شهدت الأيام الأخيرة استمرار حالة الهدنة وسط مفاوضات متعثرة، بعد صراع واسع شمل مواجهات عسكرية مباشرة بين الأطراف الثلاثة الولايات المتحدة – إسرائيل – إيران. وقد التزمت الإدارة الأمريكية باتفاق وقف إطلاق النار، وقادت – عبر لقاءات في باكستان – محاولات التوصل إلى ترتيبات دائمة لإنهاء الحرب، إلا أن البيت الأبيض يواجه مطالب محددة من الجانب الإيراني تعرقل التقدم، حيث تضع إيران شروطًا صعبة للتخلي عن طموحاتها النووية أو نفوذها الإقليمي، ورغم الالتزام بالهدنة، فقد هددت إيران بتصعيد الضغوط في مضيق هرمز حال انهيار المفاوضات أو استمرار الهجمات الإسرائيلية على حلفائها.
وفي الوقت ذاته، تعمل الإدارة الأمريكية على ضمان عدم ضم جبهة لبنان إلى اتفاق وقف إطلاق النار الحالي مع إيران، فيما يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” انتقادات داخلية حادة بسبب ما وُصف بفشل الحرب في تحقيق أهدافها، وسط إشارات مهمة عن محاولاته “تخريب الهدنة” والاستمرار في العمليات العسكرية. وتواصل إسرائيل غاراتها المكثفة على لبنان، معارضةً شمول الأراضي اللبنانية في أي اتفاق تهدئة يتم التفاوض عليه مع إيران التي تصر على مقترحات مستدامة لإنهاء هذه الحرب.
وقد جاءت ردود الفعل الإسرائيلية تجاه وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران كاشفة وبعمق عما يجري في الداخل الإسرائيلي، الذي يسعى بقوة إلى التعامل مع الحالة الإيرانية بشكل كلي، وعدم إتمام العمليات العسكرية على حزب الله فقط، من منطلق أنه الفرع وليس الأصل، وفي إطار هذا التوجه كان الهجوم غير المسبوق على “نتنياهو” وحكومته من قبل المعارضة الإسرائيلية، إلى جانب تأكيد المستوى العسكري بضرورة استكمال العمليات ضد إيران، وعدم ترك الولايات المتحدة لتقرر مستقبل العلاقات مع إيران بصورة منفردة.
ستظل إسرائيل تراهن على التعامل الحاسم مع إيران على اعتبار أن كل ما يجري مع الجبهات الأخرى سيمثل خطرًا حقيقيًا على قضية الوجود للدولة الإسرائيلية، وأن إسرائيل هي من تقرر أمنها وليس الولايات المتحدة، ورغم إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، فإن إصرار إسرائيل على استثناء لبنان من هذا الاتفاق ومواصلة الضغط العسكري يحمل مخاطر جيوسياسية وأمنية كبرى، لكنه في الوقت ذاته يلبي المتطلبات الأمنية لإسرائيل.
وقد تجد إيران نفسها مضطرة للرد إذا استمرت إسرائيل في استهداف حلفائها مثل حزب الله أو استهدفت أراضيها بذريعة الدفاع الاستباقي، مما قد ينهي الهدنة واقعيًا، ومن المتوقع حدوث ضغط إسرائيلي عبر الكونجرس ووسائل الإعلام واللوبي الداعم لإسرائيل في الولايات المتحدة، بهدف لتقصير أمد المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وفرض خطوط حمراء لا تقبلها إدارة الرئيس “دونالد ترامب” الراغبة في حل سياسي سريع. ولهذا، ستظل إيران الهاجس الأكبر لإسرائيل ولن تتغير استراتيجية التعامل في الوقت الراهن، بل قد تتطور وفق رؤية إسرائيل لتحقيق أمنها القومي.
