التعاون الكوري الشمالي مع روسيا والتحولات الأمنية في شبه الجزيرة الكورية

14/10/2026

أسفرت الحرب الروسية الأوكرانية عن تداعيات عدة تجاوزت التأثيرات المباشرة على روسيا وأوكرانيا، ويمثل انخراط كوريا الشمالية عسكريًا إلى جانب روسيا أحد أبرز التحركات التي أضافت لتلك الحرب الأوربية بعدًا آسيويًا، حيث أوجدت تداخلًا بين التطورات الأمنية في أوروبا والحسابات الأمنية في شرق آسيا، لا سيما لدى كوريا الجنوبية التي تؤثر مشاركة نظيرتها الشمالية على حسابتها الأمنية في المنطقة عامة وشبه الجزيرة الكورية خاصة.

وفي هذا السياق اكتسبت قضية الجنديين الأسيرين من كوريا الشمالية لدى أوكرانيا اهتمامًا واسعًا، خاصة بعد نقلهما إلى كوريا الجنوبية، وما أعقب ذلك من خلاف دبلوماسي بين كوريا الجنوبية وأوكرانيا بشأن الإعلان عن عملية نقلهم، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول تداعيات انخراط كوريا الشمالية في الحرب على الحسابات الأمنية لكوريا الجنوبية وكذلك تأثيره على مسار علاقتها مع أوكرانيا، فضلًا عن مدى إسهام هذه التطورات في إعادة تشكيل التفاعلات الأمنية بين أوروبا وشرق آسيا.

أزمة الأسيرين:

اندلعت أزمة دبلوماسية بين كوريا الجنوبية وأوكرانيا عقب إعلان الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة  في الثالث والعشرين من سبتمبر 2026، أن أوكرانيا نقلت جنديين كوريين شماليين إلى كوريا الجنوبية، بعد أسرهما خلال مشاركتهما في القتال إلى جانب القوات الروسية ضد أوكرانيا[1]، وقد وجهت كوريا الجنوبية اتهامات إلى أوكرانيا بخرق اتفاق يقضي بالحفاظ على سرية عملية النقل، ومن جانبها نفت الأخيرة وجود اتفاق رسمي يلزمها بالحفاظ على سرية العملية، وهو ما أدى إلى تصعيد الخلاف بين الجانبين، ودفع وزارة خارجية كوريا الجنوبية إلى استدعاء القائم بأعمال السفير الأوكراني لديها “أندري فيشكين”، لإبلاغه بالاعتراض الكوري الجنوبي والمطالبة باتخاذ تدابير لمنع تكرار ذلك، كما طالبت الرئاسة الكورية الجنوبية أوكرانيا بتقديم تفسير رسمي واعتذار عن الكشف عن العملية.

وبالرغم من إعلان وزارة خارجية كوريا الجنوبية لاحقًا الوصول إلى تفاهم واضح مع أوكرانيا بشأن أزمة الأسرى[2]، فقد حذر الرئيس الكوري “لي جيه ميونج” من أن كوريا الجنوبية ستتخذ إجراءات إضافية إذا استمرت أوكرانيا في رفض الاعتذار رسميًا عن إنكارها الاتفاق بشأن الإبقاء على سرية عملية نقل الأسرى الكوريين الشماليين إلى كوريا الجنوبية، متهمًا أوكرانيا بمحاولة إشعال حرب في شبة الجزيرة الكورية وذلك بسبب إشارة الرئيس الأوكراني إلى احتمال نشوب صراع عسكري وشيك بين الكوريتين بدلًا من الاعتراف بالاتفاقية والاعتذار[3]، واتخذت كوريا موقفًا تصعيديًا جديدًا نتيجة لتجاهل أوكرانيا تحذيراتها، حيث استدعت وزارة الخارجية الكورية سفيرها لدى أوكرانيا والذي عاد في العاشر من أكتوبر احتجاجًا على كشف كييف عن عملية نقل الأسرى.[4]

يُشير الخلاف إلى أزمة ثقة بين الجانبين، حيث أصبح جوهر الخلاف مرتبطًا بمدى احترام التفاهمات الدبلوماسية غير المُعلنة، وليس فقط بكيفية التعامل مع قضية الأسيرين، وبالتالي فإن طريقة إدارة الأزمة قد تنعكس على التعاون السياسي والاقتصادي بينهما، بما في ذلك ملفات المساعدات المادية التي تقدمها كوريا لأوكرانيا، وملف التعاون المحتمل بشأن إعادة اعمار أوكرانيا بعد الحرب، وذلك في حالة تحول تلك الخلافات الدبلوماسية إلى إجراءات عملية من جانب كوريا الجنوبية.

