تفصل سبعة أيام فقط بين الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات الأمريكية، لكنها قد تكون مدة كافية بالفعل للكشف عن اختلاف جوهري وليس شكلي، بين شريكين، أحدهما قد يرى في استمرار الأزمة فرصة لإقناع الناخبين بعدم تغيير القيادة، والآخر قد يرى في احتوائها والتعامل معها فرصة لحماية حزبه من تداعياتها المتوقعة، بما قد يؤثر على مستقبل الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ومن ثم، فإنه من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط، وفي القلب منها منطقة الخليج، في انتظار ما ستأتي به الانتخابات الإسرائيلية التي ستُجرى يوم 27 أكتوبر 2026، وأيضًا نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر 2026، ولعل ذلك يُفسر مجمل ما يتم من اتصالات ولقاءات بين القوى الإقليمية الرئيسة، إلى حين إتمام الحدثين، وبعدها يُمكن تطوير مقاربات تجاه الأوضاع التي قد تشهدها المنطقة، سواء باستئناف العمليات العسكرية أو الانخراط مجددًا في مفاوضات وفق واقع جديد، سيتم تشكيله بناءً على نتائج الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة.
ومن هذه اللحظة وحتى اكتمال الحدثين، نُشير إلى جملة من الوقائع التي تتشكل، والتي من أبرزها أن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قد طلب من وزارة الحرب إعداد خيارات لضرب مواقع إيرانية قبل انتخابات التجديد النصفي، وهو ما يتناقض مع تصريحاته السابقة بأنه لن تتم مهاجمة إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، ويتناقض أيضًا مع الوضع الراهن الذي تواجه فيه الإدارة الأمريكية صعوبة في التوصل إلى مسار لإنهاء الحرب، مع تزايد الحديث عن وجود مخاوف أمريكية جادة بشأن نقص مخزونات الأسلحة والذخائر، ويعني ذلك بوضوح أن استمرار المواجهة مع إيران لا يمكن اعتباره مكسبًا انتخابيًا مضمونًا للرئيس “ترامب”، وعلى الرغم من الدعم الأمريكي لإسرائيل فيما يتعلق بالأهداف الأمنية والاستراتيجية الخاصة بالأخيرة، فإن أي تصعيد عسكري جديد قد يؤدي إلى ارتدادات أعمق وأكثر تأثيرًا، لا سيما تكريس الاضطراب في أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار الوقود، وهي ملفات وقضايا يمكن أن تنعكس على المزاج الانتخابي الأمريكي. في المقابل، فإن هذا المأزق الانتخابي الأمريكي قد تجد فيه إيران فرصة للمناورة السياسية وإطالة أمد التفاوض، بدلًا من تقديم تنازلات سريعة تمنح “ترامب” إنجازًا قبل عقد الانتخابات.
وعلى الجانب الآخر، استبعد رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” رسميًا شن ضربة استباقية ضد إيران قبل الانتخابات الإسرائيلية، معتبرًا أن توقيتها غير ملائم وأنه سيتحمل المسئولية السياسية عن أي رد إيراني مُحتمل، ويتزامن ذلك مع التحفظات التي أبدتها الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تجاه تنفيذ أي هجوم على إيران في المرحلة الحالية، حيث ستُعد نوعًا من التدخل السياسي في الانتخابات، كما أن اندلاع صراع موسع مع إيران قد يؤدي إلى تأجيل الانتخابات ارتباطًا بالردود الإيرانية المتوقعة والتي قد تشمل بنكًا ممتدًا من الأهداف في إسرائيل. وعلى الرغم مما أشارت إليه التقارير من قيام الجيشين الأمريكي والإسرائيلي بإعداد خُطط لتنفيذ هجمات مُكثفة ضد إيران، ووجود حالة من التريث الحذر في الوقت الراهن، فقد عزز الجانب الأمريكي والإسرائيلي من تنسيقهما الدفاعي والميداني، وقد التقى وزير الحرب الأمريكي “بيت هيجسيث” برئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، لمناقشة شن ضربات جديدة، في الوقت الذي تُعزز فيه الولايات المتحدة من تواجدها وأصولها العسكرية في المنطقة والتي تُمكنها من تنفيذ عمليات عسكرية بوتيرة متواصلة، كما تم تنفيذ طلعات جوية فوق العراق للتدرب على مناورات الهجوم، الذي يُتوقع أن يشمل بنى تحتية حيوية وذات أهمية استراتيجية، بما في ذلك منشآت الطاقة والقدرات النووية والعسكرية.
وفي كل الأحوال، ستتأثر احتمالات تنفيذ هذه الضربات ونتائجها بما ستُفضي إليه الاستحقاقات الانتخابية سواء في إسرائيل أم الولايات المتحدة، فاذا فاز “نتنياهو و”ترامب”، فإن سيناريو التصعيد سيكون حاضرًا بقوة، حيث أن بقاء “نتنياهو” في رئاسة الحكومة الإسرائيلية بالتزامن مع احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على الكونجرس إنما يعني وجود غطاء سياسي وعسكري واسع لتنفيذ ضربات إضافية لإضعاف النظام الإيراني، لكن هذا الغطاء سيتأثر بشدة في تراجع السيطرة الجمهورية على الكونجرس حتى وإن فاز “نتنياهو”، فقد يؤدي ذلك إلى تحجيم القدرة على شن هجمات أمريكية موسعة ضد إيران، وربما يتجه “نتنياهو” إلى الحلول المنفردة، التي عادةً ما تأتي بتوترات مع الجانب الأمريكي الذي سيكون في هذه الحالة أكثر ميلًا نحو إبرام تسوية مع إيران. أما في حالة الخسارة المزدوجة لمعسكري “نتنياهو” و”ترامب” فإن ذلك يعني بروز معادلات سياسية جديدة، والتي قد تتجه نحو تسريع وتيرة التهدئة، ومحاولة التوصل لتسوية حتى وإن كانت منقوصة.
ختامًا، فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية تُعد عاملًا حاسمًا في مستقبل الحرب ضد إيران وحالة الصراع في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، حيث أن تنفيذ هجمات موسعة ومكثفة ضد إيران سيؤدي بالأخيرة إلى ردود أكثر انتقامية، لن تقتصر فحسب على الأصول العسكرية والمصالح الأمريكية والإسرائيلية، لكنها قد تمتد لتشمل البنى التحتية الحيوية في دول الجوار، وكابلات الإنترنت البحرية، والتعطيل العمدي للحركة في الممرات البحرية.
