عوامل متشابكة: تجدد الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية

24/12/2025

تشهد منطقة شرق الكونغو الديمقراطية في الوقت الراهن تجددًا لأعمال العنف والمواجهات المسلحة، وذلك عقب قيام متمردو حركة “إم 23” بشن هجوم مسلح تمكنوا من خلاله من السيطرة على بلدة “أوفيرا” الواقعة قرب الحدود الكونغولية البوروندية، كما قامت بأسر مئات الجنود البورونديين، وذلك في أحدث تصعيد عسكري تقوم به الحركة بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية، منذ الاتفاق مع الحكومة الكونغولية على وقف إطلاق النار، والعمل على تسوية الأزمة عبر المفاوضات التي ترعاها كل من قطر والولايات المتحدة، وأسفرت عن توقيع “اتفاق الدوحة الإطاري للسلام”[1] في نوفمبر 2025، بين الحكومة الكونغولية ومتمردي “إم 23″، ثم التوقيع على اتفاق للسلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا[2] برعاية أمريكية في ديسمبر 2025،  إلا أن ما قام به المتمردون بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية، قد أثار التساؤلات حول مدى التزامهم بمسار السلام والتسوية، وتداعيات ذلك على الجهود الدولية التي بُذلت في هذا الإطار.

انتهاك اتفاق السلام:

جاءت سيطرة متمردو حركة “إم 23” على بلدة “أوفيرا” في اطار سعيهم لتوسيع النطاق الجغرافي لعملياتهم العسكرية بما يساعدهم على تعزيز السيطرة على المدن الاستراتيجية بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية، لا سيما أن هذه البلدة الواقعة على ضفاف بحيرة تنجانيقا، تعد مقرًا للحكومة المحلية التي عينتها كينشاسا في مقاطعة “كيفو الجنوبية” وقاعدتها العسكرية الإقليمية منذ سقوط عاصمة المقاطعة “بوكافو” في أيدي حركة “إم 23” في فبراير 2025، وبالتالي فإن السيطرة على “أوفيرا” يساعد المتمردين على التقدم إلى ما وراء “كيفو الجنوبية” ومن ثم إحكام سيطرتهم على المنطقة بالكامل، وتوظيف ذلك لتعزيز موقفهم التفاوضي في مواجهة الحكومة الكونغولية.

يُشير التصعيد العسكري الراهن إلى عدم التزام الحركة باتفاق الدوحة الإطاري للسلام الذي وقعته مع الحكومة الكونغولية في منتصف نوفمبر 2025 في قطر، والذي يعد مرجعية أساسية لعملية التسوية السياسية للأزمة المثارة بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية، خاصةً أنه يتضمن إجراءات عملية وجادة لتحقيق هذه التسوية. كما يعد انتهاكًا لاتفاق السلام الموقع بين كل من الكونغو الديمقراطية ورواندا في مطلع شهر ديسمبر 2025 في الولايات المتحدة برعاية الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وذلك في محاولة أمريكية لتعزيز دورها في حل الأزمات المثارة في القارة الأفريقية منذ سنوات، وبما يسهم في تفكيك عناصر الأزمة وفتح المجال أمام كافة الأطراف لإقامة علاقات تعاون إيجابية، لا سيما على الصعيدين الأمني والاقتصادي، وارتباطًا بأن منطقة شرق الكونغو الديمقراطية تزخر بالعديد من المعادن الاستراتيجية والثروات الطبيعية غير المستغلة حتى الان بالشكل الأمثل الذي يعظم من المكاسب الاقتصادية للأطراف المتنازعة.

ولا تعد هذه الانتهاكات لمسار السلام والتسوية سابقة في هذا الصراع الطويل والمعقد، حيث سبق التوصل لعدد كبير من الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها، ولم تنجح أي منها في تسوية الأزمة، ومنع المتمردين من ارتكاب المزيد من أعمال العنف المصحوبة بانتهاكات واسعة ضد المدنيين، بما في ذلك المجازر الجماعية والنزوح الجماعي. كما تعرض مسار السلام الراهن لعدة انتقادات، أبرزها عدم تعرضه لحقوق المدنيين المتضررين من هذا الصراع، بالإضافة إلى انتقاد بعض الأطراف الكونغولية لاتفاق السلام الموقع بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث رأوا أن توقيع الاتفاق دون إشراك ممثلين عن المجتمع المدني الكونغولي أو ممثلين عن ضحايا الانتهاكات، يثير الشكوك حول جدوى الاتفاق في تسوية الأزمة. يُضاف إلى ذلك حالة التشكك من الدوافع الأمريكية في تبني مسار السلام، وأنه موجهًا بشكل أكبر لتحقيق مصالح أمريكية، التي تتعلق باستعادة النفوذ المتراجع في القارة الأفريقية، والاستفادة من الثروات والمعادن الطبيعية المتوافرة بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية، حيث تُسهم الكونغو الديمقراطية بحوالي 70% من إنتاج الكوبالت العالمي، فضلًا عن كميات كبيرة من القصدير والتنجستن.

