شهدت الفترة الأخيرة جملة من التفاعلات على المستوى الداخلي في إثيوبيا، بين الحكومة وجبهة تحرير شعب تيجراي، بما قد يمتد تأثيرها إلى باقي الأقاليم الإثيوبية والمجموعات الإثنية الأخرى، وذلك في الوقت الذي تتقاطع فيه المصالح الاستراتيجية لإثيوبيا مع مصالح وأمن دول الجوار، لا سيما مع التطلع الإثيوبي للوصول لمنفذ بحري على حساب دول الجوار، بما يعكس أهمية إقليم تيجراي في معادلة الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي.
في هذا السياق، حذرت سلطات إقليم تيجراي في بيان لها يوم 11 يوليو 2026، من احتمالية دخول إثيوبيا في جولة جديدة من الصراع المسلح، متهمة الحكومة الفيدرالية برئاسة “آبي أحمد” بالتحضير لشن حرب جديدة ضد الإقليم، معلنة أن اتفاقية بريتوريا لوقف الأعمال العدائية (انهارت فعليًا)، كما أعلنت جبهة تحرير تيجراي أنها التزمت بتنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام الموقع في 2022، إلا أنها تعثرت بسبب الأفعال المعرقلة للاتفاق من جانب الحكومة الفيدرالية، إلى جانب إخفاق الجهات الضامنة للاتفاق في تنفيذ تعهداتها، وأشارت في بيانها إلى تصاعد مؤشرات التوتر التي من بينها تنفيذ هجمات بالمسيرات على الإقليم، وعمليات تعبئة عسكرية.
كما اعتبرت الجبهة أن هذه التطورات تعكس استعداد الحكومة الفيدرالية لإطلاق جولة جديدة من الحرب ضد الإقليم. فضلًا عن التأكيد على أحقيتها في تعزيز قدراتها الدفاعية والاستعداد لحماية الإقليم، متهمة جهات موالية للحكومة الفيدرالية بمحاولة إضعاف الجبهة الداخلية عبر تشجيع الشباب على مغادرة إقليم تيجراي ونشر معلومات مضللة، وقد شددت سلطات الإقليم على أن الحل العسكري لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، مؤكدة أن الحوار السياسي يبقى الخيار الأفضل لتسوية الخلافات، لكنها اعتبرت في الوقت ذاته أن اتفاق بريتوريا لم يعد إطارًا صالحًا لمعالجة النزاع.
تطورات مفصلية:
يقع الوضح الحالي في إقليم تيجراي ما بين التصعيد العسكري الذي قد يؤول لانزلاق الدولة الإثيوبية في مستنقع من الحروب، وبين محاولات إقليمية ودولية للتهدئة وخفض التوتر العسكري بين الجانبين، وقد جرت خلال الفترة الماضية جملة من التطورات المفصلية التي قد تمثل دلالة على التصعيد بما يدفع نحو التوجه إلى مسار عودة الحرب، والتي تمثل أبرزها في الآتي:
· مظاهرات مناهضة لجبهة تحرير تيجراي: نظم مجلس تيجراي للسلام والتغيير[1] يوم السبت 18 يوليو 2026، احتجاجات في العاصمة أديس أبابا ضد جبهة تحرير تيجراي، والتي تغيب عن الحوار الوطني المنعقد منذ منتصف يوليو الجاري، كما طالب المتظاهرون الحكومة الفيدرالية بإنهاء التجنيد القسري والقمع الذي تقوم به جبهة تحرير شعب تيجراي، وإعادة النازحين إلى مناطقهم، والتنفيذ الكامل لبنود اتفاقية بريتوريا للسلام الموقعة عام 2022[2].
· حصار الإقليم: حاصر الجيش الإثيوبي إقليم تيجراي ودفع بحشود عسكرية ضخمة بالقرب من حدود الإقليم عند منطقة بحر دار الشمالية، وذلك في الوقت الذي نشرت فيه جبهة تحرير تيجراي قواتها حول حدودها لحماية الإقليم، ويأتي ذلك تواكبًا مع نشر كل من إثيوبيا وإريتريا قوات ومعدات عسكرية داخل إقليم تيجراي وذلك بحسب دبلوماسيين إقليميين[3].
