تشهد العلاقات الروسية ببعض دول حوض النيل في الوقت الراهن، تقاربًا ملحوظًا على الصعيد السياسي والأمني، فبعد أن نجحت روسيا في تعزيز تواجدها ونفوذها بمنطقة الساحل والصحراء وغرب أفريقيا، اتجهت نحو تعزيز حضورها بمنطقة دول حوض النيل، وهو ما عكسته اتفاقيات التعاون المشترك التي تم التوقيع عليها بين روسيا وبعض هذه الدول، لا سيما في مجال التعاون الدفاعي كما هو الحال مع أوغندا، وفي مجال التعاون الاقتصادي والطاقة المتجددة ودعم محاولات استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية في إثيوبيا، هذا بالإضافة إلى محاولة إنشاء قاعدة بحرية لوجيستية بالسودان على ساحل البحر الأحمر.
تعاون دفاعي مع أوغندا ورواندا:
تشهد العلاقات الروسية الأوغندية تطورًا متسارعًا خلال الفترة الأخيرة، لاسيما في مجال التدريب العسكري وتسليح القوات المسلحة الأوغندية بالمعدات والأسلحة المتطورة ودعمها بالتكنولوجيا العسكرية الحديثة، ومن المؤشرات الدالة على هذا التطور الإيجابي، تسلم أوغندا أسلحة ومعدات عسكرية روسية الصنع بقيمة حوالي 53 مليون دولار في أكتوبر 2025، في دلالة مهمة على الاهتمام الأوغندي بالاستفادة من الدعم العسكري والخبرات العسكرية الروسية لتعزيز القدرات العسكرية والدفاعية الأوغندية.
وفي شهر أبريل 2025، تسلمت القوات الأوغندية أيضًا معدات رسم خرائط طبوغرافية بقيمة 3 مليون دولار، وتُعد هذه التكنولوجيا الروسية أساسية للتخطيط والعمليات العسكرية، وكذلك في التطبيقات المدنية مثل التنمية الحضرية، والاستجابة للكوارث، والزراعة، وتخطيط البنية التحتية، وفي أغسطس 2024 تبرعت روسيا لأوغندا بحوالي 100 مليون دولار للقوات الأوغندية بناءً على تعليمات مباشرة من الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”.
كما أعلنت روسيا التزامها بتعزيز القدرات العسكرية لأوغندا وذلك عبر التخطيط لتأسيس مركز صيانة وإصلاح المعدات العسكرية ومساعدتها في بناء قدرات ذاتية لتصنيع الأسلحة داخل البلاد، وهو ما يعكس التطور الإيجابي الراهن في نمط العلاقات الأوغندية الروسية، وحرص روسيا على تقديم نفسها كشريك استراتيجي لأوغندا، بهدف إقامة علاقات استراتيجية، وقد انعكست قوة هذه العلاقات في امتناع أوغندا – إلى جانب تنزانيا من بين 17 دولة أفريقية – عن التصويت على مشروع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص[1] بإدانة الاحتلال الروسي لأوكرانيا ودعوة روسيا لإنهاء الحرب والانسحاب الفوري من أوكرانيا.
وفي إطار الاستراتيجية الروسية الخاصة بتعزيز تواجدها بمنطقة دول حوض النيل[2]، فإنها تعمل على توظيف علاقاتها العسكرية والدفاعية مع رواندا لتحقيق هذا الهدف، حيث تعمل روسيا على تعزيز القدرات العسكرية والأمنية لرواندا من خلال اتفاقية التعاون العسكري والأمني المشترك التي تم التوقيع عليها في عام 2017 بين الدولتين، بما في ذلك الإشراف الروسي على تدريب أفراد القوات المسلحة الرواندية، ورفع قدراتها العسكرية من خلال تزويدها ببعض الأسلحة والمعدات العسكرية (شاحنات عسكرية – صواريخ متوسطة المدى من طراز “بانتسير إس 1″، و”بوك إم 2”).
