغيل شركات السلاح التركية التي أصبح لها دور كبير في عقد صفقات السلاح مع دول القرن الأفريقي خاصة الصومال وإثيوبيا التي حصلت على طائرات مُسيرة تركية، وكان لها دور محوري في حسم الصراع الذي كان دائرًا بإقليم التيجراي خلال الفترة من 2020 إلى 2022 لصالح الحكومة الإثيوبية.
تحركات قطرية:
تعتمد قطر على مجموعة من الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية لتعزيز تواجدها في منطقة القرن الأفريقي، فعلى الصعيد الإنساني تعمل قطر على تقديم المساعدات الإنسانية والمالية لدول منطقة القرن الأفريقي كأداة فاعلة لتعزيز علاقاتها مع شعوب دول هذه المنطقة، كما تعتمد على التعاون الأمني والعسكري مع دول المنطقة لا سيما الصومال، إذ تتبنى قطر سياسة خارجية تعمل من خلالها على دعم جهود الحكومة الصومالية لإعادة بناء مؤسسات الدولة خاصةً المؤسستين الأمنية والعسكرية.
كما تهتم قطر بضخ الاستثمارات في عدد من القطاعات الاقتصادية المهمة بالصومال مثل الزراعة والبنية التحتية، والموانئ وتطوير الموانئ البحرية، ويُعد ميناء هوبيو الصومالي أحد نماذج المشروعات الاستثمارية القطرية الكبرى في الصومال، كما تُعد قطر من أبرز الداعمين للحكومة الفيدرالية في الصومال منذ سنوات، سواء عبر تقديم مساعدات عسكرية وتدريبية، أو دعم مالي، أو وساطة سياسية في أكثر من أزمة داخلية وإقليمية، وتعمل قطر على توظيف ذلك لتعزيز تواجدها على الساحل الصومالي المطل على المحيط الهندي وخطوط الملاحة القريبة من باب المندب.
توغل إسرائيلي:
تتبنى إسرائيل سياسة خارجية تسعى من خلالها لتمديد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ما انعكس مؤخرًا في اعترافها بإقليم أرض الصومال وما استتبع ذلك من إجراءات لتسريع وتيرة تطبيع العلاقات الثنائية مع الإقليم، بما في ذلك تبادل تعيين السفراء وإعلان حكومة إقليم أرض الصومال افتتاح سفارة لها في مدينة القدس، هذا إلى جانب زيارات المسئولين العسكريين الإسرائيليين للإقليم وإشرافهم على تدريب أفراد المؤسسة الأمنية هناك، الأمر الذي يضمن لإسرائيل القرب من مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وبالتالي إيجاد موطئ قدم في منظومة أمن البحر الأحمر.
كما يوجد لإسرائيل علاقات سياسية واقتصادية قوية مع الجانب الإثيوبي، وهو ما انعكس في الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإسرائيلي لإثيوبيا في شهر فبراير 2026، بهدف تعزيز العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية، وقد جاءت هذه الزيارة في إطار التحركات الدبلوماسية الإسرائيلية المكثفة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث سبقت هذه الزيارة، قيام وزير الخارجية الإسرائيلي “جدعون ساعر” بزيارة لإقليم أرض الصومال بعد أن اعترفت به إسرائيل، وهو ما يعكس الرغبة الإسرائيلية في تعزيز نفوذها في المنطقة.
وتعكس التحركات الإسرائيلية المكثفة في منطقة القرن الأفريقي، احتدام التنافس الإسرائيلي التركي على تمديد النفوذ بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تحاول إسرائيل منافسة ومواجهة الدور التركي بالمنطقة، في ظل الرفض التركي للاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، وهو ما يمثل تحديًا للتحركات الإسرائيلية الراهنة في تلك المنطقة المهمة. ومن المؤشرات الدالة على ذلك، أن زيارة الرئيس الإسرائيلي لإثيوبيا قد جاءت عقب الزيارة التي قام بها الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” إلى إثيوبيا في فبراير 2026، وعقده اجتماعات مع المسئولين الإثيوبيين، وتوقيعه على عدد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات لتعزيز التعاون التركي الإثيوبي.
ختامًا، فإن هناك اتفاقًا على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي باعتبارها منطقة حيوية تؤثر بشكل مباشر على أمن الملاحة البحرية الدولية وقربها من مضيق باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر، وهو ما يُفسر اهتمام الأطراف الإقليمية والدولية بدولة الصومال على وجه التحديد، ومحاولة كل طرف تعزيز النفوذ في تلك المنطقة لحماية مصالحه الاستراتيجية وفقًا لتوجهات سياسته الخارجية، إلا أن أدوات تحقيق هذا الهدف تختلف وفقًا لرؤية كل طرف، ووفقًا لمدى قوة علاقاته بدول هذه المنطقة، سواء باستخدام الدبلوماسية الاقتصادية كأحد أدوات القوة الناعمة من خلال ضخ الاستثمارات وإقامة المشروعات التنموية مثل قطر، أو من خلال توظيف مقاربة أمنية كما تفعل إسرائيل من خلال توسيع شراكاتها الأمنية مع إقليم أرض الصومال، في حين تركز تركيا على تعزيز تواجدها بشكل أوسع باستخدام أدوات اقتصادية وأمنية وعسكرية، كذا محاولة لعب دور الوساطة السياسية.
[1] قاعدة ترك صوم (TURKSOM) هي أكبر منشأة عسكرية تركية خارج أراضيها، وتقع في العاصمة الصومالية مقديشيو، وافتُتحت رسميًا في 30 سبتمبر 2017، وتُعد مركزًا لتدريب وتأهيل القوات المسلحة الصومالية، كما تضم أكاديمية عسكرية ومدارس للضباط وضباط الصف.
[2] “تركيا تخصص 30 مليون دولار لتعزيز البنية التحتية الأمنية في الصومال”، الصومال الجديد. 2 مايو 2026. متاح على https://shorturl.at/s5EqZ