استمرار الدور الرواندي:

يُعد استمرار الدعم الرواندي لمتمردي حركة “إم 23” من الأسباب الرئيسة وراء تأجيج الصراع بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية وإطالة أمد الأزمة وتعقيدها بدلًا من تسويتها سياسيًا، حيث تُشير التقارير الأممية إلى تورط رواندا في تأجيج الصراع عبر تقديم الدعم السياسي والعسكري لمتمردي “إم 23” وتحالف نهر الكونغو، حيث يتواجد بتلك المنطقة ما يقرب من 5 آلاف إلى 7 آلاف جندي رواندي.

وقد دفع ذلك بالحكومة الكونغولية لاتهام رواندا مجددًا بعدم الالتزام باتفاق السلام الموقع معها في الولايات المتحدة، وطالبت مجلس الأمن الدولي بأن يتحمل مسئوليته تجاه الانتهاكات الرواندية المتواصلة والتي من شأنها تأجيج الصراع ، بل وجر المنطقة بأكملها إلى حرب إقليمية واسعة، وطالبت الكونغو الديمقراطية مجلس الأمن أيضًا بالضغط على رواندا للوفاء بالتزاماتها والاعتراف بحق الحكومة الكونغولية في الدفاع عن أراضيها وحقها السيادي في دعوة القوات البوروندية للدخول إلى الأراضي الكونغولية لمساعدة الحكومة على مواجهة المتمردين.

فيما أثار تقدم متمردي “إم 23” الأخير بالقرب من الحدود البوروندية وقيام المتمردين بأسر مئات الجنود البورونديين توترًا مع رواندا، حيث حذر سفير بوروندي لدى الأمم المتحدة “زيفيرين مانيراتانجا” من خطورة استمرار الهجمات العسكرية غير المسئولة على حدود بلاده، وأكد على أنه سيكون من الصعب تجنب التصعيد المباشر بين بلاده ورواندا. وفي المقابل، وجهت رواندا اتهامات لبوروندي بشن هجوم على أراضيها، كما امتدت الاتهامات الرواندية للحكومة الكونغولية بانتهاك وقف إطلاق النار، والادعاء بأن رواندا ملتزمة بالتنفيذ الكامل لاتفاق السلام الموقع في الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، فإن أسر متمردي “إم 23” لبعض الجنود البورونديين من شأنه أن يؤدي إلى زيادة التوترات السياسية بين رواندا وبوروندي، حيث ستعمل بوروندي على محاولة استعادة جنودها من أيدي المتمردين، وهو ما تزداد معه احتمالات اتجاه الأوضاع العسكرية في المناطق الحدودية المشتركة بين الدولتين نحو مزيد من التصعيد، وقد يستغل المتمردون ذلك الأمر لشن المزيد من العمليات العسكرية والتوسع الجغرافي والميداني بصورة أكبر، بما سيكون له تداعيات مباشرة على بوروندي التي تعاني في الوقت الراهن بسبب تزايد أعداد اللاجئين الكونغوليين الفارين من مناطق الصراع، حيث تُشير مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين إلى استقبال بوروندي لحوالي 84 ألف لاجئ في شهر ديسمبر 2025، وفي ذلك مؤشر مهم على تداعيات الصراع على الأوضاع الإنسانية المتفاقمة بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية.

