تحالف مكة في إيران، والبحث عن الاستقرار الإقليمي

29/10/2026

أجرى وفد من تحالف مكة زيارة إلى طهران يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، حيث التقى بكبار المسئولين الإيرانيين، وضم الوفد وزير الدفاع السعودي “الأمير خالد بن سلمان”، وقائد الجيش الباكستاني المشير “عاصم منير”، ورئيس الاستخبارات التركية “إبراهيم قالن”، وقد تضمنت المناقشات مجموعة متنوعة من القضايا بما في ذلك الحرب الأمريكية الإيرانية والهجمات الحوثية ضد السعودية، وخلُصت إلى أهمية استمرار الحوار بهدف تعزيز التعاون لا سيما فيما يتعلق بتحقيق السلام والأمن في المنطقة، كما أكد الجانب الإيراني على أن النقاشات كانت جيدة، وجرت وسط أجواء إيجابية.

وتُعد هذه الزيارة هي التواصل الأول من نوعه بين كبار المسئولين من الدول الأربع منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، وجاءت في ظل التفاعلات الإقليمية متسارعة الوتيرة، بما يضع تحالف مكة أمام اختبار جدي، ويُمكن فهم هذه الخطوة غير المسبوقة ارتباطًا بأربعة عوامل رئيسة، الأول: قدرة دول التحالف على التنسيق المشترك، والتحرك ككتلة واحدة، كخيار أكثر منطقية وتأثيرًا بدلًا من تعامل كل دولة على حدة مع إيران، الثاني: أنه على الرغم من الالتزام الباكستاني بتحالف مكة، فإنها لا تزال وسيطًا مفضلًا بالنسبة لإيران، وذلك في إطار جهود التهدئة مع الولايات المتحدة، الثالث: التأكيد المُضاعف على أن التحالف ليس موجهًا ضد إيران، حيث تكشف المناقشات في حد ذاتها عن وجود مرونة لدى دول التحالف في التعامل مع إيران، الرابع: أن انعقاد هذا الاجتماع قد يُفهم على أنه ضمن الاستعدادات السياسية لإيران في التعامل مع الهجمات الأمريكية المُحتملة، حيث ترغب في تأسيس دعم سياسي إقليمي يدفع الولايات المتحدة نحو عدم تنفيذ هجمات مجددًا ضد إيران.

إن وجود إرادة حقيقية لدى إيران، في المقام الأول، وتحالف مكة في استمرار التنسيق وعقد اجتماعات أخرى بحضور كبار المسئولين للخروج بتفاهمات وترتيبات سياسية، قد يؤدي إلى توفير البيئة المناسبة لإحداث اختراق في الأزمات الإقليمية، حيث ستصبح هذه الاجتماعات بمثابة قناة تنسيق واتصال إقليمية، تعمل على حلحلة الأزمات الكبرى، مثل أزمة مضيق هرمز أو مضيق باب المندب أو اليمن، وقد تتطور هذه القناة فيما بعد إلى شكل أكثر مؤسسية في صورة بنية أمنية إقليمية جديدة، تتسم بأنها أكثر مرونة، خاصةً أن إيران في هذه الحالة ستكون مضطرة للتعامل مع حقيقة أن الولايات المتحدة وحضورها العسكري وشراكاتها الأمنية والدفاعية في المنطقة لا يمكن التخلي عنها، مع الأخذ في الاعتبار أن بناء تفاهمات إقليمية تُخفف من الأعباء على الولايات المتحدة سيكون محل اهتمام وتشجيع من الأخيرة.

وعلى الرغم من هذ السيناريو المتفائل، فإنه من المرجح ألا يؤدي هذا النمط من التواصل بين إيران وتحالف مكة إلى نتائج فورية ملموسة، وهو ما يرجع إلى العديد من الاعتبارات، أبرزها: تباين القدرة الإيرانية على ضبط تصرفات الفصائل والميليشيات التابعة لها، لا سيما الحوثيين، بحيث يتم منعهم عمليًا من تنفيذ هجمات، وتعريض أي تفاهمات مُحتملة للخطر، فإيران وإن كانت داعمًا رئيسًا وتمتلك نفوذًا واضحًا، فإن ذلك لا يعني بالضرورة قدرتها في التأثير على القرارات الاستراتيجية لهذه الفصائل والميليشيات.