وقد أسفرت المحادثات التي عُقدت في الولايات المتحدة مؤخرًا عن خطوة مهمة بين إسرائيل ولبنان لبدء مفاوضات مباشرة تستهدف وقف الحرب والوصول لسلام دائم – كانت أول مفاوضات بينهما عام 1993، واتفق خلالها الجانبان على إطلاق مسار تفاوضي مباشر برعاية أمريكية – وقد حققت لبنان مكسبًا دبلوماسيًا بمحاولة فصل مساره التفاوضي عن المسار الإيراني الأمريكي، لاستعادة قرار “الحرب والسلم” للدولة اللبنانية، ورغم الأجواء الإيجابية في الولايات المتحدة، ما زالت هناك فجوة عميقة في المقاربات، حيث تركز المطالب الإسرائيلية على نزع سلاح حزب الله بالكامل كشرط أساسي لأي اتفاق سلام وإنشاء منطقة أمنية عازلة تمتد حتى نهر الليطاني بعمق 30 كم داخل الأراضي اللبنانية، في حين تتركز المطالب اللبنانية في وقف فوري لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها مؤخرًا بجنوب لبنان والحصول على ضمانات دولية لإعادة الإعمار والتمسك باتفاقية الهدنة لعام 1949.
ومن المتوقع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية على لبنان بالتوازي مع المسار السياسي للضغط على الجانب اللبناني، حيث كثفت إسرائيل غاراتها تزامنًا مع المباحثات في الولايات المتحدة، كما يواجه الاتفاق تحديات كبرى في الداخل اللبناني، حيث يرفض حزب الله هذه المفاوضات المباشرة ويعتبرها “عديمة الجدوى”، وسط احتجاجات من أنصاره في بيروت، كما يرتبط نجاح هذا المسار بشكل وثيق بنجاح المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران؛ فإذا فشلت الأخيرة، فقد يعود التصعيد الميداني عبر الحرس الثوري الإيراني وحلفائه في المنطقة.
في كل الخيارات المحتملة، فإن الإدارة الأمريكية ستظل تعمل في اتجاه محاصرة الحركة الإيرانية، خاصةً أن الجانب الأمريكي لم يُسقط من حساباته احتمالية تجدد الحرب والمواجهات، بدليل إرسال الولايات المتحدة آلاف القوات الإضافية إلى الشرق الأوسط خلال الأيام المقبلة، إلى جانب ما قرره الرئيس “ترامب” من فرض حصار بحري على مضيق هرمز وكل الموانئ الإيرانية، بما يعني عمليًا فرض حصار على الحصار، لأنه سيحرم إيران نفسها من الاستفادة من المضيق ويشل جميع صادراتها النفطية وغير النفطية، وبالتالي خنق اقتصادها بشكل كبير، وتُشير التقديرات إلى أن إيران قد حققت أرباحًا يومية من بيعها للنفط بلغت نحو 45 مليون دولار، لكن الحصار الأمريكي سيمنع عمليًا استمرار هذه الأرباح، الأمر الذي سيمتد ليشمل الدول الأخرى المُستفيدة من النفط الإيراني مثل الصين. وتأتي هذه التحركات الأمريكية في إطار سياسة الضغط على إيران وحلفائها للتوصل إلى اتفاق والتخلي عن تمسكها بمطالبها الصعبة.
وتبقى الإشارة إلى ما يجري أمريكيًا، حيث لم تقتصر تكلفة حرب إيران في الداخل الأمريكي على ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، فمن المحتمل أن تتخطى تكلفة الحرب سقف المائة مليار دولار، وسط انشقاقات جمهورية تضغط على الرئيس “دونالد ترامب”، وبينما أظهرت الأرقام الأولية أن البنتاجون طلب من البيت الأبيض مبلغ 200 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب، إلا أن الإدارة الأمريكية لن تطلب مبلغًا بهذا القدر من الكونجرس بسبب الانقسامات الحزبية التي من شأنها أن تُعرقل إقرار هذا المبلغ الضخم، لاسيما مع قرب الانتخابات النصفية التي ستُربك الصف الجمهوري، وتدفع أعضاء الحزب إلى توخي الحذر لدى التصويت على هذه المبالغ في وقتٍ يعاني فيه الناخب الأمريكي من التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب.
مجمل القول، إن فرص التسوية السياسية معادلة تمامًا لفرص تجدد العمليات العسكرية مرة أخرى، حيث ما تزال الحلول العسكرية تستبق أي خيارات سياسية جاري العمل عليها، وهو الأمر الذي يتطلب تنسيقًا وحوارًا مستمرًا بين كل الأطراف العربية، وفي القلب منها مصر، باعتبارها من توجه بوصلة التحرك مع أشقائها العرب.