ولقد جاء الاهتمام الكوري الجنوبي بالتنسيق مع أوكرانيا بشأن عملية استقبالها للأسرى الكوريين الشماليين مرتبطًا بمجموعة من الدوافع، حيث تلتزم كوريا الجنوبية بتطبيق “قانون حماية ودعم استقرار المنشقين الكوريين الشماليين”[5]، الذي ينص على حماية الكوريين الشماليين الذين يبدون رغبتهم في الحصول على حماية كوريا الجنوبية، ويقر مبدأ توفير حماية خاصة لهم على أساس إنساني، ويمتد ذلك إلى الكوريين الشماليين الموجودين في الخارج من خلال الجهود الدبلوماسية اللازمة لحمايتهم ودعمهم، وقد أشارت التقارير إلى وجود رغبة خاصة من جانب الأسيرين في نقلهم إلى كوريا الجنوبية نظرًا لما قد يواجهون من عقوبات ومخاطر حال إعادتهم إلى كوريا الشمالية.

تداعيات التعاون بين كوريا الشمالية وروسيا:

شهد التعاون العسكري بين كوريا الشمالية وروسيا تطورًا واضحًا منذ اندلاع الحرب الأوكرانية في عام 2022، حيث بدأ الدعم في صورته السياسية والدبلوماسية، من ثم تطور مع نهاية العام إلى دعم عسكري متمثلًا في إمداد روسيا بالذخائر والقذائف والصواريخ الباليستية، فيما توسع التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين بشكل أكبر بعد توقيعهما على “معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة”[6] في يونيو 2024، والتي نصت على تقديم المساعدة العسكرية بصورة فورية في حال تعرض أحد الطرفين لعدوان مسلح، أعقبها إعلان كوريا الشمالية رسميًا في عام 2025 عن إرسال جنود شماليين لدعم روسيا في حربها. وبالرغم من عدم إشارة الطرفين إلى عدد الجنود الشماليين الذين تم إرسالهم إلى روسيا، فإن بعض التقديرات الغربية والأوكرانية تُشير إلى أنه تم إرسال ما بين 14 و15 ألف جندي منذ عام 2024، بينما أشارت تقديرات كورية جنوبية في وقت لاحق إلى تجاوز العدد 16 ألف جندي، كما صرح الرئيس الأوكراني في سبتمبر الماضي أن كوريا الشمالية تستعد لإرسال نحو 10 آلاف جندي إضافي بعد إخضاعهم لعمليات اختيار وتدريب.

ويمثل الانخراط الكوري الشمالي في تلك الحرب تطورًا مهمًا في الحسابات الأمنية لكوريا الجنوبية لما له من ارتباط وثيق بأمن شبه الجزيرة الكورية، نظرًا لما تكتسبه كوريا الشمالية من خبرات قتالية وميدانية مباشرة في ضوء اختبار قدراتها العسكرية في بيئة حرب حديثة، فضلًا عن استفادتها من الحصول على دعم اقتصادي وعسكري وتقني روسي، مع إمكانية حصولها على تكنولوجيا وخبرات روسية أكثر تقدمًا في مجالات الصواريخ، والأقمار الصناعية، والحرب الإلكترونية، وهو ما قد ينعكس في نهاية المطاف على التهديدات التي قد تواجه كوريا الجنوبية مستقبلًا.

وفي المقابل يمثل هذا الانخراط أحد أبرز المؤثرات في العلاقات الأوكرانية – الكورية الجنوبية، حيث ترى الأخيرة أن تداعيات الحرب لا تقتصر فقط على الساحة الأوربية وإنما تمتد إلى شبه الجزيرة الكورية، نظرًا لما تحصل عليه كوريا الشمالية التي تُمثل التهديد الأكبر لها في المنطقة على خبرات وقدرات عسكرية واسعة نظير مشاركتها في الحرب، وهو ما دفعها نحو تعزيز علاقتها بأوكرانيا عبر تقديم الدعم السياسي والمساعدات اللوجستية لكييف، نظرًا إلى أن الحرب الجارية جعلت أوكرانيا تمتلك معلومات بشأن القدرات العسكرية لكوريا الشمالية، وهو الأمر الذي يمنح التعاون بين كييف وسيول طابعًا أكثر أهمية خاصة في المجالين الأمني والعسكري.

