يترقب العالم افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر 2025، انطلاقًا من كونه الحدث الثقافي والسياحي الأبرز في مصر والعالم بأسره، حيث يُعد المتحف المصري الكبير أحد أهم الإنجازات المصرية في العصر الحديث؛ فقد أُنشئ وجُهز ليكون صرحًا حضاريًا وثقافيًا عالميًا متكاملًا، باعتباره أحد أكبر المتاحف في العالم، وليكون الوجهة الأولى لكل من يهتم بالتراث المصري القديم، حيث يضم المتحف آلاف القطع الأثرية النادرة التي توثق تاريخ مصر العظيم.
الفكرة الجوهرية:
بدأت فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير في تسعينيات القرن الماضي، وفي عام 2002 تم وضع حجر الأساس للمشروع، ليُشيد في موقع متميز يطل على أهرامات الجيزة الخالدة؛ وقد أعلنت مصر عن مسابقة معمارية دولية لأفضل تصميم للمتحف، وقد فاز التصميم المُقدم من شركة “Heneghan Peng Architects” الأيرلندية، وفي عام 2006، أُنشئ أكبر مركز لترميم الآثار بالشرق الأوسط، خُصص لترميم وحفظ وصيانة وتأهيل القطع الأثرية المُقرر عرضها بقاعات المتحف.
اختير موقع المتحف عند هضبة الجيزة، بحيث يطل مباشرة على الأهرامات الثلاثة، في مشهد يجسد عظمة الحضارة المصرية والرؤية تجاه المستقبل، كما شُيد مبنى المتحف المصري الكبير على مساحة تبلغ نصف مليون متر متربع، ليتضمن عددًا من قاعات العرض تُعتبر مساحة القاعة الواحدة منها أكبر من العديد من المتاحف الحالية في مصر والعالم.
هيمن تمثال رمسيس الثاني على البهو المعروف باسم “القاعة الكبرى” في المتحف المصري الكبير، وهو التمثال الذي ظل متواجدًا لنحو نصف قرن في قلب القاهرة قبل أن يُنقل بصعوبة كبيرة إلى موقع المتحف الجديد عام 2006، وقد خصص المتحف قاعات خاصة لعرض مجموعة الملك الذهبي توت عنخ آمون، التي تُعد الأكبر والأكثر اكتمالًا في العالم؛ حيث شملت المجموعة التي سوف تعرض أكثر من 5,000 قطعة أثرية تم اكتشافها داخل مقبرة الملك في وادي الملوك عام 1922. فيما اعتمدت طريقة عرض كافة هذه المقتنيات على تقنيات حديثة تُبرز تفاصيل حياة الملك الشاب، وتُقدم تجربة استثنائية للزوار؛ توفر من خلالها شرح تفصيلي عن الحياة المصرية القديمة.
مشروع متكامل:
يضم المتحف بين جنباته أماكن خاصة بالأنشطة الثقافية والفعاليات مثل متحف للأطفال، ومركزًا تعليميًا، وقاعات عرض مؤقتة، وسينما، ومركزًا للمؤتمرات، وكذلك العديد من المناطق التجارية، مما يجعل دوره ممتدًا، بحيث لا يقتصر على عرض الآثار فقط، ولكن أيضًا صرحًا للتعلم والترفيه.
ويُظهر المتحف المصري قدرة مصر على تحويل حضارتها الخالدة إلى قوة اقتصادية فعالة، تُسهم في دعم الاقتصاد الوطني، فمع بدء الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، فإنه من المُتوقع أن يُحدث نقله نوعية في القطاع السياحي في مصر، حيث يعتبر المتحف أحد أعمدة خطة مصر السياحية التي تهدف لمضاعفة أعداد السائحين والوصول إلى 30 مليونًا سنويًا بحلول عام 2031 وفقًا للمخطط الرسمي من وزارة السياحة.
ومعلوم أن مصر قد شهدت بالتزامن مع الافتتاح المرتقب للمتحف قفزة قوية في حركة السياحة، حيث استقبلت مصر نحو 15 مليون سائح في عام 2025، مسجلة بذلك نموًا بنسبة 21% على أساس سنوي، كما يُراهن القطاع السياحي مع الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير مطلع نوفمبر المقبل على مضاعفة عدد الزوار اليومي للمتحف من 5 – 6 آلاف زائر في الوقت الحالي إلى نحو ثلاثة أضعاف باعتباره أحد أهم المشاريع الثقافية والسياحية في العالم، بما يمثل نقطة تحول في خريطة السياحة الثقافية في مصر.
