الجدار الفولاذي: “خطة ترامب” في محاصرة إيران وبدائل التعامل الأمريكي

13/08/2026

أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أن الولايات المتحدة تُسيطر بشكل كامل على مضيق هرمز، ووصف الحصار المفروض على إيران بأنه جدار فولاذي، ولا يوجد ما تستطيع إيران فعله حيال هذا الحصار، حيث تراجعت قدراتها العسكرية، كما تراجعت الأوضاع الاقتصادية بصورة لافتة. في المقابل، أشارت تقارير إلى أن إيران لم تُجر مفاوضات مع الولايات المتحدة من أجل تمديد وقف إطلاق النار، بل ولوحت بقدرتها على إطالة أمد الحرب والمواجهات واستنزاف الولايات المتحدة.

يأتي هذا التصعيد الخطابي في الوقت الذي تُبذل فيه جهودًا حثيثة بهدف التهدئة واستعادة مسار المفاوضات والسلام بشكل جدي، لكن هذه الجهود تعرضت لانتكاسة بسبب بروز بعض العراقيل وذلك في إطار معركة السيطرة على مضيق هرمز، ففي الوقت الذي بدا فيه حدوث انفراجة في هذه المسألة بعد اقتراب إيران وسلطنة عُمان من التوصل إلى اتفاق بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، وكان الحديث يدور حول الفتح الوشيك للمضيق واستعادة حركة الملاحة، أعلنت إيران عن مجموعة شروط يجب على الولايات المتحدة تلبيتها قبل إعادة فتح ممرات الملاحة عبر المضيق، لا سيما رفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المُجمدة.

يُشير ما سبق إلى أن المفاوضات “غير المباشرة” بين الولايات المتحدة وإيران تشهد حالة من التعثر والجمود الدبلوماسي، بالرغم من جهود الوساطة المبذولة، لا سيما من قبل قطر وباكستان، كما أنه في حالة استعادة المفاوضات مرة أخرى فستشهد قضايا وإشكاليات جديدة لم تكن تحظى بأولوية من قبل. فعلى سبيل المثال، أصرت إيران على مطلب دفع تعويضات لها عن الأضرار التي لحقت بها جراء الهجمات الأمريكية، وهو الأمر الذي قابلته الولايات المُتحدة بمطلب مماثل، حيث أكد الرئيس الأمريكي “ترامب” أنه سيتم مطالبة إيران بتعويضات عن الخسائر الأمريكية طوال 50 عامًا. وهو ما يعني أن دفع التعويضات أو بمعنى آخر تكلفة الحرب سيكون محل شد وجذب بين الولايات المتحدة وإيران.

كما يبدو أن طرفي الحرب يلعبان على عامل الوقت، حيث تنظر إيران إلى استمرار توقف الملاحة عبر المضيق باعتباره أحد عوامل الضغط على القوى الإقليمية والدولية، وذلك بالنظر إلى أهمية المضيق الذي يُعد شريان الطاقة الرئيس الذي يربط إنتاج دول الخليج بالأسواق العالمية، في حين ترى الولايات المتحدة أن استمرار الحصار على إيران يفرض ضغوطًا كبرى على الاقتصاد الإيراني المُنهك بالفعل، ويُزيد من الغضب الشعبي تجاه النظام، ويعمل بصورة غير مباشرة على تعزيز موقع التيار الإصلاحي الداعم للمفاوضات مع الجانب الأمريكي، بهدف تخفيف العزلة السياسية والاقتصادية التي تُعاني منها إيران، وتحسين المستويات المعيشية للمواطنين.

إن “التعنت” و”التمسك” بالمطالب هو ما يحكم الموقف الراهن بين الولايات المتحدة وإيران، بدليل استمرار جهود الوسطاء للتوصل لأرضية مشتركة وحلول وسط لحلحلة الموقف. ويعني أيضًا أن التوصل لاتفاق أو ترتيبات مرحلية ليس وشيكًا مثلما كان يبدو في السابق. ويُثير ذلك مسألتين رئيستين، تتعلق الأولى بالتراجع الحاد في المصداقية والثقة بين الولايات المتحدة وإيران، وبالتالي فإنه حتى وإن تم التوصل لتفاهمات حول بعض القضايا العالقة، لا سيما القضية الأبرز في الوقت الراهن وهي عودة الملاحة في مضيق هرمز، فإن غياب الثقة يعني بوضوح الحاجة لضمانات إضافية لضمان الالتزام بتنفيذ ما قد يتم التوصل إليه، وعدم توظيف المضيق مرة أخرى في إطار الصراعات التي تزخر بها المنطقة.

