العدد (103)

30/10/2025

الافتتاحية

لواء / طارق عبد العظيم

رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط

يصدر هذا العدد الجديد من مجلة أوراق الشرق الأوسط، متضمنًا موضوعات متخصصة متعلقة بمسارات العلاقات المصرية الإسرائيلية والدول العربية ومعادلة الشرق الأوسط والمخطط الإسرائيلي لتقسيم الشرق الأوسط، إضافًة لملف متخصص حول سباق الثروات الإستراتيجية كما يضم العدد دراسات متخصصة حول تحولات الإسلام السياسي والتوظيف السياسي للرسوم الجمركية في الإستراتيجية الأمريكية وتحولات النخبة الحاكمة في إثيوبيا والدبلوماسية الإيرانية في المغرب العربي إضافة لسلسة تقديرات متخصصة عن الأزمة السودانية والمشهد السوري والحضور الكوري الجنوبي في الشرق الأوسط وموقف الولايات المتحدة من الإخوان، وكذلك يتضمن هذا العدد عروضًا لبعض الكتب.

وقد تزامن صدور هذا العدد مع نجاح الدبلوماسية الرئاسية ومؤسسات وأجهزة الدولة المصرية وباقتدار في التوصل لاتفاق وقف اطلاق النار في قطاع غزة ما يؤكد على مهارة وكفاءة المفاوض المصري، وأن مصر قادرة بدورها المتجدد والمستمر في قطاع غزة بل المنطقة في تحقيق إنجازات متتالية، لن تتوقف عند حدود إبرام الاتفاق، بل ستمتد لتشمل التعامل مع مستجدات ما سيأتي به الاتفاق وتنفيذه على الأرض في ظل ما يجري من تطورات مفصلية ومهمة.

إن دخول الولايات المتحدة على الخط والعمل على بناء مقاربة سياسية وأمنية واقتصادية مهمة من خلال المبادرة الأمريكية يؤكد على أن الإدارة وشخص “ترامب” يريدان وبقوة حسم ملف الأمر في قطاع غزة بالتعاون مع الشركاء العرب ودعمهم خاصة الذين لعبوا أدوار مهمة في الوساطة مثل مصر وقطر والانتقال من مرحلة وقف إطلاق النار، وتسليم كل المحتجزين دفعة واحدة وعدم العودة لمراوغات جديدة من الجانبين، إضافة لحسم الكثير من النقاط العالقة بشأن إعادة ترتيب الأوضاع والتنسيق في المراحل التالية مع التوقع ببعض التعثرات المحتملة.

ولعل إدراك الجانب الدولي وفي القلب منه العربي – بفضل الجهد المصري الكبير – أصبح محور ما يجري من تحركات محسوبة للجانب المصري، ومن ثم يجب الاستثمار في هذا الأمر وتوظيفه بصورة كبيرة بما يحقق أعلي مكاسب للدولة المصرية في الفترة الراهنة ليس في ملف وقف اطلاق النار بل في ملفات أخرى على رأس الأولويات المصرية في الفترة الراهنة والمنتظرة والتعامل مع كل الأطراف الرئيسة والفرعية مع إفساح المجال أمام كل الأطراف لطرح الرؤى والمقاربات مع الاستعداد المباشر لتقديم الرؤية الأشمل والأكثر تنوعًا وتخصصًا على اعتبار أن مصر تلعب دور الوسيط المباشر والفاعل والأهم في سياق ما يجري.

رسائل مباشرة

تسعي مصر لتوجيه رسائل إيجابية للرئيس “ترامب” بأنها تدعم أي مبادرات لحل الأزمة في الأراضي الفلسطينية وتسويقها وأنها داعمة تمامًا لموقف الإدارة الأمريكية ولشخص الرئيس ترامب وفي هذا الإطار يجب العمل في توقيت محدد يتم الاتفاق بشأنه على الدعوة لحوار استراتيجي بين مصر والولايات المتحدة بما يسمح بالفعل بالعمل معًا في ظل مناخ جديد يتشكل انطلاقًا من غزة وبما يسمح بدور أمريكي مباشر في ملفات أخرى مثل الأمن المائي مع دراسة تقديم المقابل للجانب المصري وبما لا يخل بمحددات الأمن القومي المصري ونقل رسالة للإدارة الأمريكية مفادها أن دور مصر ليس فقط التوصل إلى هدنة إنسانية أو مرحلية أو تدريجية بل دور مصر يستند إلى وقائع وحقائق تاريخية بمعني الكلمة، وأنها يمكن أن تكون ضابط إيقاع ما يجري في الشرق الاوسط الأمر الذي سيلقي أعباء حقيقية على مصر ويحتاج إلى جهد كبير من مؤسسات الدولة المصرية.

