تستخدم الولايات المتحدة العقوبات الثانوية لتوسيع الضغط على إيران، ليشمل الدول والشركات والبنوك المتعاملة معها، مستفيدة من ارتباط هذه الجهات بالسوق والنظام المالي الأمريكي. وقد استهدفت أحدث العقوبات الأمريكية ما لا يقل عن 60 كيانًا في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، خاصة في قطاعات النفط والشحن والتمويل، بهدف تقليص الإيرادات الإيرانية ودفع الشركاء إلى الاختيار بين التعامل مع إيران أو الحفاظ على علاقاتهم بالولايات المتحدة. ومع ذلك، تمتلك إيران خبرة تمتد لأكثر من أربعة عقود في التعامل مع العقوبات، مكنتها من تطوير آليات للتكيف وإعادة توجيه التجارة وتوفير بدائل للقنوات المالية التقليدية.
التأثير على الشركاء التجاريين الرئيسين:
صدرت إيران عام 2024، سلعًا بقيمة 56 مليار دولار إلى ما لا يقل عن 112 دولة وإقليمًا، بينما بلغت وارداتها نحو 68.5 مليار دولار من أصل 87 دولة وإقليمًا على الأقل، وذلك فقًا لمنظمة التجارة العالمية، وقد استحوذت الإمارات على 30.6% من إجمالي واردات إيران، بقيمة بلغت 21.01 مليار دولار، تلتها الصين بنسبة 26%، وبقيمة 17.8 مليار دولار، ثم تركيا بنسبة 16.3%، وبقيمة 11.16 مليار دولار. وفيما يتعلق بالصادرات، فقد استحوذت الصين على النصيب الأكبر من الصادرات الإيرانية، بنسبة 26% وبقيمة 14.58 مليار دولار، تلتها العراق بنسبة 20.9% وبقيمة 11.7 مليار دولار، ثم الإمارات بنسبة 12.8% وبقيمة 7.16 مليار دولار، وأخيرًا تركيا بنسبة 10.9% وبقيمة 6.1 مليار دولار[1].
وتعتمد قدرة واشنطن على الضغط على الشركاء التجاريين لإيران بدرجة كبيرة على مدى ارتباطهم بالنظام المالي الأمريكي؛ فكلما ارتفع هذا الارتباط، زادت مخاطر العقوبات الثانوية على الشركات والمؤسسات المالية، ودفعها ذلك إلى تجنب أي معاملات مرتبطة بإيران. وفي المقابل، يظل تأثير هذه الضغوط محدودًا نسبيًا في الاقتصادات التي تتمتع بارتباط أقل بالنظام المالي الأمريكي، مثل بعض القطاعات في الصين وروسيا. وتتمثل أبرز الاقتصادات التي قد تتأثر بتداعيات هذه العقوبات خلال الفترة المقبلة فيما يلي:
1) الصين:
تبدو الصين في مقدمة الدول التي قد تواجه اختبارًا حقيقيًا في حال تصاعد الضغوط على إيران، باعتبارها أكبر شريك تجاري لها والمشتري الرئيس لنفطها، إذ كانت تشتري الصين في بعض الفترات أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية المشحون بحرًا[2]. ومع ذلك، يُرجح ألا تكون التداعيات على الاقتصاد الصيني بالغة الخطورة، بالنظر إلى ضخامة الاقتصاد الصيني وقدرته على تنويع مصادر الطاقة وتعويض جزء كبير من النفط الإيراني من الأسواق العالمية. ويُشير ذلك الأمر إلى أن الصين لا تتعامل مع وارداتها من إيران باعتبارها علاقة تجارية فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تمنحها نفوذًا في منطقة الخليج، وتدعم قدرتها على موازنة النفوذ الأمريكي والحفاظ على شريك استراتيجي مهم في مواجهة الضغوط الغربية.