· استعادة إدارة الإقليم وإنشاء إدارة موازية: استعادت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي في 19 أبريل 2026 السيطرة على إدارة الإقليم، واتهمت الجبهة الحكومة الفيدرالية بانتهاك اتفاق بريتوريا، وذلك من خلال محاولة إثارة نزاع مسلح في الإقليم، ومنع الأموال اللازمة لرواتب الموظفين المدنيين في الإقليم، بجانب تمديد ولاية رئيس الإدارة المؤقتة دون استشارة الجبهة. في المقابل، أسست عدة أحزاب سياسية إثيوبية وفصيل مسلح في أديس أبابا في 18 مايو 2026، مجلس تيجراي للسلام والتغيير كهيئة مؤقتة لإدارة الإقليم، كما أعلنوا أن هدف المجلس هو النضال ضد جبهة تحرير تيجراي وإزالتها بكل الوسائل الممكنة، والمساعدة في استعادة السلام والاستقرار في المنطقة بعد إزالة الجبهة، فضلًا عن تشكيل إدارة انتقالية شاملة تضم جميع الفاعلين السياسيين في تيجراي، وهو الأمر الذي يبرز الخلاف العميق إزاء إدارة الإقليم. وقد بلغت حدة التصعيد بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيجراي تحذير قائد سلاح الجو الإثيوبي “يلما مرداسا” يوم ١٦ يونيو ٢٠٢٦، من اختيار أي طرف للمواجهة العسكرية بدلًا من السلام، مؤكدًا أنه سيتلقى ضربة جوية حاسمة، في إشارة منه إلى جبهة تحرير تيجراي[4].
· تجاهل إقليم تيجراي في الانتخابات البرلمانية: مثل إجراء الحكومة الإثيوبية للانتخابات البرلمانية في مطلع يونيو الماضي، والتي انتهت بفوز حزب الازدهار بغالبية مقاعد البرلمان الإثيوبي ما يمد في بقاء زعيم الحزب “آبي أحمد” لخمس سنوات مقبلة، والتي لم يتم إجرائها في إقليم تيجراي مع تجاهل إجرائها في مناطق عديدة في إقليمي أورومو وأمهرة، حيث لم تجر في جميع الدوائر الـ38 في إقليم تيجراي، بجانب 8 دوائر في إقليم أمهرة تقع في مناطق جنوب وغرب جوندار وأمباسيل وديجا داموت، الذي يشهد منذ أشهر مواجهات بين القوات الحكومية ومقاتلي ميليشيا فانو، والتي تأتي كدلالة جديدة ضمن مؤشرات التصعيد والخلافات بين الحكومة الإثيوبية والمجموعات الإثنية[5].
وعلى الرغم من مظاهر التصعيد، فإن هناك بعض التحركات على المستوى الإقليمي والدولي تستهدف خفض التصعيد بين الجانبين، والتي برزت في زيارة الرئيس النيجيري الأسبق “أولوسيجون أوباسانجو” بصفته الممثل الأعلى للاتحاد الأفريقي لمنطقة القرن الأفريقي في 11 يونيو 2026 إلى مدينة ميكيلي عاصمة إقليم تيجراي، وترأس وفدًا دوليًا ضم مبعوثين من أستراليا والمملكة المتحدة، والتقى برئيس جبهة تحرير شعب تيجراي “ديبريتسيون جبريميكائيل”، وقد ركزت المحادثات على منع العودة إلى الحرب، وتقييم تنفيذ اتفاق بريتوريا بين الحكومة الفدرالية والجبهة، في محاولة للتوسط والسعي نحو خفض التصعيد بين الجبهة والحكومة الفيدرالية[6].
