بعد اليوم الـ 18: المشهد الراهن سياسيًا واستراتيجيًا في إطار المواجهات الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية

17/03/2026

تتجه المواجهات الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية لمساحات متسعة من السيناريوهات، في ظل طرح الأطراف المعنية لأهداف وتوجهات متباينة، الأمر الذي يُشير إلى أن توقف إطلاق النار ليس حلًا، خاصة مع تعقد الترتيبات الأمنية التي سترتبط بمواقف الأطراف المعنية، وفي القلب منها الموقف الخليجي وإيران إضافة للولايات المتحدة وإسرائيل.

إيرانيًا، أعلن الرئيس “مسعود بزشكيان” أن رسالة المرشد الجديد “مجتبى خامنئي” رسمت مسار البلاد المستقبلي في هذه المرحلة المصيرية، وأكد التزام الحكومة الكامل بتوجيهات المرشد، وأن كافة السياسات الدولية لن تُطرح دون تنسيق مسبق معه. ومن الواضح أن إيران لا تخوض اليوم حربًا بالوكالة بل تخوض حرب البقاء، حيث تسعى عبر دمج القيادة السياسية والعسكرية والدينية في كتلة واحدة، وتفعيل أذرعها الإقليمية، إلى تحويل كلفة سقوطها إلى كلفة عالمية لا يمكن تحملها، في حين تظهر في الخارج معارضة بديلة بدأت تكتسب اعترافًا دوليًا، وإن كان غير مؤثرًا، كجزء من ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار. يوضح ما سبق أن إيران قد انتقلت من استراتيجية الصبر الاستراتيجي إلى الردع الشامل فالتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وإعلان استهداف حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، ليس مجرد تصعيد لافت، بل هو محاولة لفرض معادلة مكلفة تجبر المجتمع الدولي على التدخل لتهدئة الولايات المتحدة وإسرائيل خوفًا من انهيار سوق الطاقة.

فيما دعا عدد من أعضاء الكونجرس إلى ضرورة الحد من صلاحيات الإدارة في توسيع العمليات العسكرية دون تفويض، حيث طالب السيناتور “بيرني ساندرز” بالحصول على موافقة تشريعية قبل أي تصعيد إضافي، مؤكدًا أن الانخراط في حرب جديدة يجب أن يخضع لرقابة الكونجرس، كما أعربت السيناتور “إليزابيث وارن” عن قلقها من عدم وضوح الأهداف الأمريكية في الحرب، مطالبة الإدارة بتفسير خطتها بشكل أكثر شفافية، فيما شدد النائب “رو خانا” على ضرورة إعطاء أولوية للحلول الدبلوماسية لتجنب تصعيد أوسع. وفي المقابل، أيد عدد من الجمهوريين استمرار العمليات العسكرية، حيث أكد السيناتور” ليندسي جراهام” ضرورة اتخاذ موقف حاسم ضد إيران، معتبرًا أن التراجع قد يضعف النفوذ الأمريكي.

وتعكس تصريحات الرئيس “ترامب” حالة من عدم الاتساق الاستراتيجي، حيث جمعت بين الحديث عن إمكانية إنهاء الحرب والاستمرار في التصعيد العسكري، ولا يُفسر هذا التناقض فقط كتكتيك تفاوضي، بل يشير إلى غياب رؤية نهائية واضحة داخل دوائر صنع القرار، وهو ما ينعكس سلبًا على وضوح الأهداف الأمريكية وقدرتها على توجيه العمليات بشكل حاسم. وتكشف الدعوة الأمريكية لتوسيع مشاركة الحلفاء عن إدراك متزايد لارتفاع كلفة الحرب، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، ويهدف هذا التوجه نحو تدويل الصراع إلى تقاسم الأعباء، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى تعقيد بنية القرار داخل التحالف، ويحد من قدرة الولايات المتحدة على التحرك السريع والمنفرد. وقد يؤدي تضارب الرسائل بين التهديد بالتصعيد وفتح باب التفاوض إلى تآكل مصداقية القوة الأمريكية، فالردع الفعال يعتمد على وضوح النوايا، وأي غموض قد يشجع إيران على اختبار حدود هذا الردع، بما يزيد من احتمالات التصعيد غير المحسوب.

وتعكس التطورات الداخلية في الولايات المتحدة أن الحرب مع إيران بدأت تتحول تدريجيًا إلى قضية سياسية داخلية ذات أبعاد استراتيجية، تتجاوز إطارها العسكري الخارجي لتؤثر على توازنات السلطة بين المؤسسات السياسية الأمريكية، فتصاعد الانتقادات داخل الكونجرس بشأن صلاحيات الرئيس في إدارة العمليات العسكرية يشير إلى عودة الجدل التقليدي في النظام السياسي الأمريكي حول حدود سلطة السلطة التنفيذية في استخدام القوة العسكرية كما أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يؤدي إلى تزايد الضغوط التشريعية على الإدارة الأمريكية، خاصةً إذا حاول بعض المشرعين الدفع نحو إصدار تشريعات تقيد نطاق العمليات العسكرية أو تفرض رقابة أكبر عليها.