ومع ذلك فقد أدى انخراط كوريا الشمالية في الحرب إلى تداعيات سلبية على العلاقات بين كييف وسيول، وذلك في ضوء اختلاف حسابات كل طرف للتطورات الراهنة، ففي الوقت الذي تنظر فيه كوريا الجنوبية إلى قضية الأسيرين باعتبارها قضية حساسة كان لابد من اتمامها في سرية تامة، خاصة في ظل سعيها إلى إبقاء قنوات الحوار مع كوريا الشمالية، في ضوء رغبتها في الحفاظ على الأمن الإقليمي في شرق آسيا، فقد استغلت أوكرانيا القضية لجذب اصطفاف ودعم دولي وسط انكار وجود اتفاقية تقضي بالحفاظ على سرية العملية.

ونظرًا للمصالح المشتركة بين أوكرانيا وكوريا الجنوبية فإن استمرار وتوسع الانخراط الكوري الشمالي في الحرب من شأنه تعزيز العلاقات بين كييف وسيول، مع دفعها نحو تعاون أكثر حذرًا في المجالات الأمنية، ومحاولة تجنب الخلافات التي قد تنتج عن اختلاف حساباتهما تجاه كوريا الشمالية لضمان عدم تكرار مثل تلك الأزمة.

ختامًا، يمكن القول إن العلاقات بين أوكرانيا وكوريا الجنوبية مرتبطة بشكل أساسي بالتحركات الكورية الشمالية ومدى انخراطها في الحرب الروسية الأوكرانية، فيما سيعتمد مستقبل العلاقات بينهما وكذلك موقف كوريا الجنوبية تجاه الحرب على قدرة الطرفين على الاستفادة من المصالح المشتركة، والتنسيق فيما بينهما واحتواء أي خلافات سياسية ودبلوماسية مرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية بشكل عام، وطبيعة النظرة والسياسات تجاه كوريا الشمالية بشكل خاص.


[1] Tom Balmforth and Brenda Goh, “Ukraine sent two captured North Korean soldiers to South Korea, Zelenskiy says”, Reuters. 24 September 2026. Available at: https://2u.pw/9fM9VK

[2] “كوريا الجنوبية تؤكد التوصل إلى “تفاهم واضح” مع أوكرانيا في قضية أسرى الحرب الكوريين الشماليين”، وكالة يونهاب للأنباء. 29 سبتمبر 2026، متاح على: https://2u.pw/Omu3geh                                                          

[3] “لي يحذر كييف من “إجراءات إضافية” إذا رفضت الاعتذار عن الكشف عن عملية نقل الأسيرين الكوريين الشماليين”، وكالة يونهاب للأنباء. 2 أكتوبر 2026، متاح على:  https://2u.pw/z09uIc  

[4]سفير كوريا الجنوبية لدى أوكرانيا يعود إلى بلاده وسط خلاف حول الكشف عن أسرى الحرب الكوريين الشماليين، وكالة يونهاب للأنباء. 11 أكتوبر 2026، متاح على:  https://2u.pw/qSgeWe

[5]북한이탈주민의 보호 및 정착지원에 관한 법률, 국가법령정보센터 , 10 March 2026, Available at: https://2u.pw/LdZgKj

[6] “Agency: Putin and Kim Jong Un sign comprehensive strategic partnership agreement”, Reuters. 9 June 2024, Available at: https://2u.pw/l4itQb  

pira-21
تجدد ظاهرة القرصنة البحرية وتأثيراتها على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر
Trump-media
صراع لم يحسم: خلافات الرئيس "ترامب" والمؤسسات الإعلامية
IMFwBprotests
قروض صندوق النقد الدولي للدول الأفريقية ... الأهداف والمتطلبات
AGOA
تمديد قانون أجوا الأمريكي ... الأهداف والتداعيات
Scroll to Top