ترتيبات أمنية

ستظل مصر الطرف المعني بأي ترتيبات أمنية أو استراتيجية قد تقدم عليها اسرائيل، وتؤثر على تبعات الامن القومي المصري بمفهومه الراسخ والاشمل ومن ثم فإن مصر ستتعامل بندية وواقعية وبما يحقق مصالحها السياسية والاستراتيجية وتدرك الأطراف العربية وعلي راسها مصر إن إسرائيل لها أولوياتها الراهنة (الأمن أولًا) قبل أي سيناريو مطروح والانتقال منه إلى مراحل أخرى بصرف النظر عما يطرح أمريكيًا وأوروبيًا لأن استتاب الأمر في غزة لن يتم بسرعة بل ربما سيأخذ وقتًا طويلًا وممتدًا ويحتاج إلى ضمانات كبرى، وليس مجرد إتمام مشروع اقتصادي، خاصة أن الوقت لن يسعف الرئيس ترامب لإتمام ما هو مخطط له وكذلك الجانب الإسرائيلي في ظل احتمالات تغيير الحكومة الراهنة بعد إجراء الانتخابات البرلمانية العام المقبل أي أن حجم المأمول المطلوب إتمامه في الفترة المقبلة داخل القطاع ليس سهلًا ويحتاج إلى مزيد من الوقت ليبقى الهدف الرئيس تثبيت وقف إطلاق النار وتجاوب الطرفين مع هذا الهدف والاستجابة لبعض مطالب كل طرف في ظل ضمانات يمكن أن يقدمها الجانب الأمريكي في صورة تعهدات لكل طرف والعمل على الخيارات القابلة للتنفيذ ومنها إيجاد دور للسلطة الفلسطينية ودور عربي واضح يتجاوز بالفعل دور ما هو قائم.

ستكون الدول العربية في حاجة لتحصين المشهد عبر قرار دولي يحظر على إسرائيل الدخول على الخط واستخدام العمل العسكري وتقويض مراحل الإعمار حال توافرت معلومات لأي نشاط – وهو أمر وارد – لعودة المقاومة الفلسطينية أو فشل السلطة الفلسطينية في إحكام سيطرتها على قطاع غزة أو دخول الأطراف الفلسطينية صراع على السلطة بعد الرئيس محمود عباس وما يمكن أن يتم في سياق المواقف العربية الراهنة والتي قد تتضارب مصالحها في حال دخول مشروع الإعمار حيز التنفيذ هذا بإفتراض المضي في سيناريو توافقي وليس تصادمي ما يؤكد على أن المشهد الراهن – وما سوف يؤدي إليه من مقدمات- قد يتم التعامل معه بواقعية سياسية حقيقية وليس مجرد التجاوب مع أي مقترح بما في ذلك مبادرة الرئيس ترامب حيث يبدو السيناريو المتشائم في تمكن اليمين المتطرف من إجبار الحكومة على إجراء انتخابات، أو استئناف العمليات العسكرية في مدينة غزة، وهو ما يُعيق تثبيت وقف إطلاق النار، خطط إعادة الإعمار والإلتزام بمسار مسار إقامة دولة فلسطينية، ويعيد النقاش حول الإبادة الجماعية مجددًا.

خطوات مرحلية

وفي المقابل ولكي يصل الاتفاق إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أي اليوم التالي في قطاع غزة، يتطلب الأمر إدارةً جيدة بالدرجة الأولى ويبدو أن إدارة ترامب ستعمل على تنفيذ الاتفاق بالكامل. لأن إنهاء الحرب في قطاع غزة أعظم إنجاز دبلوماسي للإدارة منذ عودة الرئيس إلى البيت الأبيض في يناير من هذا العام، ويأتي استكمالًا لجهد كبير بذلته القادة المصرية ومؤسساتها المعنية.

