تتجه المنطقة العربية ومناطق التماس العربية الإقليمية لمساحات من المواجهات المفتوحة على مصراعيها، ومشاهد تنذر بحالة من عدم الاستقرار، مما يؤكد على أننا أمام مرحلة حاسمة للنظام الإقليمي العربي، فمن الواضح وجود تفاوت في الرؤى بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي؛ فإسرائيل ترى أن الوقت إلى جانبها، وأن استمرار الحرب يصب في صالحها، بينما لدى الإدارة الأمريكية حسابات مختلفة، بما يشمل استمرار الاتصالات مع إيران عبر قنوات خلفية وعبر أجهزة المعلومات، وهو ما يُقلل من القدرة على التنبؤ بمآلات الحرب وإلى أين تمضي وتتجه.
أسفرت العمليات العسكرية الأمريكية عن تحقيق أهداف مهمة، بما في ذلك ضرب منصات الصواريخ والبنية التحتية الإيرانية والمشاريع النووية المتبقية، بالإضافة إلى تدمير آلاف الأهداف داخل إيران، إلا أنه من الواضح أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، فالأهداف السياسية والاقتصادية لم يكتمل تحقيقها، في ظل تباين الرؤى والمقاربات وعدم القدرة – حتى الآن – على الحسم من أي طرف، بالرغم من القوة النيرانية للولايات المتحدة وتكثيف الضربات الإسرائيلية على مواقع متعددة في الداخل الإيراني، وفي المقابل امتلاك إيران استراتيجية الردع المقابل، والقدرة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي، واستمرار تهديد المصالح الأمريكية بالمنطقة.
ومن الواضح أن هناك ضغوط تمارسها إسرائيل على الإدارة الأمريكية لاستمرار العمليات وتدمير القدرات الإيرانية قدر المستطاع، بينما يظل الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” متأرجحًا بين الرغبة في إنهاء الحرب والاعتبارات العسكرية والسياسية والمالية، خاصةً أن بعض الفاعلين في الحزب الجمهوري، ومؤيدي رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” يشجعون على استمرار الحرب، بينما يرى الرئيس “ترامب” أن الأهداف العسكرية قد تحققت، مما يجعله يفكر في إنهاء المواجهة تدريجيًا وبالرغم من تصاعد العمليات العسكرية، فإن خطوط الاتصال مع إيران لم تنقطع، لا سيما أن سلطنة عُمان قد تلعب دورًا مهمًا في التوسط للتوصل إلى تفاهمات ولو أولية.
وتعكس التطورات المرتبطة بالموقف الأمريكي من الحرب في إيران أن الولايات المتحدة تتبنى استراتيجية مزدوجة تقوم على الجمع بين التصعيد العسكري وإدارة المسار الدبلوماسي في الوقت ذاته، فمن ناحية، تسعى الولايات المتحدة إلى توجيه ضربات عسكرية مكثفة لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وفرض واقع ميداني ضاغط على إيران، بما يعزز موقع الإدارة الأمريكية التفاوضي. ومن ناحية أخرى، تحافظ الإدارة الأمريكية على قنوات اتصال مكثفة مع الحلفاء الأوروبيين والإقليميين، في محاولة لتشكيل جبهة سياسية داعمة للموقف الأمريكي، وضمان استمرار التنسيق الأمني في ظل المخاوف من اتساع نطاق الحرب إقليميًا.
وفي المجمل، تُشير هذه التحركات إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى إدارة الصراع وليس بالضرورة توسيعه إلى حرب شاملة طويلة الأمد، حيث يبرز في الخطاب الأمريكي حرص واضح على ضبط مسار التصعيد وتجنب تداعياته الاقتصادية والاستراتيجية، خاصةً فيما يتعلق بأمن الممرات البحرية وإمدادات الطاقة العالمية، ولهذا يمكن تفسير المباحثات المكثفة مع الدول الأوروبية ودول الشرق الأوسط باعتبارها جزءًا من مساعي الإدارة الأمريكية لاحتواء تداعيات الحرب، والحفاظ على تماسك التحالفات الدولية، ومنع أي فراغ استراتيجي قد تستغله قوى دولية أخرى مثل روسيا أو الصين لتعزيز نفوذها في المنطقة. وتكشف التحركات الأمريكية أيضًا عن سعيها لإعادة ترسيخ دورها القيادي في إدارة الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط، خاصة في ظل الحرب الجارية، فتكثيف الاتصالات مع الحلفاء الأوروبيين والدول الإقليمية يعكس محاولة أمريكية للتأكيد أن الولايات المتحدة ما تزال الفاعل الرئيس القادر على تنسيق الاستجابة الدولية للأزمات الأمنية الكبرى في المنطقة.
