تُشير الشواهد التاريخية إلى أن دول المنطقة عادةً ما تسعى إلى الدخول في تحالفات وإقامة ترتيبات سياسية وأمنية لحماية مصالحها الرئيسة، وذلك من خلال تفاهمات متعددة المستويات، سواء كانت ثنائية أم متعددة الأطراف، شمل بعض منها دول المنطقة فحسب، واتجهت بعض التحالفات إلى ضم أطراف وبناء ترتيبات تتجاوز الحدود الإقليمية.
وقد دخلت معادلة الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في فبراير 2026، حيث كرست الحرب من التوجه القائم على استخدام القوة العسكرية لتحقيق المصالح وتحقيق الرؤى والتصورات الأمنية، وزادت الحرب من تعقيد البيئة الإقليمية، وهشاشتها وسيولتها الأمنية، خاصةً مع استمرار الصراعات والأزمات في أكثر من نطاق جغرافي (الأراضي الفلسطينية، والسودان، وليبيا، واليمن، ولبنان، وسوريا، والصومال)، وتزايد مظاهر التهديد ارتباطًا باحتدام التنافس الإقليمي والدولي على تعزيز النفوذ في المنطقة، والسيطرة على مواردها الضخمة، والممرات والمضائق البحرية.
ولقد أظهرت الحرب الأمريكية الإيرانية حقيقة أن الأزمات التي تزخر بها المنطقة لم يعد بالإمكان التعايش معها وتسكينها، إذ أنها قد تتحول إلى صراع مفتوح، يشمل نطاقات جغرافية أكثر اتساعًا، الأمر الذي يُستدل عليه بتعرض الدول الخليجية إلى هجمات مكثفة من قبل إيران، وذلك على الرغم من عدم انخراطها في الحرب، وتبنيها موقفًا يقوم على الدعوة للتهدئة، والانخراط في مسارات الوساطة المختلفة، سواء قبل اندلاع الحرب أم أثنائها أم في اللحظة الراهنة التي تشهد هدوءًا نسبيًا.
وتزامن ذلك مع بروز أهمية خفض الاعتمادية على الولايات المتحدة كمزود أمني رئيس للعديد من دول المنطقة، وتوسيع مظلة الضمانات الأمنية، خاصةً مع انحسار الوجود العسكري الأمريكي التقليدي في المنطقة مع تغير إستراتيجية الولايات المتحدة وإعادة توجيه تركيزها على مناطق أخرى، ورغبتها في توزيع الأعباء على حلفائها، إلى جانب تزايد مظاهر النزعة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، وبروز الحاجة نحو عدم ترك الساحة الإقليمية لصالح إسرائيل التي تحظى بدعم كامل من الولايات المتحدة.
وإزاء هذه الأوضاع الجيوسياسية المعقدة، برز اتجاهان رئيسيان في إطار تعامل القوى الإقليمية مع الحرب وإدارة تداعياتها، يقوم الأول على الاصطفاف السياسي الإقليمي، حيث أسست مصر والسعودية وتركيا وباكستان إطارًا للتنسيق السياسي والدبلوماسي، ويتركز الثاني في إقامة صيغة من التحالفات الدفاعية العابرة للإقليم، تمثل أبرزها في تدشين التحالف البحري متعدد الجنسيات في نهاية يوليو 2026، كذا توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك“، في أغسطس 2026، بين السعودية وتركيا وباكستان، بهدف تعزيز الردع الإستراتيجي المشترك، وتطوير التعاون الدفاعي.
وتأتي هذه الدراسة في ضوء اهتمام المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط برصد وتحليل التحولات السياسية والأمنية، والقضايا الكُبرى في منطقة الشرق الأوسط، وتأثيراتها الممتدة على الأمن والاستقرار في المنطقة، حيث تسعى هذه الدراسة إلى البحث في مضمون اتفاقية مكة للدفاع المُشترك، وردود الفعل بشأنها، كذا الدوافع وراء توقيع الاتفاقية، والمسارات المُستقبلية، وتأثيراتها المحتملة.