وتنصرف الثانية إلى طبيعة الخيارات والقدرات الحقيقية التي يملكها كل طرف في مواجهة الآخر، وذلك في حالة استمرار الجمود الراهن دون أن يلوح حل في الأفق. فإيران لا تملك عمليًا أدوات ضغط جديدة تتجاوز ما كانت تملكه في السابق، وتنحصر خياراتها في استمرار وقف الملاحة في مضيق هرمز، والعودة لاستهداف بعض دول المنطقة ضمن نهج استنزاف القوات الأمريكية، وتأليب وتحريك حلفائها الإقليميين لا سيما الحوثيين في اليمن.

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة خيارات أكثر تأثيرًا، ففي مواجهة الأوضاع الراهنة، يُمكن للولايات المتحدة الاستمرار في تعزيز قبضتها وحصارها على إيران، من منطلق أن الضغط الاقتصادي يُسهم بصورة فاعلة في استنزاف النظام الإيراني وتقويض هامش حركته، داخليًا وخارجيًا. كما يُمكن للولايات المتحدة اللجوء إلى تنفيذ ضربات سواء كانت محدودة من أجل تعزيز الضغط على إيران ودفعها للتجاوب بصورة أكثر عملية مع مسار التفاوض، أم ضمن هجوم جوي شامل مثلما كان يُهدد الرئيس الأمريكي “ترامب” في الأسابيع الماضية، وذلك في حالة توصل الإدارة الأمريكية إلى تقييم نهائي بأن المفاوضات لن تكتمل، أو أن نهج التفاوض مع إيران بالتوازي مع الضغط الاقتصادي لن يُسفر عن تحقيق النتائج المرجوة بالنسبة للجانب الأمريكي.

وفي حالة إقدام الولايات المتحدة على هذا الخيار، ونجاحها بالفعل في “انتزاع” مكتسبات إضافية من إيران، فإن ذلك سيُمكن الإدارة الأمريكية من الترويج إلى فاعلية سياستها الخارجية وذلك في الداخل الأمريكي. كما قد يؤدي ذلك إلى المزيد من الثقة الأمريكية في التعامل مع قضايا المنطقة وأزماتها المختلفة، والترويج إلى مصداقية وفاعلية مظلتها الأمنية، حتى وإن اتجهت بعض الأطراف الإقليمية إلى بناء ترتيبات أمنية جديدة لحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، فإنها لن تكون بديلة عن المظلة الأمريكية.

ختامًا، يبدو أن مسار التهدئة والتفاوض بين الولايات المتحدة وإيران يشهد تأزمًا واضحًا، وهو الأمر الذي يعزز من حالة عدم اليقين بشأن مدى استمرار حالة التهدئة الراهنة بينهما، ومع ذلك، يظل هناك يقينًا بأن مضيق هرمز الذي يمثل قضية التفاوض الرئيسة في الوقت الراهن لن يكون بمثل أهميته السابقة، لا سيما مع تزايد الاهتمام بخفض الاعتمادية على المضيق، والاتجاه نحو مسارات بديلة لنقل النفط بما قد يتجاوز مضيق هرمز.

general-Tarek-abd-El-azeem
هل يؤدي الانفراج المؤقت لترتيبات سلام دائمة في المنطقة؟
general-Tarek-abd-El-azeem
رسائل الردع الإقليمية ومخاوف تمدد الحرب لنطاقات جديدة
general-Tarek-abd-El-azeem
مظاهر التصعيد الإقليمي ومساحات التهدئة المحدودة
general-Tarek-abd-El-azeem
مضيق هرمز من ورقة ضغط سياسية إلى محفز للتصعيد مجددًا
Scroll to Top