ضغوط أمريكية:

مع استمرار الدعم الرواندي لمتمردي حركة “إم 23” وقيامهم بالسيطرة على بلدة أوفيرا بالقرب من الحدود البوروندية، تصاعدت حدة الانتقادات الأمريكية للدور الرواندي في تأجيج الصراع، حيث اتهمت الولايات المتحدة رواندا بتأجيج حالة عدم الاستقرار والحرب الدائرة في منطقة شرق الكونغو الديمقراطية، الأمر الذي دعا سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة “مايك والتز” خلال كلمته أمام مجلس الأمن الدولي في منتصف شهر ديسمبر 2025، لتوجيه اتهامات مباشرة لرواندا في هذا الخصوص، وتحذيرها من اتجاه الولايات المتحدة لاستخدام ما أطلق عليه “الأدوات المتاحة” (دون تحديد) لمحاسبة من يتورط في عرقلة السلام بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية. فيما أكد وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” أن رواندا انتهكت بشكل واضح اتفاق السلام المُبرم مع الكونغو الديمقراطية بوساطة من الرئيس “دونالد ترامب”، وتعهد باتخاذ إجراء غير محدد بعد تقدم قوات مدعومة من رواندا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وتعكس الاتهامات الأمريكية لرواندا، انخراطها المتزايد في أزمات القارة الأفريقية، في محاولة للتأكيد على فاعلية الدور الأمريكي في حل النزاعات والصراعات المثارة عالميًا، لا سيما في القارة الأفريقية التي تمثل ساحة للتنافس الأمريكي الروسي الصيني، بالإضافة إلى التأكيد على حقيقة الدور الرواندي الراهن بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية، وقد تلجأ الولايات المتحدة لفرض عقوبات جديدة على بعض المسئولين الروانديين، وذلك على غرار فرض عقوبات على وزير الدولة للتكامل الإقليمي في رواندا “جيمس كاباريبي” في شهر فبراير 2025، بسبب تورطه في دعم متمردي الكونغو الديمقراطية بالسلاح.

ختامًا، تُشير التطورات الراهنة إلى أن منطقة شرق الكونغو الديمقراطية مُقبلة على حالة من عدم الاستقرار، وذلك على الرغم من محاولات متمردي “إم 23” الظاهرية لوقف إطلاق النار والالتزام بالاتفاقيات الموقعة في كل من قطر والولايات المتحدة، حيث أعلنوا استجابتهم للضغوط الأمريكية وانسحابهم من بلدة “أوفيرا”، وأن ذلك يمثل إجراءً لإعادة بناء الثقة ودعمًا لاتفاق الدوحة الإطاري، لكن هذه الخطوة يمكن فهمها على أنها محاولة من قبل المتمردين لتجنب التعرض لعقوبات أمريكية ضدهم، لا سيما أن المتمردين أعلنوا انسحابًا مشروطًا لمراقبة وقف إطلاق النار من خلال نشر قوة محايدة، ونزع السلاح من البلدة وضمان حماية السكان المدنيين.في السياق ذاته، فإنه من المتوقع أن تواصل الولايات المتحدة ضغوطها على رواندا والمتمردين لتنفيذ اتفاق السلام الموقع تحت رعايتها، حيث تدرك واشنطن أنه بدون وقف الدعم الرواندي للمتمردين، فلن تتم تسوية الصراع بمنطقة شرق الكونغو الديمقراطية.


[1] يؤكد اتفاق الدوحة الإطاري للسلام على التزام الطرفين بمعالجة جذور الصراع عبر حوار منظّم، وتدابير لبناء الثقة، ونهج تدريجي لخفض التصعيد وتعزيز الاستقرار، كما يشدد على أهمية حماية المدنيين، واحترام حقوق الإنسان، وضمان العودة الآمنة والكريمة للنازحين، ودعم المصالحة الوطنية والوحدة.

[2] يشمل الاتفاق الموقع بين الكونغو الديمقراطية ورواندا برعاية الولايات المتحدة، التزامات أمنية متبادلة، من بينها تعهد الكونغو الديمقراطية بتفكيك جماعات المتمردين الروانديين مقابل التزام رواندا بوقف دعمها لحركة “إم 23” وسحب قواتها من المناطق الحدودية، إضافة إلى إنشاء آلية مشتركة لتبادل المعلومات والتنسيق الأمني.

123456
مجلس السلام: التوقيت والدلالات
321
قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026
russia-africa
فرص متاحة: التحركات الروسية في منطقة حوض النيل
chinaafrica
الحضور العسكري الصيني في غرب أفريقيا وانعكاساته على المصالح الأمريكية
Scroll to Top