أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إن قادة إيران يتوسلون للتوصل لاتفاق، لكن الولايات المتحدة قد تُهاجم إيران في الأيام المقبلة إذا لم يتسن التوصل إلى اتفاق، في الوقت ذاته، أشار نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” إلى تقدم في المفاوضات مع إيران، وأن الولايات المتحدة تبذل جهودًا دبلوماسية نشطة لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. في المقابل، برز موقف إيراني يقوم على انتقاد تصريحات الرئيس “ترامب”، إلى جانب التهديد بفتح جبهات جديدة، حال قيام الولايات المتحدة بتنفيذ هجمات جديدة على إيران.
تُشير هذه التطورات إلى انتقال الإدارة الأمريكية إلى مرحلة جديدة من الضغط السياسي أكثر تكيفًا مع المطالب والشواغل الأمنية الإقليمية، حيث كشفت تقارير عن إرسال الولايات المتحدة مقترحًا نوويًا جديدًا إلى إيران يتضمن مطالب أكثر تشددًا بشأن تخصيب اليورانيوم. ويعكس الموقف الأمريكي نمطًا استراتيجيًا مركبًا يقوم على تكييف استراتيجية الضغط الأقصى مع واقع الحرب والمفاوضات مع إيران، ويقوم هذا النمط على إدارة التصعيد وليس الانخراط في حرب شاملة، وهو ما يمكن قراءته باعتباره محاولة لتحقيق أقصى قدر من الضغط على إيران بأقل تكلفة ممكنة. ووفقًا للمقاربة الأمريكية، فإنه يتم الجمع بين أدوات القوة الصلبة، عبر الانتشار العسكري وتعزيز الردع، وأدوات القوة الناعمة والخشنة اقتصاديًا ودبلوماسيًا.
ويمكن النظر إلى الرغبة الأمريكية في إبرام اتفاق بشكل سريع باعتبارها انعكاسًا للضغوط الداخلية المتزايدة التي تُواجهها الإدارة الأمريكية، لا سيما بعد تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار أولي يهدف إلى تقييد صلاحيات “ترامب” العسكرية ضد إيران، وذلك بعد فشل سبع محاولات سابقة. وعلى الرغم من أهمية إجراء تصويت نهائي على القرار، ووجود توقعات بصعوبة تمريره في مجلس النواب الذي يُهمين عليه الجمهوريون، فإن ذلك يكشف بوضوح عن تصاعد التجاذبات والضغوط السياسية داخل المؤسسات الأمريكية.
نجحت الولايات المتحدة نسبيًا في فرض معادلة ردع مؤقتة، إذ أظهرت القدرة على تهديد العمق الإيراني وإضعاف بعض قدراته، كما أن تحركاتها العسكرية السريعة وإعادة التموضع في الخليج بعثت برسائل طمأنة للحلفاء الإقليميين، خاصة في الخليج العربي، مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال الضامن الرئيس لأمن المنطقة.
وعلى الرغم من هذا النجاح الأمريكي، فإنه يظل تكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا، لأنه لم يترجم حتى الآن إلى تغيير جوهري في سلوك إيران، ويواجه هذا النهج الأمريكي عدة قيود استراتيجية، يتمثل أبرزها في أن سياسة الضغط دون الحسم تحمل خطر الاستنزاف طويل الأمد، سواء عسكريًا أم اقتصاديًا، لا سيما مع تزايد الضغوط الداخلية داخل الولايات المتحدة بشأن كلفة الحرب وحدود صلاحيات الرئيس، وتؤدي محدودية الدعم الدولي الكامل للولايات المتحدة، خاصةً من قوى مثل الصين، إلى تقليل من فاعلية الضغوط الأمريكية وتمنح إيران هامش مناورة أكبر.
كما يكشف الأداء الأمريكي عن مفارقة استراتيجية واضحة؛ فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تجنب حرب شاملة، فإن أدواتها الحالية (الضربات المحدودة، والعقوبات، والحشد العسكري) قد تدفع تدريجيًا نحو توسيع نطاق الصراع بدل احتوائه. بمعنى آخر، الاستراتيجية الأمريكية تقوم على حافة الهاوية المنضبطة، لكن ذلك لا يمنع حدوث تصعيد غير محسوب، إذا ما اختلت حسابات الردع، أو سوء التقدير من الجانب الإيراني، أو تصاعد الهجمات غير المباشرة عبر الوكلاء.
ويتزامن ذلك مع ما يمكن وصفة بحالة التهيئة للرأي العام الإسرائيلي بشأن احتمالية عودة الهجمات الإسرائيلية داخل العمق الإيراني والاستعداد للإعلان عن فشل مفاوضات الهدنة، لا سيما مع التصريحات الداخلية التي تؤكد على استمرار المقاربة الإيرانية في تطوير سلاحها النووي، والإشارة إلى وجود رغبة إيرانية في توجيه ضربة استباقية ضد إسرائيل، لإعادة كسب الشرعية وتصدير الأزمة إلى الخارج بسبب تعرض إيران لضغوط داخلية شديدة، وتصاعد الانتقادات الموجهة للنظام وسياساته الإقليمية والاقتصادية.
