سيناريوهات مفتوحة: ماذا بعد هدنة الـ14 يومًا؟

08/04/2026

تلقت دول منطقة الشرق الأوسط الإعلان عن توقف المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وبروز مسار سياسي جديد سيبدأ في باكستان، بقدر من التفاؤل الحذر، وسط حالة من الترقب لكيفية إدارة المشهد، وما قد تؤول إليه الأمور مستقبلًا.

تتمثل الأهداف الاستراتيجية لإدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في إعادة فتح مضيق هرمز بشكل فوري، وضمان أمن الملاحة فيه، بعد أن أثر إغلاقه على أسواق الطاقة العالمية، كما تسعى الولايات المتحدة لاستغلال الهدنة للوصول إلى اتفاق نهائي يضمن تفكيك قدرات إيران النووية (خاصة في نطنز وأصفهان وفوردو)، ومنعها من امتلاك سلاح نووي بشكل دائم، ووقف تمويل وتسليح الميليشيات والوكلاء التابعين لإيران في المنطقة، ووضع قيود على برنامج الصواريخ الباليستية، كما يؤدي هذا المسار السياسي إلى تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تضر بالاقتصاد الأمريكي، والسماح – ولو جزئيًا – بالترويج لسردية مفادها أن القوات الأمريكية قد “حققت” بل “تجاوزت” أهدافها العسكرية الأولية خلال الضربات السابقة.

في المقابل، تركز الأهداف الإيرانية – وفق ما طرحته على الجانب الأمريكي – على رفع العقوبات الاقتصادية والإلغاء الكامل لجميع العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة عليها، واستعادة الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. وتصر إيران على الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، وفرض سيادتها وتنسيقها الأمني على حركة المرور في مضيق هرمز، وبانسحاب القوات القتالية الأمريكية من كافة القواعد في المنطقة كشرط لاستقرار طويل الأمد ودفع تعويضات مالية عن الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية جراء الضربات العسكرية، ووقف الحرب على كافة الجبهات بما يشمل لبنان.

وفي سياق تحليل هذه الأهداف، يتضح أن الاتفاق قد أحدث نوعًا من الانقسام في الداخل الأمريكي، حيث هاجم زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ “تشاك شومر” الرئيس الأمريكي، معتبرًا تراجعه مؤشرًا على بحثه عن “مخرج” من تصعيد غير مسئول، وكان قد وصفه سابقًا بأنه “شخص مريض للغاية” يقود “حربًا اختيارية متهورة”. مما دعا عدد من الديمقراطيين في مجلس النواب، بينهم رئيس المجلس السابق “نانسي بيلوسي”، إلى عزل “ترامب”، سواء عبر إجراءات المساءلة أم تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور، معتبرين أن تصريحاته تمثل خطرًا على الأمن القومي.

ويعكس الموقف الأمريكي من الحرب مع إيران حالة مركبة تجمع بين التصعيد القسري والبحث عن مخرج تفاوضي، وهو ما يمكن تفسيره ضمن إطار إدارة أزمة عالية المخاطر أكثر من كونه استراتيجية حرب تقليدية متماسكة. يُشير قبول وساطة أطراف مثل باكستان، مع وجود تأثير صيني غير مباشر، إلى أن الولايات المتحدة لا تقوم بإدارة الأزمة بشكل أحادي بالكامل، بل ضمن توازنات دولية معقدة، ويعكس ذلك إدراكًا لمخاطر الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع قد يستدعي تدخل قوى كبرى أخرى، كما يتضح تزايد في التحركات السياسية والدبلوماسية للدول الخليجية في الفترة التي سبقت الإعلان عن وقف إطلاق النار، لا سيما مع الفشل في تأمين موافقة مجلس الأمن على إلزام إيران بوقف عرقلة حرية الملاحة في مضيق هرمز.

ومن الواضح أن إيران قد انتقلت من التهديد بإغلاق مضيق هرمز إلى فرض “بروتوكول الممر الآمن” تحت إشرافها الكامل، كما توضح تصريحات المسئولين الإيرانيين أنها لم تفتح المضيق بالمجان، بل حولته إلى مكتب جمارك سيادي يمنح العبور لمن ينسق معها فقط ولمدة مؤقتة. يعني هذا الاتجاه أن إيران قد نجحت في انتزاع اعتراف دولي وأمريكي واقعي بولايتها على المضيق، محولة إياه من فتيل حرب إلى أداة لإدارة التهدئة وفرض الشروط، ويمثل التعاطي الأمريكي مع ورقة المطالب الإيرانية التي تضمنت حقها في التخصيب وإنشاء صندوق لتعويض الخسائر الإيرانية، انكسارًا لاستراتيجية الضغط الأقصى للإدارة الأمريكية، حيث قايضت إيران الالتزام بعدم امتلاك سلاح نووي بمكاسب اقتصادية وشرعية دولية لبرنامجها النووي، مما يعني أن الحرب التي أرادها الرئيس “ترامب” لتقويض قدرات إيران انتهت بمأسسة هذه القدرات واعتراف أمريكي بها.