تغّير أطراف الحرب:
تغيرت خريطة القوى المنخرطة في الحرب ما بين الجولة الأولى من حرب تيجراي (2020-2022) والجولة الثانية (المُحتملة)، فبينما تحالفت كل من إريتريا وميليشيا فانو التابعة لإثنية الأمهرة مع الجيش الإثيوبي ضد جبهة تحرير تيجراي خلال الجولة الأولى، تقف الآن إريتريا وجبهة تحرير تيجراي وميليشيا فانو وكذلك جيش تحرير أورومو في حالة عداء مع الحكومة الإثيوبية، وهو ما يبرز في اتهام وزارة الخارجية الإثيوبية في بيان في 7 فبراير 2026، الجيش الإريتري باحتلال أراضي إثيوبية بالتعاون مع جبهة تحرير تيجراي، وطالبت القوات الإريترية بضرورة الانسحاب من الأراضي الإثيوبية التي احتلتها خلال حرب إقليم تيجراي (2020- 2022)، بجانب إعلان الشرطة الإثيوبية عبر بيان صدر على صفحتها على فيسبوك في 15 يناير 2026، ضبط أكثر من 56 ألف طلقة ذخيرة في إقليم أمهرة محملة على شاحنة، وقد اتهم البيان أن الشاحنة مخصصة لتسليح ميليشيا فانو، والتي أرسلتها إريتريا متعاونة مع جبهة تحرير تيجراي[7].
وقد تمثلت أهم أسباب التحول من التحالف للعداء بالنسبة للقوى الداخلية، في سعي الحكومة الإثيوبية إلى تعزيز السلطة المركزية للحكومة الفيدرالية، الأمر الذي تفسره المجموعات الإثنية على أنه انتقاص لسلطاتها وصلاحياتها. ومن جهة أخرى، تنظر إريتريا إلى إثيوبيا باعتبارها دولة طامعة في السيطرة بالقوة على أراضيها، متمثلة في السعي الإثيوبي الحثيث للوصول للبحر الأحمر من خلال فرض السيطرة على ميناء عصب في جنوب إريتريا، وهو الأمر الذي أكده رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” في مناسبات عديدة[8].
سيناريوهات مُحتملة:
يتأرجح الوضع في إثيوبيا ما بين أحد السيناريوهين التاليين:
الأول: استمرار الوضع الحالي الذي يشهد فترات تصعيد بين الجانبين تارة، وفترات تهدئة بوساطات إقليمية ودولية تارة أخرى.
الثاني: يتمثل في عودة الحرب بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي، وهو السيناريو الأقرب في ظل الأعمال التصعيدية التي شهدتها الفترة الماضية، وفي حال تجدد الحرب بين الأطراف قد يتغير معها المسار الجغرافي للحرب. فقد تذهب الجولة الجديدة من الحرب المُحتملة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي إلى أبعد من كونها حرب بين حكومة ومجموعة إثنية، وذلك ارتباطًا بالتغيرات التي طرأت على خريطة التحالفات في الدول المنخرطة بالحرب، وهو ما يشير إلى احتمالية أن تشهد الجولة المقبلة من الحرب (حال حدوثها) تغيرًا على المستوى الجغرافي خلال مسار الحرب المحتملة، وهو ما يبرز فيما يلي:
· اقتصار الحرب داخل إقليم تيجراي: قد تدفع الحكومة الإثيوبية مجلس تيجراي للسلام والتغيير (بالوكالة) لإجراء تحرك عسكري يستهدف التخلص من جبهة تحرير تيجراي واستعادة إدارة الإقليم، الأمر الذي يعني انحسار الحرب داخل إقليم تيجراي، مما يبعد عن الحكومة التهم المتعلقة باستهداف إثنية التيجراي باعتبار أن المجلس مكون من داخل الإقليم ومن الإثنية ذاتها، بما يجنبها تدخل إريتريا باعتباره نزاع داخلي بين فصيلين إثيوبيين.
· امتداد الحرب لأقاليم أخرى: يفترض هذا السيناريو انخراط ميليشيا فانو التابعة لإثنية الأمهرة وجيش تحرير أورومو في إقليم أوروميا في الجولة المحتملة من الحرب، استغلالًا لانشغال الحكومة الإثيوبية في حربها مع جبهة تحرير تيجراي، الأمر الذي قد يدفع الجيش الإثيوبي بالرد على تحركاتهما وتوجيه ضربات تستهدف منع تقدم أي منهما نحو العاصمة أديس أبابا، خاصة أن مليشيا فانو وجيش تحرير أورومو قد يسعيان نحو تعزيز أوضاعهم الإقليمية وتأمين مناطق سيطرتهم، على حساب الجيش الإثيوبي في أقاليمهم، أو حتى منع تقديم أي منهما الدعم لجبهة تحرير تيجراي، وبالتالي قد تمتد الحرب إلى أكثر من إقليم داخل إثيوبيا.