تعززت قدرة الصين على مواصلة علاقاتها التجارية مع إيران، بفضل ما طورته خلال السنوات الماضية من آليات مالية ولوجستية للحد من تعرض تجارتها مع إيران لتداعيات العقوبات الأمريكية، حيث أنشأت الصين ترتيبات خاصة لتسوية مدفوعات النفط الإيراني، فيما استمرت الشركات الصينية في استيراد النفط رغم فرض الولايات المتحدة عقوبات على عدد من الناقلات المرتبطة بهذه التجارة، وتشمل هذه الترتيبات نقل النفط عبر سلسلة من الناقلات، بعضها خاضع للعقوبات وأخرى غير خاضعة لها، إلى جانب استخدام شبكات مالية ومصرفية معقدة لتسوية المدفوعات وشراء السلع الصينية من جانب الشركات الإيرانية[3]. في حين طورت إيران أيضًا خلال الفترات الاخيرة شبكة متنامية من مسارات النقل البري والسككي التي تربطها بالصين ودول شرق ووسط آسيا، بما يتيح لها تنويع مسارات صادراتها ووارداتها، وتقليل اعتمادها نسبيًا على طرق النقل البحري التقليدية في ظل تصاعد القيود والعقوبات الغربية.
وبالتالي، فإن تعرض الصين لضغوط أمريكية إضافية لا يعني بالضرورة توقف تدفق النفط الإيراني إليها، بل قد يدفع الصين إلى توسيع وتطوير آليات التحايل على العقوبات، خاصة إذا رأت أن الحفاظ على تدفق النفط الإيراني يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ويُشير استمرار الصين في شراء نحو نصف مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني خلال أغسطس 2026، رغم العقوبات المفروضة، إلى أنها لا تزال مستعدة لتحمل قدر من المخاطر للحفاظ على هذه العلاقة. ومع توالي التطورات المرتبطة بالعقوبات الأمريكية، أكدت الصين تمسكها بنهجها الرافض للضغوط والعقوبات أحادية الجانب، وتجديد رفضها للعقوبات الثانوية المفروضة على إيران، إلى جانب استمرارها في علاقاتها الاقتصادية معها واستعدادها للرد على أي إجراءات أمريكية تستهدف مصالحها، بما يعكس انتقال موقفها تدريجيًا من مجرد رفض العقوبات إلى تبني نهج أكثر حزمًا في مواجهة الضغوط الأمريكية.
2) الهند:
تبدو الهند من بين الدول التي لا تزال تسعى إلى الحفاظ على جزء من تجارتها مع إيران، خاصة في قطاع الأرز، الذي يمثل نحو ثلثي صادرات الهند إلى إيران، البالغة قيمتها 1.25 مليار دولار[4]، وقد ساعد لجوء التجار الهنود إلى قنوات مالية بديلة (عبر بعض الدول مثل ألمانيا والصين، ومؤخرًا تركيا)، لتسوية المدفوعات المرتبطة بالتجارة مع إيران، بدلًا من التعامل المباشر مع البنوك الإيرانية، على استمرار تدفق الشحنات والمدفوعات، ويعكس ذلك أن العقوبات قد تدفع الشركاء التجاريين إلى إعادة هيكلة آليات تعاملاتهم مع إيران بدلًا من وقفها بالكامل، خاصة عندما تظل هناك مصالح اقتصادية تدفع الطرفين إلى الحفاظ على تدفق التجارة.
إلا أن أكثر الجوانب تأثيرًا للعقوبات الأمريكية الثانوية على الهند يتمثل في ارتفاع تكلفة تأمين احتياجاتها من الطاقة، خاصة النفط، نتيجة اضطرار الشركات الهندية إلى الابتعاد عن الشحنات والسفن المرتبطة بإيران لتجنب العقوبات الأمريكية، وذلك لأن الهند تعتمد على الواردات النفطية لتغطية نحو 88.6% من استهلاكها، وأن أي اضطراب في حركة النفط عبر مضيق هرمز كان يرفع تكلفة الواردات على الاقتصاد الهندي، ويضغط على الروبية الهندية وبالتالي رفع معدلات التضخم والضغط على الحساب الجاري.