إن تنفيذ المرحلة الأولى والانخراط في المرحلة التالية من الاتفاق يُمهّد الطريق للحد من المخاطر الإقليمية، وهو في حد ذاته إنجاز اقتصادي، لكن من المتوقع أن يأتي هذا العائد بجرعات صغيرة ومدروسة، أولًا في قطاعي التأمين والشحن، ثم في قطاعي السياحة والتجارة، وأخيرًا، في حال الحفاظ على الهدوء وزيادة الثقة في العملية، سيزداد الاستثمار في البنية التحتية الإقليمية، ربما كجزء من عملية تعاون ودعم شاملة حيث تدخل مصر، مرحلة تنفيذ المرحلة الأولى وبدء المراحل التالية باتجاهات اقتصادية متباينة، فمن جهة، تشهد إيرادات النقد الأجنبي من قناة السويس، المصدر الرئيسي للاقتصاد، تراجعًا ملحوظًا منذ نهاية عام 2023، مقارنةً بانتعاش ملحوظ في السياحة خلال الموسم الماضي. ووفقًا للبيانات الرسمية، بلغت إيرادات مصر من قناة السويس في السنة المالية 2024-2025 (حتى نهاية يونيو الماضي)، حوالي 3.6 مليار دولار، بانخفاض يزيد عن 45% مقارنة بالعام السابق. وفي الوقت نفسه، ووفقًا للهيئات الدولية، فإن الإنخفاض أكبر ويتجاوز 60%. وفقًا لبيانات نُشرت سابقًا، انخفض عدد السفن العابرة للقناة إلى النصف، من حوالي 26 ألفًا في عام 2023 إلى حوالي 13 ألفًا في عام 2024.

مكاسب متوقعة

لاستعادة حركة المرور، خفضت هيئة القناة الرسوم، إلا أن البيانات تُثبت أن شركات الشحن الكبرى فضّلت الطريق الطويل عبر رأس الرجاء الصالح نظرًا للمخاطر التي يُشكّلها الحوثيون في البحر الأحمر وهو ما سيتغير بعد وقف الحرب والعودة للأصل ممثلًا في قناة السويس، ويشار إلى أنه وعلى الرغم من تأثير حرب غزة على الاقتصاد المصري، إلا أنه أظهر هذا العام بالفعل بوادر انتعاش فإلى جانب قطاع السياحة، أسهم استثمار دول الخليج في استقرار مصر، بضخّ عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع عقارية وسياحية. وبناءً على ذلك، من المتوقع أن يُسجّل الاقتصاد المصري نموًا بنحو 4% هذا العام (مقارنةً بأقل من 2.5% العام الماضي)، وأن يبلغ التضخم حاليًا 11.7%، وهو أدنى مستوى له منذ سنوات.

أن توقيع الاتفاق على وقف الحرب على قطاع غزة سيعمل على عودة حركة التجارة عبر قناة السويس كما كانت عليه قبل الحرب على غزة خاصة وأنها أحد أهم الممرات البحرية الملاحية في العالم، إضافة إلى زيادة الثقة في ممرات الشحن البحرية عبر البحر الأحمر بعد عودة الاستقرار الأمني بالمنطقة بالتزامن مع توقف هجمات الحوثيين كما أن توقف الحرب على قطاع غزة يسهم في تلاشي تأثير التوترات الجيوسياسية ، واستقرار الوضع الأمني على الحدود المصرية ، والتشجيع على زيادة إقامة استثمارات أجنبية إضافة إلى أن وقف الحرب يسهم في تقليل الإنفاق على دعم اللاجئين ما يخفف الضغط على الموازنة العامة.

رسالة أخيرة

ستظل الدولة المصرية تعمل وتنجز الكثير من المهام الصعبة ليس في غزة فقط وإنما في المنطقة بأكملها ولعل ما جرى في شرم الشيخ من إنجاز حقيقي يحسب للدولة المصرية بالفعل وينمي من حضورها الإقليمي والدولي بفضل الدبلوماسية الرئاسية وحيث تستعد القاهرة لاستضافة حوارًا وطنيًا فلسطينيًا شاملًا، سيبحث بشكل أساسي القضايا المصيرية المتعلقة بخطة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، لوقف الحرب في غزة ومستقبل القطاع، في ظل موافقة حماس على التنازل عن حكم إضافة لمؤتمر إعمار قطاع غزة بما يترجم التوجهات المصرية الإيجابية إلى تدابير وأفعال حقيقية وبفضل التخطيط غير المسبوق لمؤسسات الدولة المصرية.

أسأل الله أن يكون هذا العدد وبما تضمنه من موضوعات مهمة مفيدًا للجماعة البحثية وللباحثين في مختلف تخصصاتهم السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

العدد-103
العدد 102
العدد (102)
Cover 100
العدد (100)
99
العدد (99)
الغلاف
العدد (97) - عدد خاص
Scroll to Top