رسالة مصر الرشيدة للإدارة الأمريكية، وتجاذبات أطراف المواجهات

01/04/2026

تراقب إسرائيل المشهد الراهن، وتعمل على عدة خيارات للتوصل إلى أهدافها الرئيسة في هذا الوقت، مع التأكد على عدم وجود أي تجاذبات مع الإدارة الأمريكية، على الرغم من أنها قائمة وموجودة، وبرزت مؤخرًا في اتجاه الإدارة الأمريكية لفتح مسار تفاوضي مع إيران.

تنطلق إسرائيل من حسابات حذرة، وتقييمات تسعي لتحقيق مكاسبها الكبرى وعدم تقبل أي نتائج سلبية على أمنها القومي، وفقا لرؤية ومقاربة لا تتغير، مفادها أهمية إنهاء الخطر الإيراني بصورة أو بأخرى، وعدم السماح لإيران بالتوصل للقنبلة النووية، مع تجميد البرنامج الصاروخي الذي لم يعد يهدد إسرائيل فقط، بل يُهدد أيضًا أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يتردد في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي بشكل مكثف.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية الحالية على هدف مركز وواضح، وهو الانتقال تدريجيًا من تقبل التنسيق مع الإدارة الأمريكية، إلى التحرك نحو تحقيق أهدافها الرئيسة، وإنجازها سريعًا، تخوفًا من توقف المواجهات بفعل المسار التفاوضي المُقترح، الذي سيتم تحت النار، ما يعني أن لإسرائيل فرصة حقيقية لاستمرار الأعمال العسكرية على المديين القصير والمتوسط.

يرى المستوى العسكري الإسرائيلي أن على الدولة العبرية تحقيق أمنها القومي، وألا تقدم أي تنازلات لأي طرف، وأن هذا الهدف يجب أن يظل له الأولوية الرئيسة في أي تفاهمات يمكن أن تتم، خاصةً مع الإدراك الإسرائيلي بأن إيران قد نجحت في تحقيق بعض أهدافها ولو بصورة رمزية، ويتضح ذلك في قدرتها على الوصول للعمق الإسرائيلي، حيث تفتقد إسرائيل بالفعل للكثير من مقومات الاستمرار، مع فشل النظم الدفاعية في التعامل مع الخطر الإيراني، مما قد يدفع إسرائيل بعد المواجهات الراهنة لتغيير زاوية التعامل وإعادة بناء قدراتها ودفاعاتها، اعتمادًا على تفاهمات وترتيبات معه الإدارة الأمريكية للحصول على المزيد من منظومات “ثاد”، ومراجعة الثغرات في منظومة القبة الحديدية،

ويدفع تيار داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حال توقف المفاوضات أو تعثر العمل العسكري إلى العودة لنمط حرب الظل، وهو ما كان متبعًا في فترات ما قبل المواجهة الأخيرة، الأمر الذي قد يُحقق لإسرائيل بعض المكاسب العسكرية، إلا أن تطورات ما ستنتهي إليه المفاوضات أو استمرار المواجهات سيكون حاسمًا لكثير من المسارات داخل إسرائيل

وتضغط إسرائيل باتجاه تقليل القيود الأمريكية على عملياتها العسكرية، في حين تُعرب الولايات المتحدة عن خشيتها من أن العملية البرية في إيران قد تفجر المنطقة، ويواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” جهوده لإقناع الإدارة الأمريكية بدعم موقف إسرائيل وعدم ممارسة ضغوط لوقف التوسع العسكري، في إطار استهدافه للبرنامج النووي والصاروخي الإيراني، كما تمضي إسرائيل قدمًا في توسيع بنك أهدافها العسكرية، وتحاول الحصول على دعم أمريكي (أو على الأقل القبول) بقيامها بعمليات برية أو جوية أعمق، في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة كبح جماح التصعيد الشامل.

وتعكس تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بشأن اقتراب انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران جملة من الرسائل الاستراتيجية المركبة، التي تتجاوز الإطار العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية وتفاوضية أوسع. فمن ناحية، يشير تأكيده على النجاح الكبير وتسريع وتيرة العمليات إلى محاولة ترسيخ سردية الحسم العسكري، بما يُعزز موقف الإدارة الأمريكية داخليًا ويمنحها أفضلية في أي مسار تفاوضي محتمل مع إيران، ومن ناحية أخرى، فإن الإشارة إلى أن الحرب “تقترب من نهايتها” تعكس إدراكًا أمريكيًا لتكلفة إطالة أمد الصراع، سواء على المستوى العسكري أم الاقتصادي أم السياسي، بما يدفع الولايات المتحدة نحو البحث عن مخرج منضبط يحفظ مكاسبها دون الانزلاق إلى استنزاف طويل الأمد، كما يُفهم من ذلك أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى الوصول لنقطة التوازن الاستراتيجي، حيث يتم ترجمة التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة.