كما يُتوقع أن يسهم افتتاح المتحف الكبير في زيادة مدة إقامة السائحين داخل مصر، وتُفيد مؤشرات وزارة السياحة بأن المتحف قد يزيد هذه المدة من أربعة إلى خمسة أيام، نظرًا لكونه سيُدرج ضمن البرنامج السياحي للزوار، الأمر الذي من شأنه تحقيق مردود إيجابي على القطاع السياحي.
وما يُزيد من قدرة مصر على تحقيق مستهدفاتها هو عملية تطوير البنية التحتية للمنطقة المحيطة بالمتحف، حيث شهدت وجود أول مطار قريب من الأهرامات وهو مطار سفنكس، كذا إنشاء أول ممشى سياحي يربط بين المتحف المصري الكبير ومنطقة الأهرامات الأثرية، الذي يمتد لمسافة تُقدر بحوالي 1.27 كيلومتر، مع تعزيز الاهتمام بجذب الاستثمارات السياحية لهذه المنطقة، سواء لزيادة الطاقة الفندقية أم المشروعات الترفيهية والمطاعم بما يتناسب مع الطلب السياحي.
ويُثير ذلك الأمر مسألة أخرى تتعلق بالمردود الإيجابي للمتحف المصري الكبير، فمنذ بدء تنفيذ المشروع، تم توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة تشمل عاملين، ومهندسين، وغيرهم؛ علاوة على توفير فرص عمل بطرق غير مباشرة، حيث يرتبط مشروع المتحف المصري بأنشطة عديدة مثل النقل، الضيافة، الحرف اليدوية، الخدمات الفندقية والسياحية، التي تُتيح فرص عمل لقطاع كبير من الشباب، ومن المنتظر أن يُشكل افتتاح المتحف رسميًا دفعة قوية لسوق العمل في مصر، إذ تُشير التقديرات الأولية إلى أنه سيوفر ما لا يقل عن ألفي فرصة عمل مباشرة داخل المتحف ذاته، كما سيؤدي هذا الحدث العالمي لتعزيز الشعور الوطني لدى المصريين كافة، مع الأخذ في الاعتبار أن استغلال طاقات الشباب في المشروعات القومية الحيوية، التي يعد المتحف المصري الكبير جزءًا منها، يحولهم إلى قوة بناء فعالة داخل المجتمع.
جهود متزامنة:
يأتي افتتاح المتحف المصري الكبير لينضم إلى 43 متحفًا للآثار، منها 33 مفتوحًا للزيارة، و2160 موقعًا أثريًا، وذلك ضمن خطة الدولة لوجود متحف في كل محافظة، خاصةً مع تزايد معدلات السياحة الثقافية والتاريخية العالمية، وكون السياحة الثقافية ضمن الأنماط السياحية الأربعة التي وضعتها الدولة المصرية في استراتيجية الوصول إلى 30 مليون سائح
وقد شهد قطاع المتاحف في مصر نجاحًا كبيرًا وحققت الدولة معدلات نمو غير مسبوقة في هذا المجال منذ تولي الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، حيث نجحت الدولة المصرية في تحقيق طفرة فريدة من نوعها داخل هذا القطاع الحيوي المهم، فعلى سبيل المثال، تم افتتاح أول متحف للآثار في مدينة الغردقة، وآخرين في مطار القاهرة ومتحف في مدينة شرم الشيخ لربط السياحة الشاطئية بالثقافية، هذا إلى جانب متحف الحضارة المصرية في القاهرة التاريخية، الذي تم افتتاحه في احتفال ضخم خلال موكب “المومياوات الملكية”، فضلًا عن الجهود والفعاليات السياحية الأخرى التي حظيت باهتمام متابعة عالمية، أبرزها إعادة افتتاح طريق الكباش في الأقصر، الذي يربط معبد الكرنك بمعبد الأقصر.
وختامًا، ستحظى فعالية افتتاح المتحف المصري الكبير باهتمام واسع من قبل العديد من وسائل الإعلام على المستوى الدولي، حيث يترقبها العالم بشغف كبير لما يمثله من لحظة استثنائية وفريدة في مسيرة الحفاظ على التراث الإنساني، كما تعكس هذه الفعالية الجهود الضخمة التي بذلتها الدولة المصرية لتقديم نموذج متكامل، يُعزز مكانة مصر كمركز عالمي للحضارة والتاريخ، ويؤكد أن الحضارة المصرية ليست مجرد لحظات تاريخية، بل طاقة تستمر للحاضر والمستقبل.