يُضاف إلى ذلك التأثير الواضح للعاملين الأمريكي والإسرائيلي، حيث تعيش المنطقة مرحلة جديدة مع واقع ونتائج الانتخابات الإسرائيلية ومن بعدها الأمريكية، التي يُتوقع أن تحمل ارتدادات عميقة على الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما أنها حملت العديد من المفاجئات وفق ما كشفته النتائج الأولية، حيث حل معسكر رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” في المقدمة بحصوله على 53 مقعدًا، بخلاف نتائج العديد من استطلاعات الرأي الإسرائيلية، إلى جانب التمثيل القياسي للأحزاب العربية، وقد تمتد هذه المفاجئات إلى أبعد من ذلك، بتمكن “نتنياهو” من تشكيل الحكومة، الأمر الذي يعني تكريس أوضاع جيوسياسية، يكون فيها صوت الحرب أعلى دويًا من محاولات السلام.

إن لجوء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الخيار الصفري من خلال توجيه ضربات مُنسقة ومكثفة ضد إيران بعد الانتخابات يعني بوضوح أن استخدام القوة العسكرية لا يزال خيارًا مفضلًا، كما أن آلة الحرب الأمريكية والإسرائيلية قادرة على إجهاض أي مسارات ومبادرات لتحقيق السلام الإقليمي، حيث سيؤدي تجدد الحرب ضد إيران إلى إقدام الأخيرة على توجيه هجمات على بعض دول المنطقة مرة أخرى، وربما نشهد هجمات أكثر ضراوة وفتكًا، خاصةً مع التحذيرات الإيرانية بتوسيع رقعة الحرب وبنك الأهداف إذا تعرضت لهجمات.

إن عودة الحرب والمواجهات تعني عمليًا تقويض مبادرة التهدئة الإقليمية التي انخرطت فيها إيران وتحالف مكة، وسنصبح حينها، وبحكم الأمر الواقع، أمام مبادرة “ولدت ميتة”. وفي هذه الحالة، ووفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية، سنكون أمام شرق أوسط مختلف وجديد، يتسم بضعف تماسكه، ومحدودية قدرة دوله الرئيسة على تشكيل نظام أمني إقليمي يستهدف تعزيز حالة الاستقرار وحل الأزمات، وأن حسابات المكسب والخسارة الضيقة لبعض الأطراف هي المحرك للتفاعلات ولإدارة المشهد السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط.

ختامًا، يمكن القول إن الاجتماع الذي عُقد في إيران مع دول تحالف مكة قد يُمثل “شبه فرصة” لتحقيق التهدئة النسبية في منطقة الشرق الأوسط التي تُعاني من سيولة سياسية وأمنية مُفرطة، ومن مستقبل محفوف بالكثير من المخاطر، نتيجة سلوك إيران والميليشيات التابعة لها، وآلة الحرب الأمريكية والإسرائيلية. ويعني ذلك أن الدول العربية مُطالبة بتبني تحركات مسئولة وسريعة لبناء موقف مُوحد ضمن استراتيجية عربية تواجه التهديدات القائمة والمستجدة للأمن القومي العربي، فمن غير المقبول أن يُكون رسم مستقبل المنطقة العربية وأمنها محصورًا على أطراف غير عربية، تُعلي من حساباتها ومصالحها الخاصة، دون النظر لما سببته سياسات بعض هذه الأطراف من تقويض لحالة الاستقرار الإقليمي.

general-Tarek-abd-El-azeem
نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، والمواجهات المُحتملة مع إيران
general-Tarek-abd-El-azeem
إلى أين تذهب المواجهات في منطقة الخليج؟
general-Tarek-abd-El-azeem
أكتوبر 2026، معركة التنمية والعبور الثاني للجمهورية الجديدة
general-Tarek-abd-El-azeem
إعادة تدوير الخيارات بين واشنطن وطهران
Scroll to Top