وفي إطار رصد وتقييم الموقف الإسرائيلي، فمن الواضح أن حكومة “نتنياهو” لم تحدد رسميًا أن هدف حربها على إيران هو إسقاط النظام فيها، وعلى الرغم من ذلك، فإنها تعمل بكل وسيلة لتحقيق هذا الأمر، من خلال الضربات العسكرية التي توجهها إلى الأهداف المرتبطة بالمشروع النووي الإيراني والصواريخ البالستية، ومختلف مؤسسات النظام الإيراني ومفاصل التأثير فيه. ومن الواضح أنه لا يوجد خلاف في إسرائيل بين المستويين السياسي والعسكري بشأن أهداف الحرب، فالجيش الإسرائيلي يؤيد استعمال القوة العسكرية في كل فرصة تلوح أمامه لإضعاف إيران. ولكن المؤسسة العسكرية تدرك، في الوقت نفسه، أكثر من القيادة السياسية، أن إسقاط النظام الإيراني لن يكون سهلًا. حيث تفضل إدارة “ترامب” إحداث تغيير من داخل النظام الإيراني وفي سياساته، مع الحفاظ على بنيته قائمة، حتى لا يحدث فراغ في حكم إيران، ومن ثمّ قد يؤدي إلى فوضى أو حرب أهلية.

وتكشف النقاشات الأوروبية حول مهمة “أسبيدس” وحدود دورها أن الاتحاد الأوروبي يحاول الحفاظ على معادلة دقيقة بين حماية أمن الملاحة والطاقة من جهة، وتجنب التحول إلى طرف عسكري مباشر في الحرب من جهة أخرى، وهو ما يفسر تمسك العواصم الأوروبية بإبقاء المهمة ضمن إطار دفاعي محدود بدلًا من توسيعها إلى مضيق هرمز، ويعكس إدراكًا أوروبيًا بأن أي توسع في المهمة قد يضع الاتحاد عمليًا في قلب الصراع.

كما تُشير التطورات الراهنة إلى أن الضغوط الأمريكية قد بدأت في توليد ردود فعل أوروبية دفاعية تتجاوز الإطار الأطلسي إلى المستوى السياسي داخل العواصم الأوروبية. فحين يربط الرئيس “ترامب” مستقبل الناتو بمدى استعداد الحلفاء للمساهمة في المخططات بشأن مضيق هرمز، تميل هذه العواصم إلى التشديد على غياب التفويض، وعلى أولوية المسار الدبلوماسي، وعلى حقها في تحديد حدود انخراطها العسكري بنفسها. لكن الجدير بالانتباه عدم وجود رد فرنسي واضح بعد محادثة “ترامب “وماكرون”.

في الوقت نفسه، يؤكد تكرار الحوادث الأمنية في أوروبا أن الحرب تواصل إنتاج ارتدادات داخلية، تتجاوز الحكومات والسياسات إلى المجال الاجتماعي والأمني الداخلي. وهذا يعني أن إدارة الأزمة أوروبيًا لم تعد مقتصرة على الملاحة والطاقة والعلاقات مع الولايات المتحدة، بل امتدت لتشمل أيضًا احتواء آثارها على الأمن الداخلي والتماسك المجتمعي، حيث تكشف التحفظات الألمانية والجهود الدبلوماسية الفرنسية أن أوروبا ما تزال تسعى إلى الموازنة بين حماية مصالحها الاستراتيجية وتجنب الانزلاق إلى انخراط عسكري مباشر في الحرب. فبينما يدفع القلق على أمن الطاقة والملاحة نحو توسيع الأدوار البحرية الأوروبية، تواصل العواصم الكبرى في الاتحاد محاولة إبقاء الأزمة ضمن مسار احتواء سياسي ودبلوماسي.

ختامًا، ينبغي التأكيد على أن الدولة المصرية تتبنى موقفًا ثابتًا يدعم أمن واستقرار دول الخليج العربي، فهو خط أحمر وجزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي، وهو ما ظهر في تأكيد مصر على دعمها الراسخ للدول الخليجية في مواجهة التحديات الحالية، ورفضها الشديد وإدانتها للاعتداءات التي تعرضت لها، ورفض انتهاك السيادة العربية. كما دعت مصر حاليًا إلى تفعيل مفهوم “الأمن القومي العربي الجماعي” واتفاقية الدفاع العربي المشترك لمواجهة التهديدات الخارجية.

general Tarek abd El azeem
كيف ستبدأ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تحت النار؟
general Tarek abd El azeem
المشهد الراهن بعد 13 يومًا من مواجهات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران
general Tarek abd El azeem
عشر نقاط أولية في المشهد الراهن للضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران
general Tarek abd El azeem
التصعيد الأمريكي الإيراني ... فرص الحرب والسلام
Scroll to Top