وقد سعت الهند نحو الحد من هذه التحديات عبر تنويع مصادر وارداتها النفطية، حيث استقبلت الهند مؤخرًا نحو 70% من وارداتها النفطية عبر مسارات خارج مضيق هرمز، من بدائل مثل روسيا وفنزويلا والدول الأفريقية، ومع ذلك تظل هذه البدائل محفوفة بتحديات لوجستية واقتصادية، نظرًا لبُعد هذه المصادر وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ويكتسب ذلك أهمية خاصة ارتباطًا باستهلاك الهند البالغ نحو 5.5 ملايين برميل يوميًا[5].
وتكمن خطورة هذه التطورات على الهند في توقيتها الحساس، إذ إن ارتفاع أسعار النفط ينعكس بصورة مباشرة على معدلات النمو والتضخم في الهند، ويعزز ذلك تقديرات بنك “HDFC” أحد أكبر البنوك الخاصة في الهند، الذي يُشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% من شأنه أن يخفض نمو الاقتصاد الهندي بنحو 0.20 – 0.25 نقطة مئوية، وبالتالي، يكمن الضرر الأساسي لهذه لعقوبات في زيادة تكلفة الطاقة والشحن والتأمين، وما يترتب عليها من تضخم وضغط على النمو والروبية[6].
السيناريوهات المحتملة:
تتباين تداعيات العقوبات الأمريكية على إيران بين شركائها التجاريين وفقًا لدرجة ارتباطها بإيران، وقدرتها على إيجاد بدائل مناسبة، وفي ضوء ذلك، يمكن طرح عدد من السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة وتداعياتها خلال المرحلة المقبلة على النحو التالي:
السيناريو الأول: التكيف والصمود (سيناريو أكثر ترجيحًا):
يُرجح أن تتمكن إيران من الحفاظ على قدر من النشاط التجاري والنفطي مثلما كانت تفعل سابقًا في ضوء تعرضها لتاريخ طويل من العقوبات الغربية، وذلك من خلال تعميق اعتمادها على الصين ودول الجوار من خلال آليات التسوية غير الدولارية والمقايضة وإعادة توجيه مسارات التجارة، وفي هذه الحالة قد تظل صادرات النفط قائمة لكن بتكلفة أكبر نتيجة ارتفاع مخاطر العقوبات والشحن والتأمين، بما قد يزيد الضغوط على عملتها المحلية والتضخم والنمو، ويصبح نجاح إيران في هذا السيناريو مرهونًا بقدرتها على جعل تكلفة الالتفاف على العقوبات أقل من تكلفة الامتثال الكامل لها بالنسبة لشركائها.
السيناريو الثاني: تشديد أمريكي أوسع:
قد تتجه الولايات المتحدة إلى توسيع العقوبات الثانوية لتشمل مزيدًا من شركات الشحن والبنوك والوسطاء، مع زيادة التركيز على الجهات والأطراف التي توفر قنوات خفية لإيران للوصول إلى الأسواق العالمية. وفي هذه الحالة، قد لا تتوقف التجارة الإيرانية بشكل كامل وإنما ستصبح أكثر تكلفة وتعقيدًا.
ومن المرجح أن ينعكس هذا السيناريو بصورة أكبر على الاقتصاد الإيراني من خلال تراجع صادرات النفط، وصعوبة الحصول على العملة الأجنبية، وارتفاع تكلفة السلع المستوردة، بما قد يؤدي ذلك إلى تسارع التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية لإيران وزيادة الضغوط على المالية العامة، وبما يحد من قدرة الحكومة الإيرانية على تمويل الاقتصاد ودعم الاستهلاك والاستثمار، وفي هذا السيناريو، قد تنجح الولايات المتحدة في تحقيق الهدف الأهم للعقوبات، وهو رفع تكلفة استمرار التجارة الإيرانية، بما يؤدي إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني.
السيناريو الثالث: تراجع فعالية الضغط الأمريكي:
قد تتمكن إيران من تحويل الضغوط الحالية إلى حافز لإعادة بناء شبكة تجارية واقتصادية أكثر استقلالًا عن النظام المالي الغربي، خاصة إذا واصلت الصين شراء النفط الإيراني ووسعت روسيا وكذلك دول الجوار دورها كممرات تجارية بديلة، إلى جانب زيادة استخدام العملات المحلية وآليات المقايضة والتسويات الثنائية.