وعلى صعيد آخر، تكشف التطورات الجارية عن تزايد الإدراك الأوروبي بأن الحرب باتت تؤثر بصورة مباشرة على التوازنات الدولية الأوسع، فتصريحات رئيس المجلس الأوروبي “أنطونيو كوستا” بأن روسيا قد تكون المستفيد الرئيس من الحرب تعكس قلقًا متناميًا داخل الاتحاد الأوروبي من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تحويل الاهتمام والموارد الدولية بعيدًا عن أولويات أوروبا الاستراتيجية، التي تشمل الحرب في أوكرانيا، بما قد يمنح روسيا هامشًا أوسع للمناورة سياسيًا واقتصاديًا.
كما تحد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط من قدرة الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على تماسك موقفه في ملف الطاقة، فارتفاع الأسعار العالمية نتيجة الحرب قد دفع ببعض الأطراف إلى إعادة طرح مسألة العقوبات على الطاقة الروسية، غير أن هذا الجدل يكشف في جوهره عن معضلة أوسع تواجهها أوروبا، تتمثل في كيفية التوفيق بين متطلبات أمن الطاقة والحفاظ على استراتيجية أوروبية متماسكة.
وعلى الجانب الإيراني، يمكن القول إنها تتبنى استراتيجية الإزعاج الاستراتيجي كبديل عن المواجهة النارية التقليدية، مُركزة على ضرب المنظومات الحيوية للخصم، كالرادارات وأجهزة الدفاع الجوي، لتقليص فجوة التفوق التكنولوجي. ويتزامن ذلك مع تحريك الأذرع الموالية في العراق لشن هجمات تستهدف أماكن وجود الجنود الأمريكيين، بهدف إيجاد بيئة استنزاف أمني تجعل الوجود العسكري الأجنبي مكلفًا وغير مستقر. كما اتسمت ضربات حزب الله اللبناني بالقدرة على الوصول إلى مواقع استراتيجية مهمة في إسرائيل، وإيقاع خسائر كبيرة، وهو ما حاولت إسرائيل التعتيم عليه، إلا أن أداء حزب الله مازال داعمًا رئيسًا لإيران في المواجهة الراهنة.
وتسعى إيران من خلال هذا التحول التكتيكي إلى إعادة صياغة مفهوم النصر، فبدلًا من سحق العدو، يصبح مجرد النجاة والمقاومة تحت وطأة القصف العنيف انتصارًا سياسيًا ومعنويًا يمكن تسويقه للداخل الإيراني، حيث يشهد النظام حالة من الاستنفار الاستخباراتي لمواجهة الاختراقات الأمنية التي أدت لاغتيالات كبرى في صفوف القيادات الإيرانية، وتأتي حملة الاعتقالات الواسعة بتهم التجسس كأداة لضبط التماسك الداخلي وتخويف المعارضة من أي تحركات خلال المرحلة الحالية.
في المجمل، سيبقى هدف إسرائيل المُعلن هو إزالة التهديد الوجودي الإيراني بشكل جذري، بينما تركز الولايات المتحدة على منع إيران من امتلاك سلاح نووي فقط، مع الحفاظ على توازنات القوى في منطقة الشرق الأوسط دون الدخول في سيناريو تغيير النظام الذي يخشاه البنتاجون، فعلى الرغم من هذه الخلافات، فإن إسرائيل تظل تعتمد كليًا على الولايات المتحدة في تزويدها بالذخيرة، والمعلومات الاستخباراتية، والحماية الدبلوماسية، مما يجعل قدرتها على مخالفة الرغبة الأمريكية بشكل كامل مغامرة سياسية وعسكرية عالية المخاطر. وعلى الصعيد الأوروبي، وبينما تسعى مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى احتواء صدمة الأسعار عبر استخدام الاحتياطيات النفطية أو إجراءات استثنائية في السوق، فقد استغلت بعض الأطراف هذه الأزمة لتجديد الدعوة إلى تخفيف القيود المفروضة على الطاقة الروسية، ومع ذلك، فإنه من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى تحول أوروبي واسع نحو استئناف الاعتماد على روسيا، نظرًا لارتباط ملف الطاقة مباشرةً بالحرب في أوكرانيا وبجهود الاتحاد الأوروبي لتعزيز استقلاله الاستراتيجي في هذا المجال.
ترتيبًا على ما تقدم، تبقى كل الخيارات واردة وكل السيناريوهات المطروحة قائمة، خاصةً مع التوقع المحتمل بانتهاء الأزمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وفي نفس الوقت وجود بيانات وتصريحات متفائلة بقرب انتهاء الحرب وذلك من جانب، وبين وجود بعض العوامل الدافعة نحو استمرار العمليات العسكرية الميدانية بل وإمكانية تصعيدها خلال الفترة القريبة القادمة وذلك من جانب آخر.