وبالرغم من إعلان اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، فإن إصرار إسرائيل على استثناء لبنان ومواصلة الضغط العسكري على إيران يحمل مخاطر جيوسياسية وأمنية كبرى، وقد تجد إيران نفسها مضطرة للرد إذا استمرت إسرائيل في استهداف حلفائها مثل حزب الله، أو استهدفت أراضيها بذريعة “الدفاع الاستباقي”، مما يُنهي الهدنة قبل اكتمال أسبوعها الأول، كما أن إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” على أن الاتفاق لا يشمل لبنان قد يدفع حزب الله لتوسيع دائرة قصفه لتشمل العمق الإسرائيلي تل أبيب وحيفا، بشكل غير مسبوق، لفرض معادلة ردع جديد، وسيتعامل حزب الله مع إسرائيل بمنطق الاستمرارية في المواجهة، مستندًا إلى أن الجبهة اللبنانية لم تكن جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار. وإذا قامت إسرائيل بعمل عسكري كبير يقوض وقف إطلاق النار، فقد يؤدي ذلك إلى توتر حاد مع الإدارة الأمريكية التي تسعى لتحقيق “نصر دبلوماسي” سريع وهدوء إقليمي.

يرى المستوى العسكري الإسرائيلي أن منح إيران مهلة أسبوعين للتفاوض هو بمنزلة “هدية مجانية” تسمح لإيران بإخفاء معدات نووية أو تحصين منشآتها، ومن المتوقع حدوث ضغط إسرائيلي عبر الكونجرس ووسائل الإعلام لتقصير أمد المفاوضات وفرض خطوط حمراء قد لا تقبلها إدارة “ترامب” الراغبة في حل سياسي سريع.

فيما ستتعامل إسرائيل مع أي تطورات مستقبلية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران انطلاقًا من المعارضة العلنية الشديدة، والمطالبة بتعويضات عسكرية ضخمة، مع الاحتفاظ بحرية التحرك الميداني لتعطيل البرنامج النووي الإيراني بشكل مستقل. وستؤكد إسرائيل على أنها غير ملزمة بأي اتفاق نهائي قد يتم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران، وستتعامل مع الأخيرة من خلال العمليات السرية، وذلك من حيث الاستمرار في استهداف البرنامج النووي الإيراني عبر الهجمات السيبرانية أو العمليات التخريبية والتهديد بالضربة العسكرية من خلال الحفاظ على خيار الهجوم العسكري المباشر كملاذ أخير لمنع إيران من الوصول للقنبلة النووية.

يعكس ذلك حقيقة مفادها أن أي اتفاق نهائي لا يتضمن “تفكيكًا فعليًا” للبنية التحتية النووية الإيرانية هو مجرد “تأجيل للمواجهة” بين إسرائيل وإيران، ويعني أيضاَ أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في حالة تأهب لشن عمليات عسكرية لإضعاف النظام الإيراني ومنعه من إعادة بناء قدراته. ولهذا، ستتعامل إسرائيل مع اتفاق وقف إطلاق النار كاستراحة محارب مؤقتة، وبمزيج من الدعم الحذر المشروط، بالتزامن مع الاستمرار في التصعيد على جبهات أخرى، مع التركيز على حماية أهدافها الاستراتيجية بعيدًا عن القيود الدبلوماسية الأمريكية، لكنها سترفض تقييد يدها في لبنان أو التنازل عن هدفها النهائي المتمثل في تقويض القدرات الاستراتيجية الإيرانية.

ختامًا، يتضح أن منطقة الشرق الأوسط أمام سيناريوهات متداخلة ومشاهد قد تتطور في المستقبل القريب، خاصة أن مرحلة بناء الثقة بين الولايات المتحدة وإيران ستحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد، ومن المبكر الحديث عن وجود رابح / خاسر مما يجري، لكن الأكيد هو وجود ارتدادات على الأمن القومي العربي، وتفاعلات القوى الرئيسة في المنطقة، وتوجهاتها في المستقبل.

general Tarek abd El azeem
رسالة مصر الرشيدة للإدارة الأمريكية، وتجاذبات أطراف المواجهات
general Tarek abd El azeem
كيف ستبدأ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تحت النار؟
general Tarek abd El azeem
بعد اليوم الـ 18: المشهد الراهن سياسيًا واستراتيجيًا في إطار المواجهات الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية
general Tarek abd El azeem
المشهد الراهن بعد 13 يومًا من مواجهات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران
Scroll to Top