في مقابل ذلك، يتضح أن الجانب الإيراني لا يزال متمسكًا بالمفاوضات مع الولايات المتحدة على الرغم من انعدام الثقة، وقد تستمر إيران في استخدام دبلوماسية المظلومية ونزع الشرعية عن السياسات والتحركات الأمريكية الخطرة في المنطقة، بالتزامن مع التمسك بمطالبها المتضمنة في المقترح الجديد الذي أعلن عنه نائب وزير الخارجية الإيراني “كاظم غريب أبادي”، التي شملت حزمة مطالب سياسية واقتصادية وأمنية، أبرزها رفع العقوبات المفروضة على إيران وإنهاء الحرب على مختلف الجبهات الإقليمية.
ويبدو أن إيران تحاول إرساء قواعد اشتباك تفاوضية جديدة مع إدارة الرئيس “ترامب”، عبر طرح صفقة شاملة تربط ملف العقوبات الاقتصادية بملف التهدئة الإقليمية، وتُقايض نفوذها الإقليمي بضمانات بقاء النظام وتخفيف الضغط الاقتصادي الخانق. الأمر الذي قد يمثل اختبارًا لمدى مرونة الولايات المتحدة، فإما أن يُمهد ذلك لتسوية كبرى تُبرد الجبهات المشتعلة في الشرق الأوسط، أم أن تتبنى الولايات المتحدة موقفًا متصلبًا، بما قد يدفع بإيران نحو التصعيد كأوراق ضغط بديلة.
وبالنظر إلى دور العامل الدولي في التطورات الإقليمية، نجد أن زيارة الرئيس الأمريكي “ترامب” إلى الصين لم تُحدث اختراقًا مباشرًا في الأزمة الراهنة، إلا أن هناك مؤشرات على قيام الرئيسين الأمريكي والصيني بإفراد مساحة كبيرة لبحث الملف الإيراني وتبادل الآراء بشأنه، حيث تهتم الصين بالحفاظ على مصالحها الاقتصادية بالرغم من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
أكد الرئيس الصيني “شي جين بينغ” خلال محادثاته مع الرئيس “ترامب” على ضرورة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وبالتزامن مع الزيارة، فقد عبرت بعض ناقلات النفط الإيرانية مضيق هرمز متوجهة للصين التي تعتمد على استيراد نحو 13% من احتياجاتها النفطية من إيران، وما كان عبور تلك الناقلات سيحدث لولا موافقة أمريكية. كما أعلن الرئيس “ترامب” عن دراسة رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على شركات النفط الصينية التي تشتري النفط الإيراني.
تعكس هذه المؤشرات وجود توجه أمريكي جديد لتقديم “تنازل غير مباشر” للصين لدفعها للتوسط لدى (أو للضغط على) إيران للقبول بالمقترحات الأمريكية لإنهاء الحرب، بدلًا من اضطرار الولايات المتحدة إلى استئناف العمليات العسكرية مرة أخرى. كما يعكس السلوك الأمريكي في مجمله إدراكًا متزايدًا لخطورة الانزلاق نحو حرب استنزاف واسعة، لا سيما أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية، بل ستمتد إلى مسارح متعددة، تشمل دول الخليج والعراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر، بما يُهدد المصالح الأمريكية، وشبكات الطاقة والتجارة الدولية.
في ذات السياق، فإن الأزمة في الشرق الأوسط قد ألقت بظلالها على زيارة الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إلى الصين، حيث انتقدتا الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران باعتبار أنها تنتهك القانون الدولي والمبادئ الأساسية للعلاقات الدولية، وتقوض الاستقرار في الشرق الأوسط، ودعتا أطراف النزاع إلى التفاوض، وأعربتا عن القلق إزاء الإجراءات الأحادية لتقييد الملاحة البحرية وتهديد سلامة سلاسل التوريد والتجارة العالمية.
وتمثل الصين شريكًا اقتصاديًا واستراتيجيًا مهمًا لروسيا، التي تمتلك موارد ضخمة من الطاقة، كما تعد الطاقة الروسية عنصرًا مهما لضمان إمدادات الطاقة إلى الصين لا سيما مع استمرار الأزمة في مضيق هرمز. ويُثير ذلك الأمر مسألة أخرى تتعلق بتأثير الأزمة في الشرق الأوسط على بنية النظام العالمي نفسه، فروسيا تريد بناء نظام يتجاوز الولايات المتحدة تمامًا، أما الصين فتبدو أكثر حذرًا وبراجماتية، وتفضل الصبر وتحقيق مكاسب تدريجية على المدى الطويل، الأمر الذي قد ينعكس على أسلوب تعاملها مع أي مقاربات جديدة بشأن إيران ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها.
ختامًا، يمكن التأكيد على أن منطقة الشرق الأوسط قد تكون مقبلة على تطورات مفصلية خلال المرحلة الحالية، إما باتجاه حل سلمي مؤقت عبر التوصل لاتفاق مبادئ، وإما بالتحرك في اتجاه عودة العمليات العسكرية مرة أخرى، والتي ستهدف إلى تغيير مقاربة المواجهة التفاوضية على أرضية جديدة.