ويُتيح هذا الأمر لروسيا أن تصبح شريكًا استراتيجيًا لرواندا في ظل الانفتاح الرواندي على تنويع شركائها الدوليين بعيدًا عن الدول الغربية، وكمحاولة منها لموازنة الضغوط الغربية وتدخلاتها في الأزمة المتفاقمة بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية، وهو ما يدفع رواندا لمحاولة البحث عن شريك استراتيجي مثل روسيا كبديل يمكن الاعتماد عليه لتعزيز قدراتها العسكرية والتخلص من عبء الضغوط الأمريكية والغربية، ورغم ذلك لا يزال التعاون العسكري بين روسيا ورواندا مقتصرًا على الجوانب التكتيكية والتقنية، حيث لم يصل بعد إلى حد إقامة قواعد عسكرية روسية أو نشر قوات داخل رواندا.
دعم الطاقة النووية في إثيوبيا:
تعمل إثيوبيا على تطوير نمط علاقاتها الثنائية السياسية والاقتصادية مع روسيا، ففي شهر سبتمبر 2025 وقعت الحكومة الإثيوبية وشركة “روساتوم” الروسية خطة عمل لتطوير وبناء محطة طاقة نووية في إثيوبيا للأغراض السلمية، وذلك على هامش فعاليات أسبوع الطاقة الذرية العالمي (أكبر حدث عالمي مكرس لقطاع الطاقة النووية والصناعات المرتبطة به، ويتزامن هذا العام مع الاحتفال بالذكرى الـ 80 للصناعة النووية الروسية).
وتتضمن خطة العمل خريطة طريق فنية واقتصادية محددة المعالم، بما في ذلك مساعدة الحكومة الإثيوبية على بناء محطة نووية وتدريب روسيا للكوادر الإثيوبية من أجل مساعدتهم على تشغيل المحطة في إطار بناء خبرات إثيوبية محلية في مجال التكنولوجيا النووية، وقد تم الاتفاق على ذلك الأمر في فبراير 2025 عندما تم التوقيع على اتفاقية بين الحكومتين الروسية والإثيوبية على تنفيذ أول خريطة طريق لتسريع وتيرة تطوير البنية التحتية الإثيوبية لإنشاء محطة نووية.
وتسعى إثيوبيا للاستفادة من الخبرات الروسية لبناء محطة نووية، بهدف تعزيز المساعدات الفنية ونقل المعرفة، باعتبارهما عنصرين أساسيين لبناء برنامج نووي وطني مستدام، وذلك من خلال الدعم الذي تقدمه الوكالة لبعض القطاعات الاقتصادية الإثيوبية لاسيما الزراعة والصحة، حيث تحرص إثيوبيا على ضمان استمرار دعم الوكالة للمشروعات الإثيوبية في هذين القطاعين على وجه التحديد، والعمل على التوسع في استخدام التكنولوجيا النووية لتعزيز الإطار التنظيمي لضمان توظيفها للأغراض السلمية.
وتسعى إثيوبيا من خلال دخولها على خط استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية إلى تعزيز دورها ونفوذها الإقليمي، حيث ترى إثيوبيا أن التكنولوجيا النووية تمثل فرصة استراتيجية لها، إذ توفر طاقة منخفضة الانبعاثات، وتدعم الأمن الغذائي، وتمكن الأطباء، وتحسن إدارة المياه، وتمنح العلماء أدوات للابتكار، وبالتالي فإن ذلك يعد خطوة استراتيجية تجعل إثيوبيا شريكًا فاعلًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعة والابتكار.
كما تحرص روسيا على تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع إثيوبيا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما حوالي 191 مليون دولار خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025، هذا إلى جانب الاهتمام الروسي بضخ استثمارات مباشرة في عدد من القطاعات الاقتصادية المهمة داخل إثيوبيا، على رأسها قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة والبنية التحتية، وقد عزز من ذلك مخرجات اجتماع الدورة التاسعة للجنة الحكومية الإثيوبية الروسية للتعاون الاقتصادي والعلمي والفني والتجاري في 13 نوفمبر 2025، حيث تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات الاستراتيجية لتعزيز التعاون المشترك في مجالات الاقتصاد والمالية، وتكنولوجيا الطاقة، والنقل، بما يسهم .