· امتداد الحرب نحو إريتريا: يضع هذا السيناريو طموح إثيوبيا الرامي للوصول لمنفذ على البحر كأحد نتائج تدخل إريتريا في الحرب المحتملة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي، حيث أنه من المحتمل في حال دخول إريتريا حرب تيجراي قد يدفع الجيش الإثيوبي في المقابل بتحرك يستهدف نقل الحرب إلى الأراضي الإريترية بدعوى الرد على التدخل الإريتري، وتحقيق هدف الوصول للبحر والسيطرة على ميناء عصب في جنوب إريتريا، وقد يأتي التحرك الإثيوبي المحتمل انطلاقًا من إقليم العفر، وبالتعاون مع عفر البحر الأحمر في إريتريا (فصل عسكري معارض) الذي تدعمه الحكومة الإثيوبية، الأمر الذي يؤدي لتوسع مسرح العمليات ليمتد نحو الأراضي الإريترية.
تأسيسًا على ما سبق، فإن التضارب الكبير في المصالح الاستراتيجية بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي وحلفائها من الأقاليم، كذا قوى المعارضة المسلحة الأخرى (فانو، وجيش تحرير أوروميا)، قد يمثل نقطة تحول في تحالفات تلك القوى، الأمر الذي يؤدي تباعًا لتغير المسار الجغرافي للجولة المُحتملة من الحرب بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي، على نحو قد يتحول معه الصراع إلى حرب إقليمية في منطقة القرن الأفريقي، مما قد يدفع المنطقة إلى مزيد من حالة عدم الاستقرار الأمني.
[1] مجلس تيجراي للسلام والتغيير: يتكون من أحزاب سياسية وفصيل عسكري، وهم سيمريت، وبايتونا، وأرينا تيجراي، وتينساي 70 إنديرتا، وقنشي حقي بالإضافة إلى الجناح العسكري لمقاتلي هارا ميريت والتي انشقت عن جبهة تحرير تيجراي وتتخذ من إقليم العفر مقرًا لها، علمًا بأن هذه الأحزاب هي أحزاب سياسية فاعلة في إقليم تيجراي وعلى خلاف مع جبهة تحرير تيجراي.
[2] “مظاهرة في أديس أبابا تطالب بتنفيذ اتفاقية بريتوريا للسلام في تيغراي”، الراصد الإثيوبي. 20 يوليو 2026. متاح على https://www.ethiomonitor.net/26052/
[3] “حشود عسكرية على حدود تيغراي تثير مخاوف من تجدد الحرب في إثيوبيا”، الجزيرة. 17 فبراير 2026. متاح على https://shorturl.at/XKOxj
[4] “قائد القوات الجوية: القوات الجوية الإثيوبية درعٌ يحمي سيادة البلاد”، فانا ميديا كوربوريشن. 16 يونيو 2026. متاح على https://sl1nk.com/2z8abkd
[5] محمد محمود، “انتخابات إثيوبيا… غيابات تيغراي وأمهرة تقلص مصداقية الاقتراع”، الشرق الأوسط. 31 مايو 2026. متاح على https://l1nq.com/wtwxc9d
[6] “News: Olusegun Obasanjo, international envoys arrive in Mekelle for talks on Pretoria Agreement, regional security”, Addis standard. 11 June 2026. Available at https://addisstandard.com/olusegun-obasanjo-international-envoys-arrive-in-mekelle-for-talks-on-pretoria-agreement-regional-security/
[7] Emily Atkinson, “Ethiopia says seized ammunition sent by Eritrea to rebels as tensions rise”, BBC. 15 January 2026. Available at https://www.bbc.com/news/articles/czr46ypzl4yo
[8] “آبي أحمد يتمسك بمنفذ على البحر الأحمر: ميناء عصب الإريتري ضمن حدودنا”، الشرق للأخبار. 28 أكتوبر 2025. متاح على https://sl1nk.com/h7jd7cc

