مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية والاختبارات الجدية

01/07/2026

لا يزال الموقف في الشرق الأوسط يتأرجح بين الاستمرار في التفاوض المفتوح، وفق مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، وبين تهديدات الرئيس “دونالد ترامب” بالعودة للمواجهات العسكرية لحسم الأمر، خاصةً مع وجود بعض مظاهر الجمود في مسار المفاوضات بعد جولة تصعيد محدودة خلال الأيام الماضية، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية القطرية “ماجد الأنصاري” أنه لا يوجد اجتماع رفيع المستوى مقرر بين الولايات المتحدة وإيران، وأن زيارة المبعوثين الأمريكيين “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنر” إلى قطر تأتي في إطار الالتقاء بالوسطاء والتباحث حول المفاوضات مع إيران، وأنه لا يوجد اجتماع رفيع المستوى مُقرر مع إيران.

على صعيد متصل، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي” عقد اجتماعات مع الولايات المتحدة، وأن وجود وفد إيراني في قطر بالتزامن مع زيارة المبعوثين الأمريكيين، يستهدف عقد مباحثات مع قطر، لا سيما فيما يتعلق بالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وهو ما يأتي متوافقًا مع ما أعلنه الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” من أن قطر ستفرج عن 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة البالغة 12 مليار دولار.

وعلى الرغم من أهمية ملف الأموال الإيرانية المجمدة نظرًا لحاجة الاقتصاد الإيراني إلى هذه التدفقات المالية، وباعتباره تقدمًا في مستويات تنفيذ التوافقات الاقتصادية الأمريكية الإيرانية وأنها لم تعد تقتصر على مجرد رفع قيود، فإن قطر قد تبنت موقفًا تجاه هذه المناورة الإيرانية، يقوم على نفي قيامها بتحويل أصول إيرانية مجمدة بقيمة 6 مليارات دولار، مثلما لوجت إيران وبعض التقارير الأجنبية، بل وربطت قيامها بهذه الخطوة ببعض الشروط، أبرزها: وجود تقدم في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وتوافقهما على ذلك.

وفي ذات السياق، برز مضيق هرمز مجددًا كورقة ضغط ومساومة إيرانية في مواجهة الولايات المتحدة، فعلى الرغم من صمود التفاهم حول استعادة حركة الملاحة فيه مرة أخرى، فإنها لا تزال تنخفض عن مستويات الفترة التي سبقت اندلاع الحرب والمواجهات، كما أنه عُرضة لتوظيفه مرة أخرى في سياق مسار التفاوض الأمريكي الإيراني، وملفاته المعقدة، بما قد يشمل ملف الأموال المجمدة.

وتدرك إيران مدى أهمية مضيق هرمز بالنسبة لها من عدة جوانب، فالمضيق يمكنه أن يوفر سنويًا نحو 40 مليار دولار لإيران – وفق بعض التقديرات – نظير فرض الرسوم، بما يُسهم بصورة مباشرة في تحقيق انتعاش اقتصادي، كما أن المضيق يعد ورقة تفاوض مهمة مع الجانب الأمريكي للحصول على تنازلات في ملفات أخرى، وتمنح السيطرة على المضيق ثقل جيوسياسي لإيران في مواجهة المجتمع الدولي، لا سيما أن المضيق ممر استراتيجي مهم، يؤثر بصورة مباشرة على صادرات النفط العالمية، وعلى أسعار الطاقة.

ويُفسر ما سبق الرغبة الإيرانية في السيطرة على بعض الأمور التشغيلية، فعلى سبيل المثال، تتمسك إيران بأن تقوم وحدها بعمليات إزالة الألغام من المضيق، واعتبرت أن أي محاولة لتغيير هذا الأمر سيعُقد من الوضع في المنطقة، كما تُشير بعض التقارير الأجنبية إلى تمسك إيران بتوظيف المضيق لتحقيق عوائد اقتصادية، من خلال فرض رسوم إلزامية على السفن.

ويتضح أن إيران تحاول الدفع بسلطنة عُمان لتتبنى هذا الموقف، انطلاقًا من كونهما الدولتين المُشاطئتين للمضيق، ومع ذلك، فقد أظهرت سلطنة عُمان موقفًا مسئولًا تجاه هذه المحاولات الإيرانية، حيث أعلنت فتح ممر بحري مؤقت في الجزء الواقع ضمن مياهها الإقليمية من المضيق، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، وهو ما أثار استياء الجانب الإيراني، خاصةً أن الممر العُماني يعني عمليًا تقويض السيطرة التي ترغب إيران في تحقيقها، ودفعها إلى رفض الممر الجديد، واعتباره وأي ممر آخر ينطوي على خطورة بالغة.

كما أعلن وزير الخارجية العُماني عدم تأييد بلاده فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز التزامًا بقواعد القانون الدولي، وقد جاء هذا الإعلان بالتزامن مع انعقاد أول اجتماع للجنة العمانية الإيرانية المُشتركة المعنية ببحث ترتيبات الإدارة المستقبلية للمضيق هرمز، وبعد الاجتماع الوزاري بين مجلس التعاون لدول الخليج العربي والولايات المتحدة، بمشاركة وزير الخارجية العُماني، والذي أكد على أن “الترتيبات المستقبلية المتعلقة بالمضيق لا تنطوي على فرض أي رسوم للعبور”، كما صدر عن الاجتماع بيانًا مُشتركًا تضمن التأكيد على رفض “فرض أي رسوم أو ضرائب أو محاولات لفرض السيطرة على المضيق”.

يتضح مما سبق أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية ومسار التفاوض بأكمله يتعرض لاختبارات جدية وضغوط قاسية، فعلى الرغم من أن الطرفين لا يريدان العودة للحرب مجددًا، فإن إثارة ملفات الأموال المجمدة وفرض رسوم على حركة الملاحة في مضيق هرمز، والتي لم تكن ضمن الملفات الأكثر حساسية – ونعني هنا البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني بشكل خاص – بل وجعلها أولوية ومحور خلاف وجدل، قد يؤدي إلى نسف مسار التفاوض، ذلك أن مهلة الستين يومًا تمر دون تحقيق تقدم في الملفات التي قامت لأجلها الحرب.

ختامًا، يمكن القول إن الوسطاء بين الولايات المتحدة وإيران أمام مهمة شاقة، حيث لم يعد يقتصر الأمر على مجرد توفير بيئة مواتية للمفاوضات أو تقريب وجهات النظر بين الطرفين أو منع وقوع التصعيد، لكنه امتد ليشمل مهام أخرى أكثر تعقيدًا وتتطلب جهودًا مضاعفة، بما في ذلك وضع آليات واضحة لتفسير الغموض أو الالتباس حول بعض بنود مذكرة التفاهم، ودفع الطرفين نحو التركيز على الملفات التي تمثل أولوية متقدمة، والأكثر صعوبة أن الوسطاء مطالبون بإنجاز ذلك كله في ظل هامش محدود من الوقت.

general-Tarek-abd-El-azeem
قراءة في مستجدات المفاوضات الأمريكية الإيرانية
general-Tarek-abd-El-azeem
تساؤلات مطروحة: ماذا بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية؟
general-Tarek-abd-El-azeem
إدارة الصراع مع إيران من المنظورين الأمريكي والإسرائيلي
general-Tarek-abd-El-azeem
الأزمة الإيرانية بين التهدئة الهشة شمالًا والغموض المتصاعد شرقًا
Scroll to Top