وتشير تصريحات الرئيس “ترامب” بشأن إمكانية الانسحاب من إيران خلال فترة زمنية قصيرة دون الحاجة إلى اتفاق، تحولًا واضحًا في المقاربة الاستراتيجية الأمريكية من منطق إدارة الصراع طويل الأمد إلى تبني نموذج لضربة محدودة ثم الانسحاب، وهو ما يُشير إلى سعي واشنطن لتثبيت مكاسب عسكرية سريعة دون الانخراط في التزامات سياسية معقدة أو ترتيبات ما بعد الصراع، ومثل هذا التوجه يحمل في طياته محاولة لإعادة توظيف القوة العسكرية كأداة ضغط ظرفية وليست كوسيلة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بشكل شامل.

في هذا السياق، تسعى الإدارة الأمريكية إلى تسويق الخروج باعتباره إنجازًا اقتصاديًا، فبالرغم من أن هذا الطرح يتجاهل الطبيعة المركبة لسوق الطاقة العالمية، فإن الانسحاب غير المشروط يطرح تحديات جوهرية، أبرزها غياب الضمانات بشأن سلوك إيران المستقبلي، واحتمالية إعادة بناء قدراتها أو اللجوء إلى أدوات غير تقليدية لتعويض الخسائر، مما قد يؤدي إلى تقويض الاستقرار الإقليمي على المدى المتوسط. وعليه، فإن هذه التصريحات تعكس استراتيجية خروج تكتيكية تهدف إلى تقليل التكلفة وتعظيم المكاسب المرحلية، لكنها تظل استراتيجية محفوفة بمخاطر تآكل الردع الأمريكي وإعادة إنتاج بؤر التوتر في مرحلة ما بعد الانسحاب.

ومن الواضح أن الخلافات المستمرة بين الرئيس بزشكيان والحرس الثوري (والتي من أبرزها تعبير وزير الاستخبارات عن اتجاه نحو الهيمنة المطلقة للمؤسسة العسكرية لا سيما الحرس الثوري على مفاصل الدولة الأمنية) تعكس وجود محاولات لإضعاف الجناح المدني في الحكومة، ورسالة واضحة بأن الحرس الثوري لن يسمح بوجود أي ثغرة أمنية أو سياسية قد تستغلها الولايات المتحدة للتفاوض بعيدًا عن رؤيته المتشددة.

كما يتضح وجود اهتمام متزايد من قبل الصين وروسيا في جهود خفض التصعيد، الأمر الذي يكشف عن وجود مخاوف جادة جراء الحرب، لا سيما تعطل إمدادات النفط وزعزعة استقرار وأمن الممرات البحرية، وفي نفس الوقت عدم انفراد الولايات المتحدة بتحديد الطريقة التي ستنتهي بها الحرب، والتي قد تؤثر بالسلب على إيران.

ويكشف موقف الاتحاد الأوروبي أن هناك تباينا أوروبيا لافتا تجاه الحرب، لم يعد يقتصر على مناقشة حدود المشاركة العسكرية، بل امتد إلى إدارة آثارها السياسية الداخلية والخارجية في آن واحد. فبينما تتحول بعض العواصم إلى فرض قيود لوجستية على العمليات الأمريكية سعيًا لضبط مستوى الانخراط في الحرب عمليًا، بما يقلص التورط، ويفرض أعباءً تشغيلية إضافية على التحركات الأمريكية بصورة غير مباشرة، تجد حكومات أخرى نفسها مضطرة إلى احتواء ارتدادات الحرب على الجبهة الداخلية، سواء عبر سياسات ترشيد الطاقة أو عبر مواجهة توظيف الأزمة من قبل قوى شعبوية معارضة. ويعني ذلك أن الحرب لم تعد تختبر فقط تماسك الموقف الأوروبي تجاه الولايات المتحدة، بل أيضًا قدرة الحكومات الأوروبية على منع تزايد التكلفة الاقتصادية والاستراتيجية للصراع.

مجمل القول إن مواقف الأطراف المعنية محل تباين وتجاذب، ولهذا جاءت دعوة السيد الرئيس “عبد الفتاح السيسي” المباشرة للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بوقف الحرب في سياق رؤية مصرية بأن مفاتيح الحل والتهدئة، خاصة في مواجهة التصعيد العسكري الأمريكي أو الإسرائيلي ضد إيران، تقع بيد البيت الأبيض مباشرة. وتهدف الدعوة المصرية إلى منع انجرار المنطقة نحو حرب شاملة قد تؤدي إلى انهيار أمن الطاقة العالمي، كما تمثل هذه الدعوة دفعة لمسار الوساطة المصري، حيث تحاول القاهرة البناء على علاقتها الجيدة بالرئيس “ترامب” للضغط باتجاه العودة للتفاوض بدلًا من استمرار العمليات العسكرية، ولعل استخدام السيد الرئيس لغة خطابية تصف “ترامب” برجل السلام محاولة لتحفيزه على اتخاذ خطوة شجاعة بوقف إطلاق النار، كما حدث في وساطات سابقة.

general-Tarek-abd-El-azeem
ما بعد تمديد الهدنة: صراع المفاوضات وحدود التنازلات
general-Tarek-abd-El-azeem
فرص التهدئة والتصعيد في منطقة الشرق الأوسط
general Tarek abd El azeem
سيناريوهات مفتوحة: ماذا بعد هدنة الـ14 يومًا؟
general Tarek abd El azeem
كيف ستبدأ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تحت النار؟
Scroll to Top