قاعدة بحرية في السودان:
تحرص روسيا كذلك على تعزيز وجودها ونفوذها بمنطقة دول حوض النيل من خلال سعيها المتواصل لدفع الحكومة السودانية لتنفيذ الاتفاقية الموقع بين روسيا والسودان في عهد الرئيس السابق “عمر البشير” والخاصة بإقامة قاعدة بحرية لوجيستية روسية على البحر الأحمر في بورتسودان، مع منح روسيا الحق في نشر 300 عسكري و4 سفن في القاعدة، وفي المقابل تعمل روسيا على دعم الجيش السوداني بالأسلحة والمعدات الحربية اللازمة لتطويره، حيث تسعى روسيا لتعزيز نفوذها في منظومة البحر الأحمر لموازنة التحركات الأمريكية، في ظل التنافس الإقليمي والدولي على إيجاد موطئ قدم بمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي ودول حوض النيل.
وعلى الرغم من عدم توافر المناخ السياسي المناسب داخل السودان لتنفيذ الاتفاقية المذكورة مع روسيا، فإن الأخيرة تمارس ضغوطًا على الحكومة السودانية لتنفيذ هذه الاتفاقية، وهو ما انعكس في إعلان روسيا والسودان في فبراير 2025 عن التوصل إلى تفاهم كامل بخصوص إنشاء القاعدة البحرية الروسية، حيث أعلن وزير الخارجية السوداني سابقًا “علي الشريف” خلال زيارته لروسيا في ذلك الوقت، عن التوصل لتفاهم مع روسيا بشأن القاعدة البحرية، غير أن الاتفاق لم تتبلور ملامحه النهائية حتى الآن، في ظل استمرار الأوضاع العسكرية غير المستقرة في السودان.
أهداف منضبطة:
تسعى روسيا من وراء تحركاتها الراهنة بمنطقة حوض النيل إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتنوعة، من أهمها: تعزيز النفوذ السياسي والعسكري الروسي في القارة الأفريقية بصفة عامة، حيث تقدم روسيا نفسها على أنها شريك استراتيجي يمكن الوثوق فيه والاعتماد عليه لدعم سياسات ومواقف الدول الأفريقية المتعاونة معها، وأنها مصدر مهم لتحديث النظم العسكرية والدفاعية للقوات المسلحة بهذه الدول، عبر مساعدتها على رفع قدراتها العسكرية، ويساعد روسيا على ذلك التراجع الأمريكي والغربي النسبي في القارة الأفريقية.
كما تعمل روسيا على موازنة أدوار القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، في ظل التنافس المحتدم بين موسكو وواشنطن على تعزيز وتمديد النفوذ في دول القارة الأفريقية، وتعتمد روسيا في ذلك الأمر على توظيف مقاربة شاملة سياسية واقتصادية وأمنية تهدف إلى تعظيم المكاسب السياسية والاقتصادية والأمنية لكافة الأطراف وفقًا لمبدأ “الكل رابح”، وهو ما يضمن لروسيا التواجد بالقرب من الممرات البحرية الدولية، لا سيما في البحر الأحمر، وذلك لمساعدتها على الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية.
ختامًا، فإن التحركات الروسية الراهنة في دول حوض النيل تعبر عن سياسة خارجية ديناميكية، تهدف إلى تمديد النفوذ الروسي في الدول الأفريقية كافة، وعدم الاقتصار على منطقة الساحل والصحراء وغرب أفريقيا، ومع ذلك تواجه هذه التحركات عددًا من التحديات المختلفة، لا سيما الأوضاع الداخلية غير المستقرة في بعض دول حوض النيل، وكذلك التنافس الراهن بين القوى الدولية الأخرى على النفوذ في تلك المنطقة المهمة.
[1] تم م اعتماد القرار بأغلبية 141 صوتًا مقابل رفض 5 أصوات (بيلاروسيا، وجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، وإريتريا، والاتحاد الروسي، وسوريا) مع امتناع 35 دولة عن التصويت على قرار لإدانة الاحتلال الروسي لأوكرانيا والتأكيد على سيادة أوكرانيا على أراضيها، والدعوة للتسوية السياسية لهذه الأزمة.
[2] تعتمد الاستراتيجية الروسية لتعزيز تواجدها في دول حوض النيل على بعض الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، لا سيما إقامة علاقات استراتيجية وتحالفات مع دول حوض النيل، والاعتماد على إقامة مشروعات اقتصادية مشتركة، بالإضافة إلى توريد الأسلحة والمعدات العسكرية لهذه الدول، وضخ الاستثمارات المباشرة في عدد من القطاعات الاقتصادية الهامة مثل الطاقة المتجددة، والزراعة والبنية التحتية وبناء السدود المائية ومحطات توليد الكهرباء.