وفي حال نجاح هذه الآليات في الحفاظ على تدفق النفط والواردات الأساسية، فقد تتراجع فعالية العقوبات الأمريكية تدريجيًا، خاصةً إذا أصبحت الشركات والدول المستهدفة أكثر استعدادًا لتحمل مخاطر العقوبات مقابل الحصول على النفط الإيراني أو الاستفادة من التجارة معها، إلا أن هذا السيناريو لا يعني خروج إيران من الأزمة دون تكلفة؛ حيث أن بناء نظام تجاري موازٍي للنظام المالي العالمي يظل أكثر تكلفة وأقل كفاءة.
ختامًا، في ضوء تشابك المصالح الاقتصادية بين إيران وشركائها، يُرجح ألا تفضي العقوبات إلى انهيار الاقتصاد الإيراني بالشكل الذي تسعى إليه الولايات المتحدة، كما أنه من غير المرجح أن تتمكن إيران من تجاوزها بالكامل؛ وإنما يتمثل السيناريو الأكثر ترجيحًا في استمرار قدرتها على الصمود والتكيف مع الضغوط المفروضة عليها، حيث تمتلك إيران بدائل تمكنها نسبيًا من الحفاظ على جزء من تجارتها وإيراداتها، خاصة أن إيران تمتلك تاريخ طويل من الخبرات في مواجهة العقوبات، وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة أدوات تمكنها من زيادة تكلفة هذه البدائل والضغط على الشركاء التجاريين لإضعاف جدواها.
ومن ثم، يُتوقع أن تتحدد نتيجة المواجهة خلال الفترة المقبلة بقدرة كل طرف على تحمل التكلفة والتحديات لفترة أطول، فإذا تمكنت إيران من الحفاظ على تدفقات النفط والتجارة، بينما عجزت الولايات المتحدة عن إقناع الصين ودول الجوار بالانسحاب، ستتراجع فعالية العقوبات، أما إذا نجحت الولايات المتحدة في نقل الضغط من إيران إلى شبكة الوسطاء والشركات والبنوك التي تعتمد عليها، فقد تتحول العقوبات من مجرد قيود على التجارة إلى ضغوطات هيكلية تزيد من التأثيرات السلبية على الاقتصاد الإيراني.
[1] “Who Are Iran’s Top Trading Partners The US Would Need To Target?“, Outlook India, 25 August 2026. Available at: https://www.outlookindia.com/international/who-are-irans-top-trading-partners-the-us-would-need-to-target
[2] “China’s heavy reliance on Iranian oil imports”, Reuters, 13 January 2025. Available at: https://www.reuters.com/business/energy/chinas-heavy-reliance-iranian-oil-imports-2026-03-21/
[3] Laurence Norman and James T. Areddy, ” How China Secretly Pays Iran for Oil and Avoids U.S. Sanctions”, The wall Street Journal, 5 October 2025, available at: https://www.wsj.com/world/middle-east/how-china-secretly-pays-iran-for-oil-and-avoids-u-s-sanctions-b6f1b71e & Rob Schmitz, “How China gets around the blockade of the Strait of Hormuz to get Iranian oil”, NPR, 2 August 2026, Available at: https://www.npr.org/2026/08/02/nx-s1-5913374/how-china-gets-around-the-blockade-of-the-strait-of-hormuz-to-get-iranian-oil
[4] “الهند تراهن على استمرار صادرات الأرز إلى إيران رغم العقوبات”، اقتصاد الشرق، 26 أغسطس 2026، متاح على: https://tinyurl.com/y9frpm65
[5] محمود يوسف، “الهند وعقوبات أمريكا على إيران.. انصياع كامل أم تمرد محسوب؟”، الجزيرة، 27 أغسطس 2028، متاح على: https://www.ajnet.me/ebusiness/2026/8/27/india-us-sanctions-iran
[6] المرجع السابق.

